هل من أفق لإقامة أوسع تحالف مدني ديمقراطي شعبي بالعراق؟

كاظم حبيب
2017 / 11 / 22

تشير المعطيات التاريخية بالعراق، وعلى امتداد الفترة التي أعقبت سقوط الملكية، إلى أن القوى الفكرية والسياسية اليمينية برهنت بأن لديها القدرة على المساومة وإبداء الاستعداد لتحقيق التحالفات الممكنة للإجهاز للوصول إلى السلطة أو الاستمرار فيها ومحاربة القوى المدنية والديمقراطية بسبل كثيرة. في حين برهنت القوى المدنية الديمقراطية، وبضمنها قوى اليسار، على إنها عجزت عن تحقيق التحالفات السياسية فيما بينها لضمان العمل المشترك دفاعاً عن مصالح الشعب ووحدة البلاد وتأمين الاستقلال والسيادة الوطنية. وفي ضوء هذا الواقع عجزت القوى المدنية والديمقراطية عن الوصول إلى السلطة السياسية لتحقيق الأهداف والمصالح التي تبنتها، أهداف ومصالح الشعب. وكان هذا أحد الأسباب التي ساعدت على تلقي القوى المدنية والديمقراطية واليسارية ضربات قاسية من لدن القوى اليمينية والرجعية والشوفينية المناهضة لمصالح الشعب. ورغم إن القوى المدنية تدرك نقاط ضعفها، إلا إنها لم تسع إلى معالجتها بجدية والتخلص من النظرات الحزبية الضيقة أو من الأنانية الحزبية أو من الشعور بالعظمة الذي لا يسمح لها بالتنازل والتحالف مع قوى أخرى تعتبرها أقل منها شأناً، في حين إن النضال في سبيل إقامة عراق حر وديمقراطي مستقل يستوجب تعبئة كل القوى والشخصيات المدنية. وإذا كان مثل هذه التحالفات ضرورية في السابق، فأن تحالف القوى المدنية والديمقراطي أصبح اليوم أكثر ضرورة وأكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
إن النجاح في المعركة الفكرية والسياسية ضد اليمين الفكري والسياسي المتطرفين، وفي إطار الدستور العراقي النافذ وعلى أساس ممارسة النضال السلمي والديمقراطي، يستوجب تغيير موازين القوى لصالح القوى المدنية والديمقراطية. وهذا بدوره يستوجب معرفة دقيقة بالواقع السياسي والاجتماعي القائم بالعراق، ومعرفة طبيعة القوى والأحزاب ومدى استعدادها لخوض النضال الديمقراطي، ومدى استعداد الجماهير على تحمل مسؤولية المشاركة الفاعلة في هذا النضال ووعياً بالمسؤولية المشتركة لعملية التغيير المنشودة، إضافة إلى ضرورة ممارسة أساليب نضال جديدة وخطاب سياسي جديد، يكون بمقدورها مجتمعة تعبئة الشبيبة من إناث وذكور لخوض هذه المعركة الفكرية والسياسية السلمية والديمقراطية بنجاح ولصالح الشعب.
منذ إسقاط الدكتاتورية الغاشمة في العام 2003 بُذلت الكثير من الجهود وأقيمت نماذج مختلفة من التحالفات السياسية التي لم توفق ولم تكن نموذجية لتحقيق المنشود. فهل في مقدور هذه التجارب غير الناجحة أن تسهم في استخلاص الدروس لبناء تحالف واسع جديد يستوجبه الواقع العراقي الراهن بإلحاح شديد، مع علم الجميع بأنها وبدون تحقيق مثل هذا التحالف الواسع جداً الذي يستند إلى قاعدة اجتماعية واسعة، لا يمكنها تحقيق التغيير المنشود.
