فرح أنطون و المدن الثلاث ما بين العلمانية و الماسونية (الدين، العلم، المال)2_2

عبير سويكت
2017 / 11 / 23



فرح أنطون و المدن الثلاث ما بين العلمانية و الماسونية (الدين، العلم، المال)2_2


بقلم :عبير سويكت

اليوتوبيا و المدينة المثالية

فصل الدين عن الدولة ما بين فرح أنطون و إبن رشد

فرح أنطون و الرموز الماسونية


الجزء الثاني

متابعة للجزء الأول من مقالي فرح أنطون و المدن الثلاث، ما بين العلمانية و الماسونية (الدين، العلم، المال)2_1، بعد أن تكلمنا بصورة كاملة و شاملة عن فرح أنطون و العلمانية و مناظرته الشهيره مع الشيخ محمد عبده، و محمد رشيد رضا، و موقف الدولة العثمانية، و بداية العلمانية في المشرق العربي سياسياً و أيضا نظرياً، و فلسفة ابن رشد و الفكر العلماني... إلخ، في هذا الجزء الثاني نتكلم عن ارتباط الجزء الأول من المقال بالجزء الثاني، المدن الثلاث (الدين، العلم، المال) هذه الرواية الشهيرة لفرح أنطون يستدل بها دائماً في توضيح و تقييم المبادئ العلمانية كما يستدل بمناظرتة الشهيره مع الشيخ محمد عبده و فلسفة إبن رشد.

فذكر مدينة الدين، و مدينة العلم، و مدينة المال، و ما جرى بين سكانها من النزاع و دعاوى كل فريق منهم على خصمه، و كيف إنتهت مشكلتهم التي تعبر عن أعظم المشاكل التي يعيشها العالم العربي والإسلامي بشكل عام و السودان بشكل خاص هذا البلد المتعدد الديانات و الاثنيات و اللغات و الثقافات، و مأساة فصل جنوب السودان عن شماله، هذا الجرح الذي ما زال ينذف فلو عملنا بمبدأ الدين لله والوطن للجميع لما وصلنا إلى هذه التجزئة غير الإنسانية.


في رواية المدن الثلاث بدايةً من الفصل الأول :(حليم و المدن الثلاث التي كان يحج إليها الناس )، يصف لنا هذا الشاب المسماه حليم الذي يشد رحاله إلى هذه المدن بحثاً و طلباً للتوصل لحقيقة هذه المدن الثلاث(الدين، العلم، المال) ، التي هي في نظر البعض بمثابة المدن المقدسة، و منهم من يعتبرها عجيبة من عجائب الدنيا، بينما البعض الآخر يرأها كباقي المدن الأخرى، و من هنا تنبع إشكالية قداسة هذه المنطقة،و نجد موضوع جدلية القداسة هذا موضح في كتاب(Le sacré et le profane) للكاتب و المؤرخ الديني و الفيلسوف و الروائي
. (Mircea Eliade)

المدن الثلاثة يتم وصفها بأنها مدن مبنية في وسط فسيح على شكل مثلث، مما يدل على أنه لا فرق بينها و بين المدن الأخرى، فمقصد هذا الشاب البحث و التوصل إلى حقيقية هذه المدن فالقارئ ينتظر منه وصفا دقيقاً لها يجعله يبحر و يسافر عبر مخيلته لهذه المدن البديعة.

يتضح لنا من قراءة هذه الرواية أن حليم هذا البطل المسافر بعيداً عن وطنة حاله كحال فرح أنطون كاتب الرواية، فرح أنطون الذي ترك وراءه موطنه هرباً من الاضطهاد العثماني متجهاً نحو الإسكندرية، و من خلال وصف هذا الشاب المسافر حليم لأشياء متعددة موجودة في هذه المدينة، نجد هذا الوصف الأدبي يشبه ما سمي في الأدب الفرنسي في القرن السابع عشر و الثامن عشر بي:
(pastoral, pastorale, pastoraux. Littérair Qui est propre aux bergers)
هذا النوع من الأدب الذي يحكي قصص الغرام التي تدور بين راعي و راعية في أماكن جميلة تسمى (الجنة)، حيث تطور هذا النوع في القرن الثامن عشر و سمي هذا النوع من الأدب الفيلسوفي (الغرام و وصف الطبيعية)، الأمر الذي يوضح لنا وجه الشبه بين أسلوب فرح أنطون الأدبي و الأدب الغربي، فالشاب حليم يعتبر منطقة المدن الثلاث هذه بالمنطقة البديعة (كالجنة)، فمن يزورها يعتبرها (كجنة الله في أرضه)، فهذه المدن الثلاث تشبه التي نجدها في أدب اليوتوبيا(utopie, utopia) فأصل هذه الكلمة في إنجلترا اؤلفت في بداية القرن السابع عشر عن طريق (Thomas More) ،فاليوتوبيا تعني بوصف (المدينة المثالية) اي المكان الغير موجود في اي بقعة من بقائع الأرض،
فهذا النوع من الأدب الذي في أغلبية الكتب يصف البطل بالمسافر البعيد عن وطنه، و ينتهي به الحال بأن يجد نفسه في مكان لا يعرفه، أو أن البطل المسافر يضيع في سفره ثم يجد نفسه في منطقة لا يعرفها، فيكتشف عالم جديد (مثالي)، و هذا ما تتطرق له رواية المدن الثلاث بطريقة و أخرى.

