لإمام الحسني البغدادي.. مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن- التاريخ والسياسة-ح 10

عبد الحسين شعبان
2017 / 11 / 21

الإمام الحسني البغدادي.. مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن- التاريخ والسياسة-ح 10
حذق الخميني يبعده عن إستخدامه ورقة
ضغط ضد إيران
أ.د. عبد الحسين شعبان
وحيث يجري اليوم استخدام وزج اسم المرجعية فأود التوقّف على عجالة للإشارة إلى أن أول مرّة تمّ فيها استخدام مصطلح ” المرجع الديني الأعلى” جاء في رسالة كُتبت باسم السيد محسن الحكيم إبان حكم عبد الكريم قاسم (1958-1963) في محاولة لمواجهة المدّ الشيوعي، ثم تم تداول ونشر وصف “آية الله العظمى” بهدف الترهيب والتعظيم والتقديس.
وبصدد مصطلح “المرجعية” وما تبعه من مصطلح “التقليد” للمرجع يذهب محمد مهدي شمس الدين إلى القول : إنهما مصطلحان غير موجودين في أي نص شرعي، وإنما هما مستحدثان وليس لهما أساس من حيث كونهما تعبيرين يدلّان على مؤسسة هي مؤسسة التقليد ومرجعية هي مرجعية التقليد، ويضيف إلى أنه ليس لهما ذكر في الأخبار والآثار، فضلاً عن الكتاب الكريم (أنظر: محمد مهدي شمس الدين- الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي، بيروت، 1999 ص 142 وما بعدها) وانظر بتوسع: صناعة العقول بين “التقليد الفقهي” وثقافة التقليد، عادل رؤوف، الطبعة الثالثة، 2007م، المركز العراقي للإعلام والدراسات.
ويقرّر شمس الدين: ” نحن في الفكر الإسلامي ليس عندنا إتباع للأشخاص، الفقيه لا يتمتع بأية قداسة على الإطلاق، وليس مؤهلاً لأن يكون متبوعاً على الإطلاق، ولذلك مفهوم التقليد، مفهوم دخيل…” وكان البغدادي قد ذهب إلى ذلك بقوله إن التقليد السائد لم يرد له أصل في الشرع. وأعتقد أن شمس الدين والبغدادي أعطيا الأولوية للعقل ولعلاقة الإنسان المباشرة بالخالق.
وإذا كان هذا الاستطراد خروجاً عن المتن، فلأن الكثير من الكلام قيل حول دور المرجع والمرجعية لدرجة إن بعض الأقوال المنسوبة لهما أصبحت شبه مقدسة بل إن مجرّد إنسابها يعطيها قوة التنفيذ حد التابو وهناك من استغلها لأغراض سياسية أو شخصية، ربّما ألحقت ضرراً بجوهر الدين وقيمه الإنسانية. فرجل الدين بشر معرّض للخطأ والصواب، لاسيّما إذا ما اتخذ أحكاماً أو مواقف أو ما يطلق عليه فتاوى تتعلّق بأحوال الناس والحياة العامة. فليس كل مرجع مؤهل لإصدار فتوى أو حكم لأن بعضهم قد يحق ضرراً بالسلام المجتمعي والوحدة الوطنية إضافة إلى الأحكام الخاصة التي تتعارض في الكثير من الأحيان مع قوانين الدولة ودستورها، ويعود ذلك إلى مدى علمه وثقافته ومعرفته وتفقهه وكم من الفتاوى كانت خاطئة ، بل وضارّة لأنها ضد العلم وسببت في إحداث شرخ في النسيج الاجتماعي أحياناً، وقد دفع الناس ثمن ذلك باهظاً.
ويقول محمد مهدي شمس الدين بخصوص مصطلح “المرجعية”: أنه تم اختراع هذا المصطلح، وهو بالطبع مصطلح سياسي ليس له أي أساس في المراتبية الحوزوية الشيعية كما ذكرنا والسبب يعود لإظهار مكانة السيّد الحكيم و”مرجعيته” خلال فترة الصراع مع الحركة الشيوعية، وبلا أدنى شك سيكون مثل هذا الانحياز أو التمايز على حساب “المرجعيات” الأخرى، مثلما يتم اليوم استخدام اسم ” المرجعية العليا” أو “المرجعية الرشيدة” لإضفاء نوع من الهيبة والتقديس عليها وإبراز مكانتها ، بل والتعكّز عليها في دعم هذا الموقف السياسي أو ذاك، علماً بأن المرجعية الشيعية- الإثنا عشرية هي تعدّدية ، بحكم تعدّد الاجتهادات.
