مأساة يغود - القسم الأول، الفصل الأول، القبيلة

امال الحسين
2017 / 11 / 20

مأساة يغود ـ القسم الأول، الفصل الأول، القبيلة

2

كان مولود الطفل يستمتع بروايات أبيه عن أجداده، عن رحلاتهم بين الأطلس والصحراء، قوافل التجارة التي يترأسها جده، من الصحراء إلى الأطلس، من سجلماس إلى فاس، إلى تلمسان، يركب مخاطر الطرق، لصوص القوافل، ضاعت كل أمواله، سرقها التهامي، رئيس قطاع الطرق.
أكثرها مأساوية حكاية التهامي، الذي جاء من المشرق، استقر بواحة صحراوية، كان فلاحا ماهرا، عارفا بأحوال الزراعة، أبهر الفلاحين بعمله الجاد، ظنوا أنه يملك قوة، بيده بركة، من الشرفاء، أصبح إنتاجهم وافرا، يتهافت التجار على منتوجهم.
في فصل الخريف من كل سنة، يتوقف التجار بمحطة استراحة القافلة، حيث يجدونه مع الفلاحين، أبهر التجار بحديثه عن قصص الأنبياء، عن رحلة الشتاء والصيف، حفظ القرآن، الحديث.
في طريق القوافل التجارية، يبحث عن موقع في السلطة، قوافل التجارة تستهويه، يتعاقبها، يبحث عن مكان بين التجار، بعد تفكير عميق، قال:
لما لا أقدم خدمة للتجار المساكين ؟
تتعرض قوافلهم للسرقة، للإبتزاز.
جمع مجموعة من الرجال، في خيمته، التي أقامها بموقع استراحة القوافل، تداول معهم في الأمر، كل البلاد تعيش في فوضى، بعد انهيار دولة القبيلة، قطاع الطرق في كل مكان.
التجار يتعرضون للنهب، السرقة، في الوقت الذي عاش فيه الغرب تحولات كبيرة، الثورات البورجوازية، نضال العمال والفلاحين، من أجل الحرية، سيطرت البورجوازية على الدولة.
في خريف هذه السنة، أثناء وصول التجار، قوافلهم محمولة، استقبلهم، قدم لهم الطعام والشراب، عرض عليهم خدماته:
هذه مجموعة من الرجال الأشداء.
قادرون على مطاردة اللصوص.
علمتهم الرماية.
مجموعة من الرماة.
قاماتهم طويلة، أجسامهم صلبة، متينة، عتيدة.
قال ذلك، ينتظر رد التاجر محمد الجد السادس لمولود، رئيس القافلة.
استرسل:
لقد جهزت لكم رجال الأمن.
لا أريد منكم إلا معروفا قليلا.
كسوة، طعام، شراب.
خيمة للغرباء.
نحميكم، نحمي تجارتكم.
أبهر التجار، ومعهم رئيس القافلة، لاحظوا أن قطاع الطرق اختفوا، طريقهم أصبحت مؤمنة، هي حيلة فقط، خطرت بباله، بعد استدراج اللصوص، علمهم القراءة والكتابة، دربهم على القنص، الرماية، أصبحوا جنوده الطائعين، طوعهم لغاية يتوخاها، امتلاك السلطة والمال.
أسس عصابته، قدمها للتجار على أنهم حراس آمنين، في أول الأمر، أمن لهم الطريق، هم صحراويون من صنهاجة الملثمين، كسب ثقتهم، بنى زاويته على الطريق، يتلو فيها القرآن والحديث، تضاعف عدد جنوده، أصبحوا فيلقا، لفرط ثقة التجار، وضعوا لديه كل أموالهم، بنى بيت المال، أخرج الزكاة، حج الفقراء إلى زاويته، بنى مدرسة للطلاب، القرآن والرماية.
اشتد ساعده، بنى حصنا، قلعته، زاويته، جنوده يجوبون الواحات، الفيافي والقفار.
