مقومات العدالة الاجتماعية والقضائية في المجتمع!؟

سليم نصر الرقعي
2017 / 11 / 25

تحقيق العدل ورفع الظلم بكفاءة وفاعلية سواء على المستوى الفردي أو العائلي أو الاجتماعي القومي أو حتى على المستوى الدولي العالمي العام، وسواء أكان متعلقًا بتحقيق العدالة الاجتماعية أو متعلقًا بتحقيق العدالة القضائية والجنائية، يحتاج لتوفر المقومات التالية :

أولًا: المُقوِّم العاطفي والاخلاقي لدى طالب وراعي العدالة
***********************************
أي العامل النفسي والعاطفي والوجداني لدى طالب أو راعي العدالة أو مشرعها أو منفذها ومطبقها، ويتمثل في الإيمان بالعدالة، الإيمان الواعي والقوى بقيمة وضرورة ووجوب إقامة العدل ورفع الظلم، هذا الإيمان الذي يتولد عنه حب العدل وكراهية الظلم واستبشاعه بكل صوره!، بل مع هذا الإيمان الواعي بقيمة العدالة في ذاتها كقيمة أخلاقية وحضارية مثلى يقوم على إدراك عقلي بأن تحقيق العدالة في المجتمع هو أمر مهم من الناحية العملية النفعية (البرغماتية) أيضًا، فتحقيق واستقرار العدالة سيكون له أثره الإيجابي على فاعلية وكفاءة وانتعاش الاقتصاد والسوق التجارية أيضًا فضلًا عن كفاءة وفاعلية وانتعاش الحياة السياسية والسوق السياسية (الديموقراطية)!، فيكون هذا المتصرف الذي يُرجى عنده ومنه اقامة العدل ورفع الظلم هو انسان عدل في ذاته وفي تصرفاته اليومية الخاصة أي يتحلى في نفسه واخلاقه وسلوكه بصفة العدالة، فهو يحب العدل أشد المحبة ويكره الظلم أشد الكراهية!، من جهة ومن جهة يتمتع بما يكفي من الأمانة والموضوعية والتجرد عن الهوى الشخصي ما يمكنه من الحكم العادل الموضوعي السليم بكل انصاف على الأمور.
وحب العدالة وكراهية الظلم هو في تقديري أمر فطري أي ينبع من فطرة الإنسان فالإنسان بطبيعته كائن أخلاقي بالطبع!، ولولا هذا التعطش الفطري للعدالة ما وجدنا كل هذا الإهتمام لدى البشر بإقامة العدالة عبر التاريخ سواء أن عرفوا ما هو العدل في هذه القضية أو تلك أو تنكبوا الطريق عنه، فالنزوع الفطري للعدل يظل حاضرًا في حياة البشر، والبيئة الإجتماعية التي ينمو ويترعرع فيها الإنسان إما أن تقوي وتنمي هذا الميل الفطري للعدل حتى يتحول الأمر إلى نوع من (الحساسية العدلية الخُلقية) المفرطة لدى الفرد والتي تجعله ينفر من أي ظلم ويستبشعه تمامًا كما ينفر صاحب (الحساسية الجمالية الذوقية) المفرطة من أي قبح ويشمئز منه!، وقد تعمل البيئة الإجتماعية الفاسدة والظالمة على تشويه الفطرة الأخلاقية لدى الإنسان بما فيها الميل للعدل والنفور من الظلم فتتعرض هذه الحاسة الاخلاقية العدلية الفطرية لدى هذا الانسان للتهميش والضمور ويصبح ليس لديها حضور فعال في النفس وبالتالي في سلوك هذا الإنسان المشوه الفطرة!، تمامًا كما هو الحال في نمو وترعرع الفرد في بيئة اجتماعية عديمة الذوق تستمرئ القبح والقذارة ولا تتذوق الجمال فهذا بلا شك سيعود بالضرر على الحاسة الذوقية الجمالية لدى الانسان فتتشوه وتنحسر وتضمر!، فهذه الحواس الفطرية الوجدانية النفسية حالها حال الحواس البدنية العضوية التي تنشط وتنمو بالإستعمال وتضمير بالإهمال!.