ففي كتب اليوتوبيا العنصر الأساسي هو المسافر الذي يقص و يحكي و يصف معالم (الحضارة المثالية) التي زارها حتى يعرفها للناس و تصبح بعد ذلك أنموذجاً و مثالا، و ال utopie ذاك الوصف الأدبي للحضارة أو العالم المثالي هو العكس أو المضاد الأدبي ل dystopie الذي يصف عالم فظيع عبارة عن كابوس، على سبيل المثال الروايات التي تحكي عن الحالة التي يتحول إليها العالم بعد الحروب، أو وصف لنهاية العالم، و نذكر أيضاً laudoux الذي حاول بناء مدينة مثالية في فرنسا، و جميع هذه الأشياء مجتمعة تؤكد على أن دراسة اليوتوبيا المستخدمة من قبل فرح أنطون في وصف المدن الثلاث، تشير إلى وجود هذه المدن المثالية التي تعتبر خيالية لمثاليتها حيث أن اليوتوبيا تسمح لنا بالتخيل و الإبحار بعيداً في مخيلتنا و نجد أنموذج لهذا النوع في رواية
(Les Voyages de Gulliver)
أو
(Les Voyages extraordinaires de Gulliver)،
للكاتب
(jonathan swift)
،و لكن من خلال رواية المدن الثلاث و غيرها من الروايات ذات طابع اليوتوبيا نجد هذا النوع من الروايات انه ليس فقط فن أدبي، بل اليوتوبيا تطورت و صارت تحمل بطياتها رسائل مهمة و نقد إجتماعي و سياسي بهدف التغيير إلى الأفضل ففرح أنطون ليس مجرد أديب بل مناضل فكري .

من ناحية أخرى نرى أن المدن الثلاث لفرح أنطون ليست مجرد رواية بل هي بحث علمي إجتماعي فلسفي، لهذا نجد أن الشاب الحليم بالرغم من أنه سمع عن هذه المدن الثلاث، و كان عنده معلومات عن هذه المدينة لكنه لم يكتفي بذلك فمقصده كان بحثاً علمياً لمعرفة حقيقية هذه المدن، و نستنتج هذا من بداية الحوار الذي دار بين الشاب حليم مع الشيخ سليمان مؤسس و منشئ هذه المدن و العارف بتاريخها، و من خلال قراءة النص نلاحظ أن حليم يتعامل بمثابة التلميذ طالب العلم من الشيخ سليمان، و هكذا تتكون معالم حوار( الشيخ و طالب العلم)، علماً بأن هذا الحوار لم يبدأ إلا بعد أن تأكد الشيخ سليمان من صحة مقصد الشاب و طالب العلم و الباحث عن الحقيقة حليم.

إضافة إلى ذلك خلاصة رواية المدن الثلاث تمكننا من مقارنة فكر فرح أنطون بالفيلسوف إبن رشد حول علاقة الدين بالدولة، و الفصل بينهما ،
حيث نجد أن في كتاب إبن رشد و فلسفته أنه يعتبر أن الفيلسوف يحتل مرحلة عالية متمثلة في مرحلة الدين، ثم العلم، بعكس فرح أنطون الذي يركز و يتكلم عن أهمية الفيلسوف و العلم علاوة على الدين، و هذا النوع من الحوار و المقارنة مبنى على الجدلية في الأدب العربي القديم و في فلسفة أفلاطون أيضاً.