حطت القوافل كعادتها، بعد صيف حار، تجمع التجار بقصر الزاوية، فرغت القوافل حمولتها، كانت متنوعة، التمر، الحناء، الريحان، الشعير، الذرة، اللوز، أواني الفضة والذهب.
في رحلتهم الخريفية، عرض عليهم إقامة سوق بزاويته، رفض التجار عرضه، يرددون:
إقامة سوق بالخلاء ؟
لم يفهموا ما يريد، بعد عدة محاولات استطاع إقناعهم، هي فقط مكيدة، من أجل السيطرة على قوافلهم، تمكن من جميع أموالهم، الآن كل سلعهم بيده، تحج كل القبائل إلى الزاوية، يقيم الموسم السنوي في كل بداية فصل الخريف.
جمع كل أموال التجار، طردهم من قصره بعد نهاية الموسم، تفرقوا خفي حنين، تاركين وراءهم جميع أموالهم، سلعهم، إبلهم.
وزع بعض الأموال والسلع على جنوده، اشترى الجياد، الأمازيغية الأصيلة والأسلحة، ملأ بيت المال، بنى دولته، دولة القبيلة، هاجم القبائل المجاورة، استولى على أراضيها، سمح لهم باصطحاب مواشيهم فقط، حتى تكون سببا في نزاعهم مع القبائل المجاورة، ليشتد النزاع والقتال، يتدخل هو بقوته لفض النزاعات، يطرد القبائل، يستغل الجواري، يحتل الأراضي، يملك ثروة هائلة وجيشا جرارا.
بنى دولة قطاع الطرق، دولة المستعبدين والجواري، سعى إلى حكم كل بلاد يغود.
منذ تلك الحادثة، رفضت عائلة مولود ممارسة التجارة، كرهت سلطة قطاع الطرق، عمل مولود بوصية أبيه، لم يقترب من السلطة، كرهها، نقل الوصية لأبنائه.
كان الحاج محمد يؤكد عليه:
إياك والتقرب من السلطة.
إن أساسها مبني على قطاع الطرق.
خسر جده الخامس تاجرته، كل أمواله، سرقت منه، فعلها التهامي، رئيس قطاع الطرق، من أجل بناء سلطته، بسطها على جميع الفلاحين.
3
في عشية سقوط دولة القبيلة، دولة قطاع الطرق، طلعت مريم بالأطلس، المرأة القائدة ، قوتها حطمت قوة الرجال، أزعجت شيوخ القبائل، صنعت الحكم، بنت قلعة سلطة المرأة، اكتشفت مركز السلطة، بنت صروح حكم النساء، تحدت سلطة الرجال، سلطة ركزوها خلال قرون من قهر النساء، تم فيها استعبادها، إبعادها عن الحكم، استغلال الدين ضد المرأة.
مريم، حفيدة يغودة.
حكمت، أسست قلعتها، على أرض عارية، بضفة الوادي، يغودة الحاضر.
من بعيد، حل أهل يغودا بالأطلس، بنوا حضارتهم، في عصور متقدمة من تاريخ الأمازيغ.
***
مريم ومحند رمزان لرفض عبودية الزاوية، تم إسقاط سلطتها، إيذانا بمرحلة جديدة، تم التحضير لها، الاستعمار على الأبواب، كان الشيخ المخلوع خائنا، تهيأ لهذه المرحلة، عساه يسترجع سلطته المفقودة، رأى الخيانة طريقا لتحقيقها، فضل عبودية الباشا عن تحرره، ضد الشيخ الشهم، الذي رفض العبودية، فضل الموت على الحياة.
***
مريم، المرأة الفولادية، امتطت صهوة فرس أمازيغية، من فصيلة سهول يغودا، حيث غابات أركًان، على طول سواحل الأطلسي، إلى ضفافه الغربية بسهول الميكسيك، بعد انفصال القارات.
أحفاد يغود الأصغر، الحمر، السمر، مضطهدون.