نخبة دينية
وحسب عادل رؤوف، فإنه وبسبب التفاوت في المعرفة بين النخبة الدينية التي يُطلق عليها اسم ” المرجعيات” وبين المجتمع، ولاسيّما عامة الناس، مهما كانت معرفة هؤلاء متطورة في العلوم غير الدينية، فإن ذلك يمنح “حقوقاً” استثنائية للنخبة يسمّيها ” حقوق ما فوق بشرية”، منها اعتقادات تتعلق بامتلاكها ناصية الفقه الديني وحق الإفتاء وإنها حلقة الوصل بين الأتباع الذين يسمّون ” المقلّدون” وبين الله. وهناك من يبالغ بذلك لدرجة المغالاة في الشفاعة باليوم الآخر، خصوصاً بإعلاء شأنها ومكانتها ومقامها لدرجة القدسية.
وبخصوص ما يسمّى بالحقوق الشرعية (الخمس والزكاة) فيقارن رؤوف بين ما تحصل عليه بعض المرجعيات من الأموال وبين ما تحصل عليه الكنائس المسيحية، وفي كلا الحالين، فإن الأمر سيّان بمن يتصرّف بها دون حساب أو مساءلات، خصوصاً من جانب الورثة بالنسبة للمرجعيات الدينية الإسلامية خارج أي رقابة أو خضوع لقانون أحياناً (انظر: صناعة العقول بين التقليد الفقهي وثقافة التقليد، المركز العراقي للإعلام والدراسات، بغداد، بيروت، دمشق، ط2? 2007? ص 329 وما بعدها).
ولعلّ تلك “الحقوق” والمكانة التي تقوم على أساسها تضفي على رجال الدين أحياناً نوعاً من الحصانة والعلوية، بحيث تجعلهم خارج نطاق النقد، بل ومنزهين عن الأخطاء وخالين من العيوب ، وكأنهم “مصانون وغير مسؤولين” ويدفع بعض المقلّدين وأبناء العامة إلى تقبيل أيديهم والتبرّك بهم حتى وإن كان بعضهم لا يتمتع بصفات الورع والتقوى والزهد وخدمة الصالح العام.
نعود بعد هذا الاستطراد إلى أصل الموضوع فقد نشرنا برقية الحسني البغدادي في مكان آخر من هذه السردية، وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر، ففي حين كان التنديد شديداً بالمجازر التي حصلت في إيران، كان محسن الحكيم يستقبل وزير خارجية إيران “عباس آرام” ونقلت الأخبار حينها أنه حثّه على تغيير سياسته إزاء المعارضة الإسلامية الإيرانية، وهو موقف لا يرتقي إلى التضامن المطلوب والمواقف التي اتخذها الحسني البغدادي وعدد من رجال الدين الآخرين.
وكان آية الله الحكيم قد أرسل برقية إلى آية الله محمد البهبهاني تحثه فيها على التدخّل لدى السلطات الإيرانية لإيقاف التطاول على مقام الروحانيين. ومما جاء في نص البرقية ” إن إصرار المسؤولين على تشريع القوانين غير المشروعة موجب للارتباك … ويسبب نقمة الشعب المسلم واستفزازه، وحيث أن المؤمنين يستفتونني في واجبهم، رأيت لزاماً عليكم وعلى العلماء الأعلام أن تبلغوا المسؤولين ، إن الشعب الإيراني المسلم إنما انتخب أولياء الأمور للقيادة في سبيل تنفيذ قوانين الإسلام المقدسة والدفاع عن نواميس الدين الحنيف…” (نقلاً عن عادل رؤوف- العمل الإسلامي في العراق- بين المرجعية والحزبية، المركز العراقي للإعلام والدراسات، دمشق ، ط4? 2006? ص 39).
ومن الانتقادات الأخرى التي توجّه إلى الحسني البغدادي أنه اتّخذ موقفاً أقرب إلى موقف الحكومة حين تعرّض السيد مهدي الحكيم نجل الإمام الحكيم الكبير إلى الاتهام بالجاسوسية، وكانت تصريحاته تلميحاً فيها نوع من “الإدانة”، وإن لم يأتِ على ذكر الاسم ، لكنها في الشارع فُهمت على أنها اصطفاف مع الحكومة ضد خصمه اللدود الحكيم. وحسب تدقيقاتي فإن موقف الإمام الحسني البغدادي وتصريحاته بشأن الجواسيس كان قبل اتهام السيد مهدي الحكيم بالتجسس بنحو ثلاثة أشهر، لكن الحكومة أبرزته واستغلته بعد توجيه الاتهام إلى السيد مهدي الحكيم. (انظر: عادل رؤوف – أنبياء وأصنام – حوزة الأرض والوطن وحوزة الوافدين إلى الوطن، فقرة: جاسوسية مهدي الحكيم نقاشات مجتزأة.. واشتباكات مرجعية، ص: 148? ط: الثانية، 2009م، المركز العراقي للإعلام والدراسات.
