ناب كافكا المصاب

هاله ابوليل
2017 / 11 / 26


8

ثلاث ليالي قضاها الناب في الخارج , وهاهو يعود مضروبا ومتورما ومهزوما
نظرت إلى وجه الأبيض و صلعته اللامعة وإنتابني شعور غريب , شعرت بميل حفي نحوه , شعور لطيف يخلو من الكراهية بل يشبه ذلك الشعور الذي ينتابك عندما ترى طفل من ذوي الإحتياجات الخاصة يحاول أن يظهر للآخرين إنه لا حاجة له بشفقتهم من هؤلاء الذين يتشدقون بحقوق الإنسان , فتسيل دموعهم أنهارا وتحفر أخاديدا وتجاعيد في صفحات وجوههم تأثرا ولكنهم لا يضعون أيديهم في جيوبهم ليخرجوا ولو درهم من اجل حقوق الأطفال والنساء المعنفات أو من هؤلاء الذين يتذوقون ملوحة حبات البوب كورن المحلاة في فيلم وثائقي يتحدث عن حروب إسرائيل الأخيرة على غزة وقتلها الأطفال والنساء والشيوخ بالرصاص المصبوب وبالفسفور الأبيض وأنت تراهم بعد مشاهد كل الجثث والدماء الحمراء مازالت أصابعهم تلتقط حبات الذرة المحلاة وتدسها في أفواههم بدلا من أن تعزف عن الأكل لأن هذا هو المفروض في مواجهة مثل هكذا حالات تفترض ان تكون أنسانا لا مجرد بطن عليه أن يمتلأ بالتخمة في كل وقت .
فلو صرت مخرجا سينمائيا سأمنع مرتادي أفلامي من حمل أطباق الطعام والشراب إلى صالات عرضي
لأن ذلك الفعل المستهتر إنما ينسف محتوى وأهمية عملي التبشيري في إطهار عدالة قضية معروفة للجميع لا بل ويجعله عمله مسليا يستمتع الجمهور برؤيته وهم ياكلون , في حين أن غرضه لم يكن إلآ لإظهار عدوان هذه الدولة وإرهاب الدولة الذي قامت أركانها عليه .


ببساطة ,كان منظر الناب وهو ملقى على سريري مثل جيفة ميتة ومصاب بالعجز هو ما جعلني إشفق عليه .
أو ربما كان شعوري ناجما عن إحساسي السابق كونه مجرد كائن صنع لنفسه حياة من لا شيء و صار يخوض بوحل الحياة و يعاني من برميلها الدائر و كل ذلك بإرادته وليس مثلنا نحن الذين نشعر أن الحياة عبارة عن ساحة ملاكمة تتلقى فيها الضربات بإستمرار من خصم شديد البأس , يتظاهر بأنه يعلمك فنون العيش وكيفية مواصلة الحياة و يلكمك و يلكمك - الضربة تلو الأخرى حتى تستسلم وتعلن هزيمتك , ولن تنفعك كل وسائل الحماية والصد لللكمات بالدفاع عن نفسك مادمت تنظر لعيني خصمك .فلكي تقهر خصمك وتحتقره ولا تعطه أهمية , فعليك صده بدون النظر بوجهه , بل إعطه ظهرك لكي يعرف إنك لا تهتم به و إنه لا يساوي ما يفترضه لقيمته
إنه التجاهل –حكمة قديمة لصفع كل مغرور و مستبد وجاهل وظالم وحاكم و لكل شمسون وفرعون و مدعي قوة وبأس .
وعندما يكون خصمك الحياة – فلا تنتظر ما ستفعله بك ,عليك أن تفقأ عينيك يا صاحبي لكي لا ترى ما ستفعله بك وعندها سيكون هذا هو المعنى الأدق لمفردة ما يسمى بالتجاهل .