أحفاد يغود الأوسط، البيض، مستعمرون.
يغود الأكبر هنا بهذه الأرض، يغودا.
ببلاد يغود انبعثت امرأة قائدة، مريم، قاهرة الرجال.
في أسطورة تكاد تكون خرافية، خرجت من الزاوية، رفضت قيود شيوخها، كلما مرت بذلك المكان، منابع المياه المتدفقة من الجبل الأسطوري، المياه الفضية، من سيروا الجبل الخرافي، عمر في التاريخ مليوني سنة، تتدفق مياهه سلسبيلا، تستهوي أحفاد يغود، الحاملين للكتاب، مروا هناك زاهدين، تاركين وراءهم أطلال قلاعهم الجاثمة، خرابا على قمم الجبال، على طول الوادي المتدفق.
حطت مريم حفيدة يغود بذلك المكان، في يوم ربيعي، في طريقها، من الزاوية إلى بلدتها الجبلية، بلدة الزعفران، بنظرة ثاقبة، هندست المكان، إنها حكمة امرأة يغودا المتحررة من قيود المقدس.
وقفت في صمت رهيب، نظمت على لسان يغودة:
أعانق الجبل
أصافح الجدول
أداعب الشجر
أخاطب الطيور
أعود أنجلي من ظلمة المكان
في هذا المكان، أبني صرح حكمي.
حكم المرأة ينبعث من جديد، ببلاد يغود.
4
المرأة الحاكمة، الأمازيغية، بالأطلس، ملكت رجالا، مستعبدين، كما هو حال جميع الحكام، امرأة صلبة، شجاعة، أبت إلا أن تحيا، حياة ماض عريق، في سفر بعيد، ماضي المرأة الأمازيغية، الحاكمة، استقرت بضفة الوادي المتلألئ بالمياه الفضية للجبل الخرافي.
دبت الحياة بالمكان، تم تقديس المرأة من جديد، ردد:
في ذلك المكان
هناك هاهنا
هناك من كان يومن بالقدر.
***
في عصور مضت، عصور الغاب، مر رجال هناك، فقهاء، علماء علوم عصرهم، الفقيه عمر أحدهم، كان زاهدا، نشر القراءة والكتابة، على اللوح للطلاب، ابتعد قليلا عن الوادي، خوفا من فيضاناته، اقترب من الجبل، كان الرجال يعثون في الأرض فسادا، يجتاحون الأخضر واليابس، من الجبال إلى الوادي، لم يفكر الفقيه في الحكم، فضل الزهد.
***
مريم اليغودية، رأت في المكان موقع حكمها، بنت القلعة، قلعـتها استهوت شيوخ القبائل، كانوا يخافون من غضب الزوايا، الزاوية التي تنتمي إليها كانت قوية، خلفت أربعة أضرحة، خبرتها من داخل الزاوية، كانت تمر عليها، في طريقها إلى بلدة الزعفران، كل من مر هناك، يقف، يرفع أذرعه، تدرعا للأولياء، دعاء الموتى من عامة الناس.
مرت هناك باستمرار، بعيدا عن الزاوية، كل نساء الزاوية محجبات، ممنوع رؤيتهن، تستحيل رؤيتهن، لا يشتغلن، المستعبدات في خدمتهن، تحدتهن كما تحدت شيوخ الزاوية.
كانت تصادف اليهود في طريقها إلى بلدتها، تراهم عندما يمرون بأرض الزاوية، يهبطون من على ظهور بغالهم وحميرهم، يخلعون أحذيتهم، يضعونها تحت أبطيتهم، يمشون حفاة، حتى يتجاوزون أرضها، ينتعلون أحديتهم من جديد، ممنوع عليهم دخول الزاوية، يحترمون معتقداتها، يقدمون لها خدماتهم، حرف وتجارة مقابل المال، معاملاتهم مع المسلمين، ترتكز على المصلحة، الثقة، يعرفون صاحب ثقة وفاقد ثقة، متشبثون بثقافتهم، بينهم وبين المسلمين، تناول ماء الحياة، كل من تناول جرعة من ماء الحياة من المسلمين، سقطت ثقته.