---
ثانيًا: المُقوِّم المعرفي والعلمي والإدراكي
**************************
فالمرء قد يحب العدل ويكره الظلم بشكل كبير ويترعرع في بيئة تُعلي من قيمة العدالة وتحذر من خطورة وبشاعة الظلم ولكنه مع ذلك أي مع توفر المقوم النفسي والعاطفي للعدالة وهو حب العدالة وكراهية الظلم قد يفتقد إلى المقوم العلمي المعرفي للعدالة فلا يميز في بعض القضايا الاجتماعية والمالية والاقتصادية والسياسية شديدة التعقيد بين ما هو حق وما هو باطل!؟، أي أنه ورغم نواياه الطيبة والمخلصة ومحبته للعدل وبغضه للظلم يفتقد للرؤية السليمة والكافية والوافية لمعرفة ما هو العدل وما هو الظلم في كثير من مسائل وقضايا الحياة خصوصًا تلك المسائل المتشابكة شديدة التعقيد!، وقد تختلط الأمور عليه فيصبح من (الخلطاء) الذين تختلط عليهم الأمور فيخلطون الحق بالباطل ويحسبون أنهم مصيبون ومحسنون ويقع في مصيدة (الجهل المركب) أو (المعرفة المزورة) فيرى العدل ظلمًا والظلمَ عدلًا !!، بل قد يظلم الآخرين وهو يعتقد جازمًا ومخلصًا في قلبه أنه يحقق العدل!، فلابد أن يتمتع هذا المتصرف المنفذ والمحقق للعدل بما يكفي من المعرفة العلمية (الفلسفية والحقوقية والواقعية) للعدالة إبتداءً بالمبادئ الأساسية والأولية البسيطة لفكرة ومفهوم العدل والظلم مرورًا بتطبيقاتها البسيطة على حياته الفردية والعائلية وسلوكه الشخصي وصولًا وانتهاءً بالتطبيقات العدلية في القضايا المركبة شديدة التعقيد سواء فيما يتعلق بالعدالة الجنائية القضائية التي تفصل بين المتخاصمين أو تعاقب المعتدين أو فيما يتعلق بشكل النُظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية العادلة والرشيدة كتطبيقٍ مجتمعي لفكرة ومفاهيم العدالة! .. وعمومًا يحتاج الإنسان من أجل تحقيق العدالة إلى نوعين من العلم والمعرفة الكافية والوافية:


النوع الأول: معرفة الحقوق والواجبات المشروعة التي لكل فرد، ماله وما عليه، وهنا يجب التمييز بين مفهومين لعبارة (حقوق):

أ‌- الحقوق بالمعنى النظري والتشريعي العام: أي الحقوق الأساسية من حيث المبدأ العام كحق الحياة وحق الكرامة الإنسانية وحق الحرية وحق الإيمان والاعتقاد وحق الملكية والتملك وحق الجنسية والمواطنة وحق المعرفة وحق المشاركة في الشأن العام ..الخ ، فهذه حقوق مشروعة من حيث المبدأ لكل انسان او كل مواطن .... فهي حقوق في الغالب يعترف بها الناس والسلطات من حيث المبدأ لكل إنسان ولكل مواطن بإعتبار أنها جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان في كل زمان ومكان وحقوق المواطن في وطن من الأوطان.