ودعك من أقوال المشايخ و تلك الكلمات المخدرة لنفاذ الصبر- هؤلاء الذين يحدثونك عن الفقر وكيف أن الله يحب الفقراء ويعلمونك كيفية الصبر على القلة والحاجة و الإستعانة بالدعاء و الإستغفار لجلب الرزق ويجعلونك تنتظر عطايا الرب التي ستنهمر حالا فوق رأسك - مخدرين عقلك وسالبين تفكيرك
فمتى كانت السماء تمطر ذهبا إيها المجذوب
وتذكرت مارواه صديقي يوسف الذي عمل لسنوات كسائق في مصر لأحد شيوخ الفضائيات المشهورين وهاها أنا اعيد ماحكاه لنا بالتفصيل
يقول:"
وبعد أن ينتهي البرنامج التلفزيوني , ينزل شيخ الإسلام وهو يلبس عباءته المقصبة بالذهب والتي تبلغ تكلفتها راتبك لمدة سنة .
ينزل أبانا الملتحي إلى حيث تنتظره سيارة ليموزين طولها بعرض نهر دجلة والفرات , أرافقه ومعي أربعة من الحرس - الغلاظ الشداد كحماية شخصية له من أوباش الشوارع أو من هؤلاء اللذين لفرط حبهم له ولدعواته يقفون في الخارج بإنتظار طلته ليلوحوا له ويشعروا إنهم إمتلكوا الدنيا وما فيها و فيما لو عطف عليهم ومنحهم ابتسامته - مجرد ابتسامة أو حتى لفتة أو إطراقة رمش أو حتى نظرة عجلى يتبعها إرتداد عكسي للوجه .
كل هذا سيجعلهم يشعرون بالإمتتنان العميق لشيخ الإسلام المبجل وينامون هادئين بدون أن يقلقهم تأخر الذهب الذي لم يسقط من السماء على رؤوسهم بعد .
إنها تجارة الأديان يارفيق و إستغلال الإيمان
التاريخ يعيد نفسه , إننا في عصر حروب الأديان بإمتياز .
إنه أفيون الشعوب – المخدر الذي يتعاطاه الشعب من ديباجة متقنة الصنع من كلام موزون ورضا وصبر محمود يخدرونك به لكي تظل مسلوب الإرادة منبطح الفكر وغارق في الحلم .
يطعمونك الكلام المعسول الذي ينطلي على المغفلين والسذج وأصحاب القلوب الضعيفة –البطيئة – وذوي العقول القاصرة – الجاهلة و المستلبة و عديمة الفهم .
ثم يصل شيخنا الوقور إلى قصره ليأكل طبق فريد من بيض الحيتان مع شرائح من السلمون المحلى بالعسل و أربع قطع من جراد البحر المغمسة بالزعفران الهندي - الذي يبلغ ثمنه كل ما تملك منذ ولادتك حتى تموت .
أنتم تغمسون الكلام المعسول بالخبز الحاف وهم يلتهمون الكركند و الكافيار البحري يا مسكين !
فشيخ الإسلام - العقيم كان قد سمع إشاعة قديمة في أن حسني مبارك ققد جلب هذه الوجبة الباهضة الثمن و القادمة من الطائرة النمساوية لولده جمال لأنه تأخر في الإنجاب ,
فلم يبخل الشيخ على نفسه وطلبها خصيصا من مطعم الحانة الفرنسية في النمسا وخاصة إن زوجاته الأربعة لم تحمل أي واحدة منهن حتى الآن وهذا هو سبب تعاسته .
هذا الطبق الموصى به و الذي لو عشت عمرك كله أيها البائس لن تشتريه بسبب إنك مخدر ومسلوب العقل وستظل فقيرا وجائعا تأكل خبزك على رائحة شواءهم لأنك من عامة الناس .وهم من علية القوم .
"ولكن الشيخ قادم من الحارات الشعبية كما كنا نسمع "
صحيح يارفيق لقد جعلوا -الشيخ خطيبهم من ضمن فريقهم ومن أعضاء الطاولة الدائرية والمخصصة للسادة لأنه قادر على لجم طلباتكم بالموعظة الحسنة و الصبر على الفقر .
