مآسي المتاهة الدينية

أيمن عبد الخالق
2017 / 11 / 22

مآسي المتاهة الدينية
" إن استثارة العاطفة بدلًا من الفكرهى طريقة تقليدية تستخدم لتعطيل التحليل المنطقى، وبالتالى الحس النقدى للأشخاص، كما أن استعمال المفردات العاطفية يسمح بالمرور للاوعى حتى يتم زرع أفكار به، ورغبات ومخاوف ونزعات أو سلوكيات" – نعوم تشومسكى
o بعد أن تحدثنا سابقا عن مشكلات المتاهة الرأسمالية في الغرب، وبعد الكلام عن اللاعقلانية الدينية التي أوقعتنا في هذه المتاهة الدينية في الماضي والحاضر، فهل من الممكن أن نتحدث قليلا عن مشكلات هذه المتاهة أيضا، والتي نعاني منها في الشرق.
• بكل تأكيد...ولكن المتاهة الدينية ليست مختصة بالشرقيين كما يظن الكثيرون، بل وقع فيها الغرب أكثر من ألف سنة، ولم يتحرر منها، ومن الاستبداد السياسي،إلا في القرون الخمس الأخيرة.
o نعم تقصد في القرون الوسطى، وعهد سيطرة الكنيسة الكاثوليكية؟
• نعم الأوروبيون كانوا في ذلك الزمان ، غيرهم تماما في زماننا الحاضر، لقد كانوا في غاية التدين، والغيرة على الدين، والاستسلام التام لأحكام الدين والكنيسة، اكثر منا نحن الشرقيين، وإلا ماصبروا على كل هذا الظلم والاستبداد والتخلف أكثر من ألف سنة، دون أدنى مقاومة أو تمرد.
o نعم الكثير منا مازال يظن أنّ الغربيين كانوا دائما ماديين، ولادينيين.
• هذا وهم كبير...بل كانوا في قرونهم الوسطى أكثر تدينا، وتطرفا منا في أمورهم الدينية، ويدل عليه هذا التكفير والقمع العنيف في ذلك الزمان لكل من يفكر بنحو يخالف الفكر الكنسي، أو يسعى للتمرد على أوامر الكنيسة، كما لاتنس محاكم التفتيش في أسبانيا، التي أحرقت أكثر من مئة ألف إنسان برئ، لمجرد تبنيهم فكرا مخالفا للفكر االديني المشهور، والصراعات الطائفية والمذهبية الدموية التى راح ضحيتها مئات الالاف بين الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا.
o نعم كلامكم صحيح، فحال المتاهة الدينية، هي هي سواء كانت في الشرق أو الغرب
• ولكن القرون الوسطى في الغرب بدأت تقريبا من القرن الرابع إلى القرن السادس عشر، على حين دخل المسلمون قرونهم الوسطى بعد موت "ابن رشد"، أي مع بداية القرن الثالث عشر، وانتهت مع القرن التاسع عشر، اي مع بداية الحملة الفرنسية على مصر، وانفتاح الشرق على الحضارة الغربية، كما انفتح الغرب على الشرق الإسلامي بعد الحملات الصليبية في القرن الثاني عشر.
o دعنا الان نعود للحديث عن مشكلات المتاهة الدينية.
• هناك في الواقع مآسي كثيرة حلت بالبشرية من خلال المتاهة الدينية، ويكمن السبب الرئيسي لكل هذه المآسي في اللاعقلانية المقدسة، وسوء توظيف الدين وأدلجته، من أجل تحقيق مصالح سياسية دنيوية.
o هل يمكنكم أن توضحوا كلامكم أكثر من ذلك؟
• إنّ العاقل يدرك أنّ المقاصد العليا لجميع الأديان السماوية، هي إحياء العقلانية في التفكير، في قبال السفه والجاهلية، والتحرر من كل القيود والأغلال البشرية، في قبال الاستبداد والعبودية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، في قبال الظلم والفساد.
o يعني العقلانية والحرية والعدالة، وهذه هي الإنسانية في معناها الحقيقي.
• نعم لأنّ الدين في حقيقته ماجاء من رب الناس إلا لإحياء القيم الإنسانية، ومن أجل مصلحة الإنسان، والله غني عن العالمين، ولكن الكثير ممن نسبوا أنفسهم إلى المؤسسة الدينية، ووصفوا أنفسهم بأنهم رجال الدين، والمتحدثين الرسميين باسم رب العالمين، قاموا بإهدار كل هذه القيم والمبادئ التي جاء من أجلها الدين، وتمثل جوهر الدين وحقيقته الإنسانية.
o وكيف تنكر هؤلاء لهذه المقاصد الثلاثة السامية؟!
• من تتبع تاريخ هؤلاء خلال تاريخ الأديان البشرية، لوجد أن الكثير من رجال الدين قد صادروا هذه الأهداف الثلاثة، واعتمدوا مايناقضها بالكلية:
أما العقلانية: فقد أقصوا العقل عن ساحة الدين، واعتمدوا المنهج النقلي السطحي، وحرّموا العلوم العقلية، وحاربوا الفلاسفة والحكماء، واتهموهم بالكفر والزندقة، وسعوا في قتلهم، وأحرقوا كتبهم في كل مكان، واعتبروا أن المؤمن كلما كان أبعد عن العقل، كلما كان أقرب إلى الإيمان والتقوى...وهذا إحياء للجاهلية الأولى.
o نعم هذا أمر مؤسف للغاية...وماذا عن الحرية؟
• لقد قاموا باستعباد الناس لهم تحت مسمى العبادة لله، بعد أن فسروا كلمة العبد في الكتب السماوية ، على أنها مفرد "عبيد"، مع أنها مفرد "عباد"، بمعنى الإنسان العاقل والصالح، والذي يعبد الله بالعقل، لا بمجردالنقل، والتقليد الأعمى... فأضحى أكثر المؤمنين أسارى لهم، ولأحكامهم، والتي اعتبروها أحكام إلهية مقدسة، وبالتالي صادروا حريات الناس، والتي ماجاء الدين في الحقيقة إلا لتحريرهم وفك أسرهم....والله سبحانه وتعالى ماأراد من الناس إلا أن يعبدوه بعقولهم، وعلى بصيرة من أمرهم، وأن يتكاملوا باختيارهم، وكامل حرياتهم.
o نعم...هذه مسألة دقيقة غفل عنها الكثيرون، فالإنسان إن لم يكن حرا، فكيف يكون مسؤولا عن أفعاله
• ما العدالة، فقد سعوا دائما على الارتباط بالأنظمة السياسية الجائرة، ليستفيدوا من قدرتها في فرض أرائهم ومذاهبهم الشخصية والفئوية على الشعوب المستضعفة، في قبال إضفاء الشرعية الدينية عليها، على أنها تمثل إرادة السماء، وأنها واجبة الطاعة والامتثال، فانتشر الظلم والجور في المجتمعات البشرية، واضمحلت العدالة الاجتماعية، والتي ماجاء الدين إلا لإحيائها وتحقيقها.
o بعد تفريغ الدين من جوهره، ومحتواه، ماذا بقى منه؟!
• بقى منه مجرد الشعائر والطقوس، والشكليات الشرعية، بقى منه التعصب الأعمي، والفتن والصراعات المذهبية، والتخلف بعد أن أصابه العجز عن مسايرة أحكام العصر المستحدثة
وهذه كلها أمور يدركها أي إنسان عاقل يعيش في داخل هذه المتاهة، والتي يعلم الله وحده ...متى نخرج منها؟!