ب‌- الحقوق بالمحتوى المكتسب: أي الحقوق المكتسبة بالفعل، فحق التملك/الملكية وكذلك حق الحرية وأيضًا حق التعلم والمعرفة حقوق أساسية مشروعة مكفولة للجميع باعتبارهم بشرًا أو مواطنين في وطن ودولة، فكلٌّ منها حق أساسي مشروع من حيث المبدأ، فالمواطنون في الدولة يتمتعون – قانونًا ودستوريًا – بحقوق متساوية بهذا الخصوص، فهذا من حيث المبدأ والأساس أما من حيث التطبيق والممارسة في واقع الحال فإن الناس سيختلفون ويتمايزون فيما بينهم حتى في البيت الواحد والعائلة الواحدة في تحقيق المكاسب الفعلية المترتبة على هذه الحقوق!، أي سيختلفون في (الحقوق المكتسبة بالفعل) أي من حيث (كم يملك هذا الانسان بالفعل من مال وثروة ممتلكات في واقع الحال!؟) فهذه الممتلكات هي حقوق فعلية مكتسبة ، ومن حيث (كم يملك هذا الإنسان بالفعل من حرية في واقع الحال؟) فحق وحرية السفر والتنقل مثلًا أمر مشروع ومكفول، والمواطنون سواسية كأسنان المشط من حيث المبدأ في التمتع القانوني والحقوقي بهذا الحق لكن واقعيًا هل يستطيع الفقير أو محدود الدخل أن يتنقل ويسافر من مكان لمكان ويقيم حيث يشاء في أرض الله الواسعة كما هو حال ذلك الغني المملوء الجيب!؟؟، إن هذا الفقير أو قليل المال حريته في السفر والحركة والتنقل عبر البلدان مقيدة بظروفه المادية وخياراته هنا محدودة!، كذلك قل عن (حق الترشح للمناصب السياسية) والذي هو من الناحية النظرية والدستورية مباح لكل مواطن ولكن هل متاح بالفعل لكل مواطن وهل المترشحون المتنافسون على هذا المنصب السياسي العام متساوون من حيث القدرة على التأثير في عقول وقلوب وعيون وأذان جمهور الناخبين!؟؟، وهكذا يجب علينا أن نميز بين الحقوق الأساسية (الطبيعية والمدنية) التي هي المبادئ الأولية المتفق على مشروعيتها وقدسيتها وضرورة كفالتها لكل انسان ومواطن، وبين تطبيقاتها وتجلياتها في واقع الحال أي ممارستها فعليًا بحيث تنتج عنها (حقوق مكتسبة) فالناس متساوون في حق الملكية والتملك من حيث المبدأ ولكنهم قطعًا ليسوا متساويين في المكتسبات والممتلكات الفعلية ، والناس متساوون في حق وحرية المعرفة ولكن بالقطع يتمايزون في كميات المعرفة ودرجات العلم!، ثم ولكي تكون هذه الممتلكات الفعلية والمكتسبات الواقعية التي نتجت عن ممارسة الإنسان لحقوقه (الطبيعية/ الدستورية) في العمل والتملك وتنمية الثروة حقوقًا مكتسبة بالفعل أي بالمعنى الشرعي والقانوني لابد أن تكون مكتسبة بالطرق المشروعة للتملك ولتنمية الثروة وتوسيع الاملاك ، المشروعة من ناحية القانون ومن ناحية الأخلاق! ، فمن اكتسب مالا بطرق غير مشروعة كمن يتاجر في المخدرات أو الدعارة فهذه الأموال التي بحوزته لا تعد من الناحية القانونية والشرعية والأخلاقية حقوقًا وممتلكات لأنها في حقيقتها مكتسبات بطرق غير شرعية فهي ممتلكات باطلة حدثت عن طريق فعل الممنوع والكسب غير المشروع .

النوع الثاني: معرفة حقائق الواقع أي ادراك وقائع وحقائق الواقع الفعلي الملموس، فالإنسان المفكر في قضايا العدل والظلم أو الراعي للعدالة الإجتماعية أو العدالة القضائية مهما أوتي من قوة الادراك والسمع والبصر فلا يمكنه ادراك الكثير من المظالم والانتهاكات التي تحدث في الواقع الاجتماعي ومن وراء الجدران وفي الأحياء الصغيرة والبعيدة والمهمشة بشكل يومي في حياة الناس اليومية ، لهذا فإدراك المفكر والباحث العدلي والحقوقي أو الموظف العمومي المكلف بتحقيق العدالة الاجتماعية والقضائية في المجتمع لحقائق ودقائق ووقائع ومشكلات الحياة الاجتماعية أمر مهم للغاية، وهو أمر غاية في الصعوبة فالإنسان الفرد أو الانسان الدولة والسلطان مهما أوتي من قوة بصر وسمع لن يتمتع بالقوة الادراكية التي لله تعالى الذي يبصر ويسمع كل شيء مهما كان صغيرًا ودقيقًا بل إنه تعالى يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور!!