والهدف منه كما هو معروف: تعميق الخلافات بين رجال الدين لإضعاف الطرفين، وإبقاء روح المنافسة غير المبدئية أحياناً قائمة بينهما، فضلاً عن الكراهية والتشفي والحسد، وهي كثيراً ما تكون موجودة، بل ومتفشية بين أبناء المراجع وحاشياتهم، التي هي المتحكّمة أحياناً بأمور المرجع، خصوصاً مع تقدّم السن، ومع الرغبة في عدم المواجهة المباشرة، فيترك أمر إدارة شؤون المرجع للمقربين منه من الأبناء والأنسباء والأقرباء والبطانات.
وإذا كانت سلطة انقلاب 17 تموز (يوليو) العام 1968 أقرب إلى الحسني البغدادي منه إلى الحكيم في المجال السياسي بشكل خاص، فإن هذه العلاقة ساءت بسبب تمسّكه الشديد بإقامة الشعائر الحسينية، حيث كان قد حدثت مشاكل في النجف وفي صحن الإمام علي، وتم إطلاق النار، الأمر الذي اضطرّ المتصرّف (المحافظ) شبيب المالكي إلى التدخّل لتهدئة الموقف الذي كاد ينفجر، خصوصاً بسبب بعض التصرّفات المتطرّفة والهوجاء لبعض الحزبيين آنذاك، وكان البغدادي قد أرسل على السيد عبد الرزاق الحبوبي والسيد حسين الكليدار، ونصحهما ومن خلالهما “الدولة” أو حسب المصطلح الشائع آنذاك “الحزب والثورة” بعدم منع ممارسة الشعائر الحسينية، الأمر الذي سيثير أوساطاً كثيرة ضدهم.
عوامل تباعد
وقد جرت اتصالات بين المحافظ والسيد النائب صدام حسين حينها، وهو ما ساهم في امتصاص الغضب والنقمة وتهدئة الشارع، الذي ظل يحتقن وتتصاعد عوامل التباعد بينه وبين الحزب الحاكم ، حتى انفجر في شباط (فبراير) 1977 فيما سميّ بـ”هبّة خان النص”، التي قابلتها الحكومة بعنف شديد، ثم أقدمت على إعدام 8 أشخاص اتهموا بالمشاركة فيها وإصدار أحكام غليظة بحق مجموعة أخرى.
وإذا كان العنف منهجاً في نمط تفكير قيادة حزب البعث، ولاسيّما الانفراد بمجموعة بعد أخرى وتصفيتها أو إضعافها لكي تستجيب لمطالبها وتتعاون معها بشروطها، فإن هذا العنف تصاعد على نحو لا مثيل له بعد انتصار الثورة الإيرانية، العام 1979? واتّخذ حملة شديدة طالت عشرات الآلاف من منتسبي الحركة الإسلامية أو من المتديّنين، حيث تم إعدام المئات منهم. وعشيّة اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية التي استمرت 8 سنوات (1980-1988) أقدمت الحكومة العراقية على تهجير نحو نصف مليون مواطن عراقي بحجة التبعية الإيرانية، وذلك طبقاً للقرار 666 الصادر عن “مجلس قيادة الثورة” في 7 أيار (مايو) 1980.