انتفضت مريم على التقاليد، كسرت قيود الزاوية، طرحتها جانبا، هي على وعي بطقوسها، إنها مطية لحجب الواقع عن المرأة، قيد حريتها، رفضت كل قيودها.
كل الرجال ركعوا أمام الزاوية، خوفا من لعنتها، تخلصت من قيودها، أصبحت فوق الرجال، استعبدتهم، جندتهم ضد بعضهم البعض.
تيهيا الأطلس انبعثت خارج الزاوية، الشيخ الخائن، سمع بأمرها، شغلت باله، كان يجوب الجبال، بعيدا عن الزاوية، يخاف من لعنتها.
الزوايا والقلاع معالم بناها الرجال، كلها خربت، لكن قلعة مريم أصبحت مركز السلطة الجديدة، سلطة المرأة.
المرأة التي أزعجت الرجال، كل شيوخ القبائل حائرون، يرون أن السلطة تفلت بين أيديهم، سلطة الرجال على النساء، المرأة فوق كل الرجال.
***
كل النساء يصغين، يتلمسن أخبار القلعة، بالزاوية هن حائرات، كبرت مريم من بينهن، رضعن جميعهن لبن التقاليد العتيقة، محجبات، ممنوع عليهن الاختلاط بالرجال، أميات لا يعرفن معنى الخروج إلى السوق، اجتمعن بالزاوية للنظر في الأمر:
ماذا ننتظر ؟
لا بد من التدخل في الأمر.
الرجال غير راضين عن هذا الفعل. إنها إهانة لنساء الزاوية، المرأة بين الرجال ؟ فوق الرجال ؟
هذا حرام، لا يقبله ديننا.
جميع المفاهيم التي ورثنها عن عصور الظلمات، انهارت اليوم أمامهن، امرأة تقلب مجرى التاريخ، تزيح الغموض عنه، تندر بتغيير قادم يجرف القديم.
الشيخ الخائن، خرافي التفكير، قدس الزاوية، لما خلعه الشيخ محند، خلع معه شيخ الزاوية، عين مكانه خادمه، قيم حفلات الشاي، سيطر على جميع ممتلكاتها، عرف جيدا دورها في قمع العقل، توظيف الدين في السياسة، كسر قدسيتها. لم يستسغ، حكم المرأة، مريم الثائرة على استعباد الرجل للمرأة.
يقدس شيخ الزاوية، يتعلق بالخرافة، مريم تخرج عن طاعته، حمل السلاح ضد حكم المرأة، أزعجته سلطتها، جيش الرعاع اجتاح الوادي، تحت دريعة الدفاع، التصدي لهجوم السواحل الصحراويين، لم يستوعب سلطة المرأة، لم يستسغها بوعيه الزائف، وجد نفسه بعيدا عن مركز السلطة، البعيد عن بلدته، قلعته، اليوم قلعة مريم أصبحت مركز السلطة.
يتربص بسلطتها، من أجل الظفر بحكمها، درب العسكر، هيأ الحركة، من أجل إسقاط قلعة اليغودية الجديدة.
بنت مريم سلطة جديدة، الشيخ الخائن حائر، مهموم، كل الفروض التي وضعها لدعم سلطته انقطعت، السكان اكتشفوا أن تلك الفروض زيف، حيف، ذريعة لتقوية سلطته، صرخ في وجه أعوانه:
لم يبق للرجال وجود.
المرأة تحكم ؟
هذا عار على جبين الرجال.
المرأة، ناقصة عقل ودين.
هل تستقيم الحياة أمامكم ؟
بنى أطماعه على حساب الدفاع عن الفلاحين، المرأة اليوم تحكم، لم يكن همه بعد اليوم الدفاع، إنما الهجوم من أجل إسقاط حكم المرأة.