، يدرك شعور المظلوم بالظلم والغبن حتى لو لم يتفوه هذا المظلوم بشكوى واحدة بل يعرف هذا المظلوم حتى لو أن هذا المظلوم نفسه لا يدرك بأنه مظلوم!!، لهذا فـ(العدالة المطلقة والتامة) هي من خصائص الله وحده وقد لا تتحقق بصورتها الكاملة والشاملة إلا في يوم الحساب!، أما نحن البشر فالمطلوب منا ((تحقيق أكبر قدر ممكن من العدل وإزالة أكبر قدر ممكن من الظلم)) في حياتنا الدنيا وفوق هذه الأرض وهذه هي (العدالة النسبية/ الممكنة) وهذا يقتضي منا تطوير وتنمية أجهزة العدالة سواء العدالة الاجتماعية او العدالة القضائية بشكل مستمر لتكون أكثر قدرة على أدراك تلك المناطق البعيدة والدقيقة التي لا تقع عليها في الغالب أعين وأذان الناس ولا أعين وأذان الدولة ولكن دون أن نتورط في أن تتحول الدولة التي تستهدف تحقيق العدل الى دولة بوليسية شمولية تتجسس على الناس وتنتهك خصوصياتهم وحرماتهم وتفرض عليهم رقابة عامة وشاملة وصارمة بحجة منع التظالم أو تحقيق العدالة! ، وهذا هو التحدي الحقيقي أمام المفكرين الحقوقيين والسياسيين ، فنحن نحتاج الى تنمية اجهزة العدالة بما فيها جهاز ادراك وتتبع المظالم ولكن دون انتهاك حقوق الافراد الشخصية ومنها حق الخصوصية الفردية والمنزلية والعائلية ولا تعطيل حقوق الإنسان الطبيعية!.
---
ثالثًا: المُقوِّم الفعلي الإستطاعي
*******************
أي عامل القوة والقدرة والاستطاعة والتمكن، فالمرء قد يحب العدل ويكره الظلم من حيث المبدأ الاخلاقي والنفسيوالعاطفي، وقد يعلم ما هو العدل وما هو الظلم من حيث المبدأ الفكري والمعرفي، وقد يُدرك وقائع الظلم ويعلم بها او يراها رأي العين ، ولكن مع ذلك لا يملك من الاستطاعة والقوة الفعلية والمقدرة الواقعية ما يمكنه من رفع الظلم عن المظلوم او تحقيق العدالة بين الخصوم كأن يكون الظالم اقوى منه فلا يستطيع أن ينتزع منه حق الغير وكف أذاه وظلمه عن الآخرين!، فهذا هو العجز المادي والفعلي لرعاة وطلاب العدالة فهم يؤمنون بالعدل ويريدونه ويكرهون الظلم ويرفضونه ويرون الظلم في الواقع الملموس ويسمعون أنين المظلومين وآهاتهم ويبصرون دموعهم لكنهم تقف يقفون عاجزين بسبب ضعفهم عن فعل شيء!، فالعدالة هنا تكون عاجزة مكبلة اليدين فهي بالرغم من أنها تمتلك المعرفة بالحقوق وتمتلك ادراك المظالم لكنها لا تمتلك القوة والمقدرة العملية الكافية للتغيير ولإزالة الظلم واقامة العدل .
لهذا فأجهزة ومؤسسات العدالة كما تحتاج الى الإيمان بقيمة وضرورة العدل إيمانًا قويًا يولّد المحبة لها والتعظيم لها كما يولّد كراهية الظلم واستبشاعه تحتاج أيضًا لأن تتحلى بما يكفي من المعرفة الحقوقية النظرية لمعرفة حقوق وواجبات الناس ما لهم وما عليهم بشكل صحيح ومنصف وهذا يعتمد بالطبع على الحكمة والفلسفة الاجتماعية لكل مجتمع!، وأيضًا تحتاج الى مقدرة ادراكية لمعاينة وادراك وقائع المظالم في المجتمع والتي تقع ربما بشكل يومي، أي تحتاج لأن تكون لها (أعين قوية بصيرة ومجسات حساسة) تلتقط وقائع الظلم وانتهاك الحقوق في زوايا وخفايا الحياة الاجتماعية!.... وبعد هذا تحتاج الى المقدرة الفعلية أي ما يكفي من القوة الواقعية ما يمكّنها من رفع الظلم وتحقيق العدالة بقوة السلطان أي تحتاج لأن تكون لها (يد قوية وطويلة) قادرة على أن تطال الظالمين خصوصًا الأقوياء والكبار منهم وتردهم بالقوة عن الظلم وتعيد للمظلومين حقوقهم!