رحم الله امرءا أهدى إليّ عيوبي
عمر بن الخطاب
قراءة ارتجاعية
وللأسف لم يكن موقفنا صحيحاً إزاء هبّة خان النص، حيث اندفعنا بفعل تحالفنا مع حزب البعث في إدانتها، حتى أننا طالبنا بـالمزيد من ” الحزم الثوري” ضد المتآمرين، وهو ما كان مانشيتاً عريضاً في صحيفتنا “طريق الشعب” آنذاك، فضلاً عن أن بعض المزايدين في صفوفنا كانوا يستهينون بأرواح الآخرين، بزعم حماية ” النظام الثوري” والدفاع عن “التحالف مع حزب البعث”.أقول ذلك من باب النقد الذاتي، وللتاريخ ، الأمر الذي يحتاج إلى مراجعة جادة ومسؤولة ونقد صريح وواضح لمواقفنا، وتلك القيمة الحقيقية لقراءة التجربة التاريخية، حتى وإن كان الماضي قد مضى، لكن الحقيقة لن تمضي إلّا إذا كانت في اتجاهها الصحيح، كما يحتاج الأمر إلى إعادة قراءة المواقف من الحرب العراقية- الإيرانية والتي كانت سبباً أساسياً في انشطار مجموعة كبيرة من الشيوعيين عن الحزب الرسمي، الذي كان موقف قيادته ممالئاً لإيران، وحتى حين تم تعديل الموقف بسبب ضغوط حزبية داخلية، لاسيّما من جانب مجموعة المنبر وقيادات أخرى، ظل موقف القيادة الشيوعية التقليدية مائعاً، وهو ذات الموقف الذي اتخذته القيادة إزاء موضوع الحصار الدولي 1991-2003 ومن ثم احتلال العراق العام 2003 الأمر الذي ألحق ضرراً تاريخياً بهوّية الشيوعيين الوطنية، وأثار لغطاً والتباساً حول مواقفهم وصدقيتهم، على الرغم من التضحيات الجسام التي قدّموها في تاريخهم المجيد.
ولا نقول ذلك من باب الاتهام أو التخوين، وإنما القصد هو النقد والنقد الذاتي للتصويب والتصحيح وتقدير سليم للمواقف والعواقب، وهو الذي عاد على الحزب وعموم الشيوعيين بالسلبية والتراجع، وهو ما يدعو جميع المخلصين للبحث في الأسباب الفكرية والسياسية والتنظيمية والشخصية، الخاصة والعامة، تلك التي أوقعته في أزمة معتّقة وطويلة الأمد.
وكان الرأي الذي تكوّن لدى قيادة حزب البعث بعد أحداث النجف العام 1970? إن المرجعية العربية فيما لو استقوى أمرها ستثير مشاكل بوجه الحزب والثورة، وبالتالي فإن عليهم دعم مرجعية ضعيفة، يمكن التعامل معها والتأثير عليها، خصوصاً إذا لم تكن عربية. ومثل هذا الاستنتاج ينمّ عن عدم معرفة بالوسط الديني الشيعي وتعقيداته ومشاكله، سواء فيما يتعلق الأمر بالحوزة العلمية أو النجف كمدينة، وما يمكن أن تلعبه في خدمة الدولة العراقية، عربياً وإسلامياً، إذ أن قوتها ومكانتها من قوة ومكانة الدولة. وأي إضعاف لها سيكون إضعافاً للدولة وتقليلاً من هيبتها.
وتلك معادلة كان ينبغي استيعابها على نحو صحيح وجدلي، بقراءة جوّانية وليس بقراءة برّانية، خصوصاً وأن النجف بما تمثّله من تراث علمي وثقافي يعتبر صرحاً حضارياً ينبغي أن تعتز به البشرية، فما بالك بالدولة العراقية، الذي هو تراث شعبها التاريخي، حيث تحتضن النجف أقدم مدارس العالم بالمعنى الذي نقاربه حديثاً، فقد مضى على مدرستها أكثر من 1000 عام.
واستناداً إلى القراءة المخطوءة للقيادة العراقية البعثية آنذاك، من أن المرجعية الدينية الشيعية كانت هي التي أحدثت مشاكل للدولة لأنها عربية وبالتالي تشعر بقوتها في مواجهة الدولة، وتستدل هذه القراءة باستعادة مرجعية الإمام محمد مهدي الخالصي في العشرينات وفيما بعد نجله محمد الخالصي والحكيم والحسني البغدادي والحمامي والجزائري وغيرهم في الخمسينات والستينات، في حين إذا كانت المرجعية غير العربية التزمت بعدم التدخل بالسياسة السيد أبو الحسن والبروجردي والزنجاني والخوئي والسيستاني وغيرهم، وحسب حديث منسوب إلى صدام حسين، فإنها في اللحظة التي ستخالف مثل هذا الالتزام “سنرميها خارج الحدود”.