من محور أخر نجد أن الشاب حليم في بداية هذه الرواية كان مشروعه عبارة عن بحث علمي بهدف اكتشاف حقيقة هذه المدن الثلاث (الدين، العلم، المال)، فنجده يتحاور مع الشيخ سليمان حتى يتعلم منه باعتباره مؤسسس و منشئ هذه المدن الثلاث، لكن في نهاية الأمر يقرر الإستقرار في هذه المدن و يتزوج إبنة الشيخ، و الأهم من ذلك أنه يصبح حاكماً لهذه المدن الثلاث و يعمل على تجديدها بناء على مبادئ و فكر جديد، هذا (النبت الجديد) المتمثل في نظرة تقدمية إجتماعية، الوحدة الديمقراطية العلمانية، و الديمقراطية الاشتراكية فتنبت من هنا المدينة المثالية.

من الملاحظ أيضاً أن في رواية المدن الثلاث وجود رموز ماسونية واضحة منها :
1- المثلث الماسوني :المتمثل في وصف المدن الثلاث و المرتبط بالشيخ سليمان مؤسس و منشئ هذه المدن، و الماسونيون يعطون أهمية عظمى لسليمان.

2_ فرح أنطون ألف رواية أورشليم الجديدة
التي تجمع بين التاريخ و الفلسفة و المناظرات الدينية و العقلية في إطار قصة حب تجمع بين طرفي نقيض،تلك الرواية التي تكلم فيها عن مدينة القدس، و سليمان و الخطاب الذي يتنبأ فيه عن المستقبل، و المعروف أهمية القدس في نظر الحركة الماسونية حيث تم فيها إنشاء أول محفل ماسوني.

3_اختيار فرح أنطون في روايته لشخصية الشيخ سليمان، علماً بأن سليمان من الرموز المهمة لدى الحركة الماسونية، ثم إختياره لشخصية الشاب حليم الذي يصبح حاكم لهذه المدن الثلاث بعد موت الشيخ سليمان، فإسم حليم من حيث المعنى هو مزيج من الهدوء و الرحمة التي هي من أهم الصفات المنتظرة من الحاكم الرشيد، فالماسونية كانت منتشرة منذ الدولة العثمانية، و الأمير حليم هو من لعب دوراً كبيراً في إدخال الماسونية في مصر، و تطورت الماسونية في نهاية القرن التاسع عشر، و المعروف أن هنالك إشارة إلى انتماء العديد من الشخصيات العربية و الإسلامية إلى الحركة الماسونية ليس فرح أنطون فقط و لكن الشيخ محمد عبده، و جرجي زيدان الأديب و الروائي و الصحفي اللبناني، و جمال الدين الأفغاني، و القائمة يطول ذكرها.

4_من الرموز الماسونية الواضحة في هذه الرواية أيضاً، ذاك الخطاب بين العلم و الدين و المال، و المستوى الثاني يوضح أنه (مسارة ماسونية) ،ففي الماسونية طقوس يتحول فيها الإنسان إلى إنسان جديد يمر بمراحل تشمل موتا رمزياً للعودة إلى حياة جديدة و هذا ما نجده في الطقوس الماسونية.

5_فالرواية تحكي أن الشاب حليم يدخل هذه المنطقة التي هي عبارة عن العتبة إلى العالم الآخر عالم الماسونية.

6_ثم اندلاع تلك الثورة في المدن الثلاث في الوقت الذي استمع فيه حليم إلى خطاب الشيخ سليمان و استفاده منه في إعادة بنيان المدينة على أساس العلم بعد أن صارت أنقاضا بسبب اندلاع تلك الثورة التي زلزلت الأرض فاعتبرت (كعقوبة سماوية).

و في كتاب( تاريخ الماسونية) لجرجي زيدان توصف الحركة الماسونية بأنها حركة إصلاحية.

بينما هنالك بعض الآراء التي تنفي وجود رموز ماسونية في رواية فرح أنطون المدن الثلاث (الدين، العلم، المال) ، موضحين أن فرح استعرض حالة الوحدة و التعايش التي عاش فيها اليهود و المسلمين و المسيحيين في الأندلس و قد إعتمد في ذلك على بعض المراجع منها كتاب : (مزيج من فلسفة العرب و اليهود) للكاتب مونك المستشرق الإسرائيلي المهتم بفلسفة إبن رشد و قد هذا هو سبب وجود بعض هذه الرموز ، و من ضمن المراجع التي اعتمد عليها فرح أنطوان أيضاً مقالة كاري في الانسيكلوبيدية الفرنسية(encyclopédie française) .

ختاماً مهما تباينت الآراء حول بعض النقاط، فإنها تتحد و تتفق في أن النهضة تكون عن طريق فصل الدين عن الدولة، كنظرية تقدمية تضمن الوحدة الوطنية و الديمقراطية و العدالة و المساواة و تحقق حلم المدن المثالية التي يحلم بها الجميع.

عبير سويكت
ناشطة سياسية و كاتبة صحفية
مقيمة بباريس
22/11/2017