قبل فترة وجيزة أُعلن ببغداد عن تشكيل تحالف "تقدم" من مجموعة من الأحزاب والقوى السياسية المدنية والديمقراطية العراقية لخوض غمار الانتخابات التشريعية القادمة والنضال من أجل تحقيق التغيير المنشود بالعراق لصالح الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي الحديث. وهي خطوة جيدة وإيجابية على الطريق الصحيح، إذ عمل الكثير من العراقيين والعراقيات من أجل تحقيق هذا التحالف. ولكن، على الرغم من أهمية تحالف "تقدم" والجهود الحثيثة التي بذلت من أجل ولادته، فأنه ما يزال بعيداً عن المنشود وغير كاف لتحقيق التغيير المطلوب. فعملية التغيير المنشودة لإقامة النظام السياسي الديمقراطي بالعراق والقائم على الفصل بين الدولة والدين والسياسة، وبين السلطات الثلاث واحترام استقلال القضاء وحقوق الإنسان، ولاسيما حقوق المرأة وحقوق الطفل، ولاسيما البنات القاصرات، واحترام حقوق القوميات وأتباع الديانات والمذاهب، ومنع التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للعراق واحترام الاستقلال والسيادة الوطنية ..الخ، تتطلب تحالفاً أوسع بكثير من تحالف "تقدم"، تتطلب تحالفاً يجمع "تقدم" إلى جانب مجموعة أخرى مهمة من الأحزاب والقوى المدنية والديمقراطية والقومية والعلمانية والقوى والشخصيات المؤمنة ذات النهج المدني المتنور أولاً، وتستوجب تحالفاً جديداَ يضم الأحزاب والقوى والشخصيات الديمقراطية الكردستانية التي تأكد لها بأن النضال في إطار العراق الموحد يستوجب إعادة الاعتبار للتحالف مع القوى الديمقراطية والتقدمية العراقية الأخرى ثانياً، وليس مع الطائفيين السياسيين، وإن الجميع بدون مثل هذا التحالف لا يمكنهم ضمان بناء الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي.
وتحقيق مثل هذا التحالف يستوجب مواصلة العمل بمرونة عالية وخوض الحوار المتفتح، والخلاص من الذهنية الضيقة التي لا تعير انتباهاً لعمل وأهمية الآخرين مهما كانوا قلة، إنها مهمة معقدة وصعبة بسبب وجود ذهنيات ما تزال غارقة في ذاتيتها ولا تريد الاعتراف بدور الآخر، وهي ملموسة لمس اليد، مما يعيق الوصول إلى اتفاقات مهمة. لقد بدأت قوى التيار الديمقراطي وحققت تحالفاً جديداً أطلق عليه "تقدم" من جهة، كما نشطت قوى مدنية أخرى كثيرة ما تزال مستمرة في عملها وحواراتها من جهة ثانية، فهل يا ترى يمكن بذل الجهود للوصول إلى البدء أو مواصلة اللقاءات المكثفة والمثمرة بين الأطراف العديدة لعقد مؤتمر جديد يطرح فيه برنامج عمل موسع يتضمن أهداف ومصالح فئات واسعة من بنات وأبناء الشعب العراقي من كل القوميات والقوى السياسية المدنية والديمقراطية؟ هل يمكن الاتفاق على أهداف محددة تتيح فرصة التغيير الفعلي للخلاص من المحاصصات الطافية في حكم البلاد؟ إن الضرورة الملحة والعاجلة تقتضي ذلك، فهل أدرك الجميع هذه الضرورة وهل سيتصرفون في ضوئها؟ أشعر بوجود مثل هذا الشعور العام/ وما ينقصه هو الجرأة في التحرك صوب الآخر. هنا يستوجب الوضع من الجميع بذل الجهود من أجل تحقيق ما لم يتحقق حتى الآن. إن التحالف المنشود لا يمكنه بأي حال التفريط بقوى سياسية مدنية أو حتر بعنصر مدني وديمقراطي واحد، بسبب أهمية ودور الجميع في مثل هذه المعركة الديمقراطية السلمية التي يفرضها الواقع العراقي الراهن والتي يمكن ويجب خوضها بنجاح، رغم وجود مخاطر جدية بلجوء الأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة إلى استخدام أساليب شراء الذمم ودفع الأموال والتهديدات بمختلف صورها والتزوير لدفع الأمور باتجاه ولصالح القوى اليمينية الأكثر تطرفاً في الأحزاب والقوى الحاكمة. إن المخاطر كبيرة بسبب وجود دعم خارجي يؤيد هذه القوى التي مارست القهر والتمييز والقمع في السنوات المنصرمة.
إن الأمل معقود على القوى المدنية والديمقراطية، وعلى القوى المستقلة والقوى المؤمنة المتنورة، على أوساط واسعة من الشعب العراقي التي أدركت مخاطر وعواقب استمرار نظام المحاصصة الطائفي والفساد وما يجرهما من مشكلات مريرة على الشعب العراقي، بما في ذلك استمرار الإرهاب والخراب والدمار. إنه نداء موجه إلى ذوي الضمائر الحية، إلى أبناء وبنات الشعب العراقي من مختلف القوميات وأتباع الديانات والمذاهب، إلى كل الذين أدركوا وعاشوا بجلودهم عمق المآسي والكوارث والأحزان والدماء والدموع حين تكون القوى القومية الشوفينية والقوى الطائفية السياسية والمحاصصة الطائفية والتمييز الديني والمذهبي هي السائدة في سلطات ومؤسسات الدولة العراقية.