وعلى الرغم من المواقف الوطنية والعروبية الصميمية والعراقية الأصيلة للإمام الحسني البغدادي، خصوصاً مقاومته لمحاولات الاستتباع الخارجي ودعمه للمقاومة الفلسطينية، بل وقوفه ضد بعض رجال الدين الشيعة، من منظور أقرب إلى الحكومة، في إطار معادلة وضعها لنفسه لمواجهة التحديات المختلفة، لكن نقده لإجراءات الحكومة إزاء منع الشعائر الحسينية جعل الحكم يتخذ منه موقفاً سلبياً، وبسبب هذا الموقف تم منعه من السفر للعلاج (1970)? وحين تم تسوية الأمر، احتجز في المطار في المرّة الثانية، في حين إن بعض رجال الدين الآخرين، ممن كانت مواقفهم السياسية ضد الحكم أكثر تشدداً، لم يتعرضوا إلى مثل هذه المعاملة، وتلك واحدة من ازدواجيات الحكم في العراق وعدم تقديراته الصائبة لمعسكر الأصدقاء أو الخصوم أو الأعداء، الأمر الذي سرعان ما وجد نفسه وحيداً ومعزولاً.
وقد دعمت الحكومة العراقية بشكل مباشر أو غير مباشر تنصيب آية الله السيد الخوئي كمرجعية في الحوزة النجفية بعد وفاة السيد محسن الحكيم (حزيران/يونيو/1970)? وردّاً على سؤال ابراهيم الفاضلي الموجّه إلى صدام في القصر الجموري: لماذا تم دعم الخوئي على حساب مرجعية الحسني البغدادي والسيد الخميني، وهما عدوّان لدودان لشاه إيران؟
أجاب صدام حسين، وهذا سننقله عن “مذكرات أحمد الحسني البغدادي – في مواجهة الدين الآخر نقد.. مواقف.. توقّعات” ط2? 2011 ص 22 وما بعدها، ما يلي:
” إن الشيخ الخوئي فيه عيوب لا يمكن أن يتحرّك من خلالها ضد (الحزب والثورة)، منها : إنه تركي لا فارسي، فالشاه ينظر إلى العنصر التركي بالدونية، ومنها: إنه يخاف من أقل واحد له صلة بالدولة، فكيف إذا التقى معه أعلى سلم في القيادة (يقصد نفسه حين كان نائباً للرئيس) … وهذه العيوب لصالح مسيرتنا التقدمية التغييرية، إذْ يمكن تحجيمه في أي وقت إذا تحرّك ضدنا، والشاه لا يتحمّس له، ولا يدخل معنا في صراعات جانبية على حساب مصالحه في المنطقة”.
ثم يفصح صدام عن موقفه من الحسني البغدادي، بقوله: “أما الشيخ البغدادي،(فإنه) متعصّب بتأييد ومساندة ممارسة طقوس الشعائر الحسينية وتجمّعات هذه المراسيم ليست لصالحنا، في حين إن الشيخ الخميني يسعى لإسقاط الشاه وإقامة الدولة الدينية في إيران، وهي خطر علينا وعلى الأمن القومي العربي”.
ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أن السلطة العراقية حاولت استخدام الخميني وتوظيفه في الصراع ضد إيران واستعماله كورقة (سواء سلطة العارفين – عبد السلام وعبد الرحمن محمد عارف- أو سلطة البكر- صدام)، لكن الخميني كان حاذقاً وماهراً بقدر ما هو حازم في رفض
الانصياع لذلك، وكانت علاقته مع الحسني البغدادي تحكمها اعتبارات مبدئية – جهادية انطلاقاً من قناعاتهما الشرعية، بأنهما ضد حكم ظالم، وليس كما حاول البعض تفسيره بأنها نكاية بموقف الحكيم الممالئ.
وإذا كانت السلطة قد شعرت بخطئها في توجهها هذا، حسبما يبدو دون تصريح أو تلميح أو نقد ذاتي، وخصوصاً خلال الحرب العراقية -الإيرانية أو في التحضير لها، خصوصاً بعد أن أخفت قسرياً محمد باقر الصدر وأخته بنت الهدى ثم سرّبت خبر اغتيالهما، كما قامت باغتيال عشرات من رجال الدين والعوائل الدينية، من آل الحكيم وبحر العلوم وآخرين، فحاولت معالجة مواقفها ولكن بعد فوات الأوان، وعلى طريقتها الخاصة سعت إلى تقريب ودعم مراجع عربية أصيلة، بعد أن نكّلت بهم مثل محمد صادق الصدر، لكن تلك المحاولة جاءت متأخرة، كما أنها أفلتت من بين يديها، حين حاول الصدر على نحو حثيث وشجاع بناء تيار معارض، دافعاً المرجعية من الصمت إلى النطق.
نشرت في صحيفة الزمان العراقية 20/11/2017