، فـ((الضعيف يكون بها قويًا حتى تأخذ الحق له والقوي يكون أمامها ضعيفًا حتى تأخذ الحق منه))، وهكذا فالعدالة بلا عقل يعرف التمييز بين الحق والباطل، وبين ما هو ممكن وما هو مستحيل، هي عدالة عاطفية طوباوية هوجاء غير رشيدة كحال العدالة التي يدعو اليها بعض الشيوعيين الطوباويين من المساواة التامة بين البشر في كل شيء والغاء الملكية الخاصة والتجارة والفوارق الاجتماعية بالكامل حتى يكون الناس سواسية في كل شيء كأسنان المشط! ، والعدالة بلا عمال ومدراء ورعاة عادلين مؤمنين بالعدل حق الإيمان يتمتعون بحساسية مفرطة تجاه قضايا الظلم والعدل هي عدالة شكلية اسمية جوفاء! ، والعدالة بلا عين كبيرة وحساسة وبصيرة تلتقط مواطن الظلم البعيدة والخفية في الكيان الاجتماعي هي عدالة عمياء او عوراء أو عمشاء قصيرة النظر! ، والعدالة بدون يد قوية وطويلة قديرة قادرة على فرض العدل ورد المظالم ونزع حقوق الغير من مغتصبيها وردها لأهلها هي عدالة عاجزة ضعيفة !!.
---
رابعًا: المُقوِّم الثقافي الإجتماعي القومي
************************
أي مدى تغلغل الحس الحقوقي والعدلي في الثقافة الإجتماعية للمجتمع الوطني... فمهما كانت الدولة مؤمنة بالعدالة رافضة للظلم، ومهما كانت لها من الأجهزة والمؤسسات الحساسة والقوية والذكية المكلفة بالسهر على تحقيق رفع الظلم عن المظلومين ورد الحقوق لأهلها وتحقيق القسط والعدالة الاجتماعية والقضائية بين الناس، فإن هناك الكثير من القضايا والمشاكل والوقائع في الحياة الاجتماعية - وخصوصًا تلك التي تقع خلف الجدران وفي الأزقة الشعبية البعيدة عن مركز الدولة - ما لا يمكن لأجهزة العدل الرسمية أن تدركه وتعاينه، لهذا نؤكد هنا على أن تحقيق العدل بمفهومه الأخلاقي والإجتماعي العام لا يعتمد على الدولة كمؤسسات وأجهزة وقوانين فقط بل هو - قبل ذلك - يعتمد وبدرجة أساسية على أخلاق وثقافة المجتمع، فالمجتمع لابد أن يُربَّي أفراده على الثقافة الحقوقية والعدلية منذ نعومة اظفارهم - في البيوت والمدارس الابتدائية والاعدادية - ينمي في نفوس افراده حب العدل وكراهية واستبشاع الظلم مهما كان صغيرًا ، يُعلّمهم احترام حقوق الآخرين المعنوية والمادية ويعودهم على ممارسة العدالة كسلوك يومي في الحياة، فهذه الاخلاقيات والثقافة الاجتماعية العامة هي الضمان الأول والاساسي لتضييق رقعة الظلم وتوسيع دائرة العدل في أي مجتمع ثم تأتي الدولة العادلة كجهاز حكومي وقومي عام كضمان ثان ورئيسي متأثر بالمحيط الثقافي والاخلاقي والإجتماعي الذي تعمل فيه وتقوم عليه!... هكذا تنمو وتترسخ العدالة في مجتمعاتنا انطلاقًا من تلك المناقشات والممارسات اليومية التي تجري في البيوت بين الزوجين وبين الأباء والأبناء وبين الأشقاء داخل العائلة الواحدة وكذلك تلك التي تجري في المدرسة داخل الصف بين المعلمين والتلاميذ وكذلك بين التلاميذ أنفسهم!، وصولًا لتلك المناقشات والممارسات التي تجري في مراكز صناعة وتنفيذ القرارات العامة في الدولة!، فمع انتشار ثقافة الشورى والحوار في حياتنا الاجتماعية بملابساتها ومشكلاتها اليومية خصوصًا في مسألة تحقيق العدل والانصاف!، فتنتشر في مجتمعاتنا ثقافة الشورى وثقافة العدالة على السواء!.