جعلوه من فريقهم رغم إنه من بيئة فقيرة , لأن لسانه المعسول يخدركم و يجعلكم كقطيع من الأغنام يمشون بلا سبيل ولا هداية
أتو به لأنه متحدث بارع وساحر بالبيان , بحيث يخدركم فلا لا تنتفضوا عليهم , ولكي لا تتطاولوا عليهم وعلى مكتسباتهم التاريخية والأبدية
فتظل طيلة عمرك تلهث وراء لقمة العيش محتميا بالصبر الذي يخدرك به الشيخ الذي يأكل الكافيار ,فلا تجد وقتا لكي تطالب بالحرية ولا بالعدالة ولا في المساواة - أقانيم الحياة الخالدة .
.
يريدونك عبدا من العبيد – خانعا مع الخانعين
أن تطأطأ الرأس لهم و تبوس أيديهم لأنهم سرقوا رغيفك كله ويا عطفهم وكرمهم هاهم يرمون لك منه لقمة لكي لا تموت جوعا في بلاد المسلمين بل كما يقول غسان كنفاني لم يكتفوا بسرقة رغيفك بل و يطالبونك أن تبوس أيديهم لأنهم منحوك من الرغيف لقمة !
وتأتي لتطالب!
فمن أنت لكي تطالب بمساواتك معهم . من أنت أيها الرجل من عامة الناس !
فمثل هذا الشيخ أوجدوه حكامكم لكي يجعلوكم لا تثورون على السلطان وعلى فتات السلطان و لكي تقبلوا بالقليل الذي يمنحكم إياه السلطان ومعونات السلطان .
ولكي تظل أحلامكم معلقة بالذهب الذي سينزل يوما من السماء !
فصدقا ماذا أنزلت السماء في آخر مرة !
كانت السماء في آخر مرة شحيحة لقد أنزلت صيبا نافعا قليلا لا يكاد يكفي المزارعين لإطعام أنفسهم . أما غير ذلك فلم تمطر سوى روث العصافير على رأسك يا علي
قلت له معترضا : و على رأسك انت ايضا
ضحك يوسف وقال :" على رؤوسنا جميعا
هذا فقط من أجل تذكيرك , وتذكير أمتك الغافلة , فلديك عقل استخدمه لا تحنطه
ولا تنتظر عطايا الرب .
" مع من تتكلم !
أرعبني الصوت الصادر من فم الناب
هل كان هذا حقا صوت الناب !
أعادني سؤاله إلى شعوري بالعطف والمواساة الذي اعتراني للحظات وأنا أراه لا حول له ولا قوة .
كان يبدو إنه لا ينتظر مني ردا , بل كانت مداخلته فقط لتذكيري و لكي يوصل لي فكرة إنه يقرأ أفكاري حتى وهو نائم ,
كان يبدو مثل جثة مسفوحة بلا روح لولا شخيره , فهو ذو وجه صلب – أبيض يخلو من التعابير الإنسانية الواضحة - التي قد تكشف انفعالاته وضعفه .
عاد إلى نومه وكأنه لم يكلمني حتى شعرت إنه قد خيّل لي ذلك . ولكني تذكرت مقولة والدي الذي كان يدرب العسكر , فقد كان يقول عن هذه الفئة التي لا تتهرب من الإنضمام لصفوف الجيش بحجة العاهات مثل بعض الأصحاء الذين يأتون بتقارير مزورة عن عاهات وهمية لكي لا ينضموا للجيش .
أن منهم جبارين على التحمل والصمود
قائلا : " إن كل ذي عاهة جبار " قاصدا إنهم يمتازون بشيء يغطي نقصهم كنوع من التعويض عما فقدوه
وتخيلت الناب مثل طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يفقدون حاسة أو أطراف لديهم . فتزداد لديهم قوة الحدس أو الحواس الأخرى , و طافت ذكرى قديمة لذلك الدكتور الأعمى الذي كان يعطينا مساق جامعي عن الثقافة الإسلامية حيث كان يكتشف دخولنا إلى المحاضرة متأخرين بدون طرق للباب بل كنا ندخل متسللين على أطراف أقدامنا , ونحن نعتقد إنه لا يرانا , فيتركنا حتى نجلس ثم يفجر قنبلته قائلا
: لماذا تأخرت يا علي !
. فمثل هذا الناب النائم يشبه ذلك الدكتور الضرير
يجعلك تسهب بأفكارك أو تفرح بإنتصارك من حركة التسلل خفية . ثم يرمي قنبلته –المفاجأة عليك
مع من تتكلم !
لماذا تأخرت يا علي !
يا لك من ناب مغامر - أفعاله تجعلني حائرا
فلماذا يصنع حياة مفترضة و يعيش تعاستها ,هل يمكن أن يكون هناك من يغبطنا على هذه الحياة !
هل نحن فعلا بكل ما نملكه من شعور سيء إزاء برميل الحياة الدائر من أن هناك من يتمنى أن يحل محلنا ! يا للغرابة .
هل كان الدكتور الضرير شاكرا لله على طول لفقدانه نعمة البصر لكي يفرح بالبصيرة وحاسة السمع مثلا ,
هل كانت تنتابه لحظات من عدم الإيمان أحيانا وهل كان يفكر –حقا بالتعويض الرباني البديل وكم مرة فقد إيمانه وعاد مرة أخرى ليستغفر .
جائني صوت صاحب العمامة – الصوفي - جارنا جلال الدين الذي غير اسمه من كاظم إلى جلال الدين تيمنا بالشيخ الرومي لجمهرة المستمعين لخطبه
يقول كاظم
:" كل يوم تستيقظ فيه وتفتح عينيك فيه على يوم جديد - اعلم إنك شجاع وقد قهرت الموت , وإنك أقوى وأثبت على مواصلة قهره .
الحياة يا رفاقي في حب الله تحتاج لعزيمة وصبر و صبر كثير فهي مثل رحلة عليك إن تجهز نفسك من اجل الذهاب إليها .
رحلة حقيقية و جميلة فعليك أن تستغلها, إستمتع بذكر بركات الله , إحمده على كل شيء وأنت تمضي في رحلتك الطويلة وردد كل يوم على مسامعك ما أعطاه لك من نعمة البصر لكي ترى جمال الكون ؛ البحار المشرقة والموج الفضي المغطى بالزبد - الجبال الشماء الشاهقة والوديان المنحدرة وشلالات الماء الساقطة و الأشجار الباسقة التي تموت وهي واقفة و تظل تمد لك أغصانها وفروعها لتظللك.
كم مرة تحسست شجرة لتسمع دقات قلبها
كم مرة أصخت السمع لحفيف الأشجار - الذي يتمتم معك و يسرد لك قصة البعث والحياة و حكاية العصافير التي بنت أعشاشها على قمتها.
إن سماع حفيف أوراق الأشجار و تمتمتها معك يستحق أن تشكره على نعمة السمع . فغيرك يموت وهو يتمنى أن يسمع صوت أمه تناديه من العالم الآخر لكي يفرح لمرة واحدة قبل أن يموت أو أحدهم يتمنى لو يذهب نصف عمره فقط ليسمع كلمة غزل ألقتها الغزالة على مسامعه .
أما حركتك في مجاهل الأرض و قدميك اللتان تسعيان فيها و تحفران في الأرض أخاديد غائرة تتلقف ماء الأمطار بكل شغف شاكرة لك وقع أقدامك عليها . فحركتك في الكون ومشيك نحو الجبال والصحارى والتلال إنما هو إستخلاف رباني لقدراتك الفائقة
فالحركة وحدها قاموس رباني فيه كل مفردات الإعجاز لذا فعليك أن تشكر ربك لأنك قادر على أن تسابق الريح وتغلبها .
(يضحك رياض )
شعرت بجلبة في الغرفة الأخرى حيث لوحة العائلة كانت والدتي تنزل متسلقة بالاستعانة بيدي والدي الضخمتان بدلا من النزول على الكرسي الذي أضعه دائما تحت اللوحة وأشيله فيما لو كنت غير راغبا في نزولهم ولكن أمي كانت تستعين بوالدي لكي تنزل من على اللوحة وهو يمنعها
كانت تقول له :" طاح حظك يا جنرال
بدل ما تساعدني تريدني أطيح , وهو يضحك
فأسرعت لمساعدتها ووضعت تحتها الكرسي لكي تقف عليه
وأنا أقول :" إستويت متينة أمي
فقد كانت ثقيلة
فقالت ساخرة :" لقد أنجبت قبيلة من الصبيان الرائعين ( كل الشفاة في اللوحة توسعت بزاوية واحدة مدروسة )
وتريدني أن لا أمتلأ باللحم والشحم .
قال أبي ساخرا وقد نفض يديه
" الفلسطينيات يلدن في كل الفصول
فقلت له : يلدن عراقيين أشاوس و أسود. ( كانت الابتسامة في اللوحة قد زادت ميلا واحدا لدى شفاه كل فرد في الأسرة )
قالت أمي بعد أن رتبت شعرها إلى الخلف و مسدت ثيابها و اتخذت مكانا مريحا لها على الصوفا :" لقد نزلت لأنني سمعت حوارك الماسخ بعدم الإيمان و تشكك المستمر بجدوى هذه الحياة .
اعرف إنك يا ولدي تعرضت لضربات أكثر من غيرك وأعرف إنك تعاني من مآساة حرق ابنتك وزوجتك بيد الملعون بوش .
ونعرف إنك سيء الحظ وقد تعثرت مرارا وتكرارا , ولكن قدرتك على تجاوز كل هذه المحن بقوة جعلتني افتخر بك
ففيك من صمود أهل يافا عندما غزاهم نابليون
ففي كل يوم يا ولدي أراقبك واعلم إنك ستمضي يوما لحتفك و التخلص من حياتك بالانتحار .
و في كل يوم أغمض فيه عيني وأنت نائم على سريرك - اشكر الله إنك مازلت تؤمن بحقيقة إيمانية واحدة لم تزعزها كل مصائب الدنيا
وهو أن قتل النفس حرام وهلاك وخطيئة كبرى , ترميك خالدا بنار جهنم . فقد قال تعالى في الأية 29 من سورة النساء " و لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما " .

لذا فأنا لا أهتم كثيرا بتساؤلاتك الملحة وعدم إيمانك - الذي يتردد على لسانك لأنك يا ولدي أكثرنا إيمانا وأكثرنا صبرا , فما تعرضت له يحتاج لجبابرة صابرين . لذلك اعلم إن عدم إيمانك الذي تدعيه إنما هو لغو مؤقت سيجعلك تعيد المرة والأخرى بحقيقة إيمانك.
فليس مؤمنا ذلك الذي يقتنع بكل شيء ويأخذه كما سمعه , فالمؤمن القوي هو من يحاكم المعلومة ويقلبها على كامل أوجهها و ينتقد حتى يصل للصواب.
فمجرد إنك أعدت ما قاله الإمام الصوفي فهذا يدل على إنك تراجع معلوماتك وتنتقدها وتناقضها بالرأي الآخر , وهذه محاكمة رفيعة المستوى يا ولدي .
لدينا عقل لكي نستخدمه لا نحنطه - هذا ما كنت تقوله قبل قليل بما يرددوه علينا المشايخ بدون مساءلة هذا ما قصدته عن الإيمان والتشكيك به والخضوع التام الذي يطالبوننا به .
فالإيمان الأبقى- الإيمان الراسخ ليس ذلك الإيمان المتزمت الذي يرفض المناقشة والحوار بل هو ذلك الذي يجعلك تطرده من محكمة عقلك مرارا وتكرارا ثم تستأنف القرار بإعادة دراسته
فالحقيقة لا يعلمها أحد من البشر لأن لها وجوها متعددة
فقط الحقيقة الوحيدة
الحقيقة المكشوفة - التي لا تحتمل وجوها عدة - هي تلك التي ترفع رأسها وتطل عليك لتقول لك :" لا يمكن أن يكون هذا الكون الشاسع بتنظيمه العجيب بدون ملكية ومالك .
فلا بد من وجود رب وخالق لهذا الكون يملكه وينظمه بتدبير محكم ونسق منظم .

كان أبي يسمع وهو ينفث من الغليون متعجبا من حكمة زوجته التي لم يتسنى له مناقشة أفكارها على مدار جيل من الزمن بسبب بعده في العمل وبسبب زيجاته الكثار,
رتبت جلستها ثم مسدت يديها على صدرها كما تفعل الجدات وكما كانت تفعل ونحن صغار عند سرد قصة في ليالي الشتاء الطويلة حيث تجمعنا نار الحطب التي كانت والدتي تصر على إشعاله في أيام العطل لمزيد من الحميمية بين أفراد أسرتنا الكبيرة - رغم وجود مدفأة الكاز العتيدة التي توجد في منازل و بيوت أهل العراق جميعا من أربيل والموصل حتى البصرة .
لدي لك قصة - تلخص حكمة الله في خلقه فلا يمنح ولا يمنع إلا لحكمة .

( كانت العائلة في اللوحة قد إزدادت حركتها فقد تركوا أشغالهم حتى أن أختنا الكبرى - المقيمة في الأردن , تركت أشغال الصوف جانبا و أصغت السمع كما كنا نفعل ونحن صغار وهذه حركة لا تفعلها أختنا إلا لأمر يستحق !
عندما مات سيدنا سليمان وسيدنا زكريا إستغلت كل من الحية والخلند مرور تلك السنوات التي قد تنسي ماإقترفوه من لعنات جعلتهم يفقدون بصرهم وأرجلهم معولين على سيدنا يحيى أن يعيد لهم مافقدوه. لذا فقد عزموا على الذهاب إليه.
وصلت الحية والخلند إلى مجلس النبي يحيى مطالبين إياه أن يمنحهم ما نقص من أعضاء جسمهم , فالحية تزحف بلا أقدام و الخلند أعمى رغم إنه يحفر أنفاقا تحت الأرض أفضل من المبصرين ولكنهم كانوا يشعرون بالنقص , فطلبا من سيدنا يحيى أن يدعو ربه ليمنحهم -
للحية رجلين و للخلند عينين .
فطلب منهم سيدنا يحيى موافاته بعد ثلاث أيام في قرية بعيدة , حتى يدعو لهما ربه هناك .
وصل النبي يحيى بعد ثلاث أيام - منهكا - إلى البلدة , تعبا مغبرا و ملابسه مغطاة بالرمل ومريضا .
فوجد الحية و الخلند بإنتظاره ويسألانه لما تأخر كل هذا الوقت !!
وتعجب من ذلك ومن منظرهم المريح حيث لا يبدو إنهم قد تعبوا من الرحلة الطويلة –الشاقة .
قالوا له :" هيا ادعوا لنا ربك ليمنحنا ما أخذه منا !!
فسأل سيدنا يحيى الحية : غريب أمركما , لا يبدو عليكم مشقة السفر , فمتى وصلتم إلى هنا .:"
قالت الحية بتذمر:" أنا أنتظرك منذ يومين.
وقال الخلند متابعا :" وأنا منذ ثلاث أيام .
فجلس النبي يفكر ثم نظر إليهم مليا وتذكر ما رواه له والده زكريا عن قصتهما مع جده سليمان و كيف أن الخلند فقد بصره بسبب تفاخره على جده سليمان , بأنه سيحفر نفقا في الأرض يوصله إلى الهيكل قبل وصول سيدنا سليمان الذي يستغرق ساعات وهو يمشي فوق الأرض للوصول إلى الهيكل .
وعندما أجريا السباق وصل جده سليمان متأخرا , فقد سبقه الخلند بوقت كبير , مما جعل الملك سليمان يغتاظ منه ويبتليه بالعمى .


فقال لهم بعد صمت , وهو يتفرس بحالتهم الغريبة
إذا كنت أنا البشري الذي يملك قدمين و عينين لم أصل إلا بعد ثلاث أيام , أشعثا أغبرا متعبا وجائعا ومريضا من مشقة السفر وأنتم الذين تفتقدون للأرجل (ناظرا إلى الحية بعجب )
وتفتقدون إلى البصر( ناظرا إلى الخلند ) تصلون قبلي بدون مشقة وتعب!

فما حاجتكم لها !
فالله يعرف إنكم لا تحتاجونها
لذا لم يهبكم إياها الله وحده يعرف عندما خلقكم إنه خلقكم بأحسن حال , إنكم لستم بحاجة لتلك القدمين والعينين
فما يخلقه الله هو الخلق الأمثل .

لذا امضوا إلى شؤونكم واحمدوا الله على نعمه.

ثم نظرت إلي و قالت :
قد يكون الدكتور الجامعي الضرير ساخطا أو راضيا , ولكنه يعرف في قرار نفسه لو طلب منه أن يتخلى عن أحد حواسه , فلن يطلب سوى التخلي عن عيناه
لأن الله يعلم بما يحتاجه كل شخص فينا , فيمنحه ما ينفعه لا ما يستحقه
وتجربتك يا ولدي و مقتل حبيباتك ما هو إلا خلاص لخلاص أكبر
هيا امضي إلى الخارج حيث تنتظرك الحياة , اذهب يا بني إلى من تحب
فالباب مفتوح منذ يومين , وكنا ننتظر أن تنتبه لكي تشهق فرحا ولكنك خيبت أملنا
إ خرج قبل أن يستفيق الناب ويمنعك من الخروج
قال أبي ساخرا من طمع الحية و الخلند و قد بدا مستمتعا بالقصة , لا بل كان قد تمنى في قرارة نفسه لو سمعها سابقا لكان قد رواها على أفراد سريته في الجيش في ليالي السمر التي يقضونها في عمق الصحراء على الحدود الإيرانية .
:" هذا لو لهم عينين و رجلين كان خربوا الدنيا .


هيا اخرج (تابعت أمي )
فلاشيء يستحق العيش في هذه الحياة بدون حب
الحب وحده هو خلاص البشرية
كانت عيناي تذهبان إلى الباب حيث يفترض بي أن أتاكد من صدق كلامهم وفعلا وجدت المفتاح كما تركه الناب , أدرته ففتح .
دخلت إلى الغرفة بهدوء ,حاولت بقدر إستطاعتي أن لا أزعج هذا الكائن بسبب نبالة شعوري وشفقتي على كائن غبي يتمنى حياتنا في حين نحن راغبين في إعطاءه إياها
بدون مقابل .
لبست بنطلونا نظيفا كانت قد جلبته لي زوجتي زينب من ايرلندا و قميصا أزرق ذو ياقة بلون مختلف .
أعرف أن ذوقي تدني بعد موت زوجتي زينب الأنيقة .
ولكن لمن أتأنق مادامت حبيبتاي , قتلهم الشيطان بوش المجرم في ملجأ العامرية .
خرجت من الغرفة التي ينام بها الناب بعد أن أقفلت الباب عليه بالمفتاح لكي احبسه كما حبسني و دخلت إلى الصالون مجددا .
كانت والدتي تتسلق الكرسي لتجلس في مكانها في اللوحة وهي تردد على مسامعي
اشكره يا ولدي على نعمة السمع و الحركة في مجاهل الأرض
اشكره على نعمة العقل و الفهم
اشكره على نعمة المشي و الجري والبصر
ونعمة الكلام والصمت
وعلى نعمة الخفقان والحب
وأكمل أبي مقاطعا إياها وصلتها وهو ينفخ بالسيجار ضجرا - فهي كما يعلم ونحن نعلم بأنها لن تترك أي نعمة أو حاسة إلا وسوف تذكرها بديباجة الدعاء التي تفتتحها ليلا ونهارا .
فأبي كما تعلمون رجل محترم ولكن ينقصه الإيمان الذي تتحلى به زوجته الموهوبة في كل شيء
كرر عبارته وهو يشد أسنانه على الغليون
ولا تنسى يا ولدي
أن تشكره على
على نعمة النسيان