5
في ليلة صيف حار، بقلعته، جمع أعوانه، جمع الفقهاء، أقام الوليمة.
على سطح القلعة، انتشر العسكريون، إمحزنين، يراقبون، كل الاتجاهات.
بمربط الأحصنة، وقف الفرسان، كل شيوخ القبائل حاضرون، إلا الشيخ الشهم، قاطع الوليمة، الشيخ محند والفقيه محمد، لم يحضرا المؤامرة.
تم استقبال الوفود، دار الضيافة مفتوحة، اجتمع مع الشيوخ الموالين له، تآمروا على حكم المرأة، قال لهم:
وجب إسقاطه.
هذه سابقة في تاريخنا.
بعد قراءة القرآن، البردة، إخراج المعروف، استنجد بالفقهاء، كؤوس الشاي بالزعفران، اللوز المقلي، العسل، السن، الطاجين، لحم الغنم الأطلسي، الدجاج بنكهة الزعفران، حضر الجميع وليمة الشيخ الخائن، من أجل نصرته ضد المرأة الحاكمة، تآمر في تلك الليلة على المرأة، حاكمة الرجال.
بحضور الفقيه العلامة، عالم علوم عصره، اجتمع الجمع، أعطى الفقيه نصائحه للمجتمعين:
أعبدوا الله.
أطيعوا الشيخ.
قفوا وراءه وقفة رجل واحد.
***
كل فقهاء المنطقة حاضرون، الوليمة غايتهم، اشتموها من بعيد، من أخربيش، حكايات عديدة، تداولها الناس، الفقهاء والوليمة، الأكل بشراهة، قصص كثير حكاها الفقهاء عن الولائم، تداولها الطلبة بالمقصورة، عن فقيه فلان، في ليلة كذا، أحاديث تم ابتداعها، عن الوليمة، عن البطنة، عن صاحب المنزل، القصد من الوليمة، تعددت الأسباب والغاية واحدة، إحسان الشيخ إلى الفقهاء، استغلال الدين في السياسة، كل الطرق تؤدي إلى الوليمة.
***
البطنة تذهب الفطنة، يقول المثل. الفقهاء أذكياء، لكنهم تحت قيادة شيخ غبي، يحلم بحكم قلعة مريم اليغودية.
كل غاية الشيخ الخائن من الوليمة، إصدار فتوى، بعد دعاء الفقيه، العلامة، القاضي، الناهي، الآمر في كل شؤون الدنيا والآخرة، إلا في شؤون السلطة، هي في يد شيخ ساذج، سخر الدين لصلح السياسة، فهم جيدا هذه اللعبة.
الشيخ الخائن يخاطبكم:
اليوم جمعناكم، في قلعتنا.
بيت الحكم، العدل، الحق.
جمعنا كل فقهاء قبائلنا.
كلهم أجمعوا على عدم جواز حكم المرأة.
المرأة ناقصة عقل ودين.
كتب الفقيه العلامة الفتوى، فتح محفظته، نشر كاغيطا أصفر، أخرج دواة، بيده قلم من قصب.
السيف والقرطاس والقلم، قالها المتنبي.
البندقية في يد الشيخ الخائن، رفعها قائلا:
نهي المنكر من الأمر بالمعروف.
أنا حاكمكم.
يجوز قتل العصاة، خاصة حين يكون العاصي امرأة، يجب رجمها، صلبها.
رفع سلاحه عاليا، سلاحه المذهب، جر الزناد، أطلق طلقات نارية في الهواء.
6
في تلك الليلة، كل نساء الأطلس، وراء الجدران، وراء القضبان، النساء محجبات، بعيدات عن الأنظار، إلا مريم اليغودية.
المستعبدات بقلعة الشيخ الخائن يسترقن السمع، تقام المؤامرة هذه الليلة، إسقاط حكم المرأة، طلع الشيخ الخائن اليوم، حتما يسقط غدا، هكذا نطقت إحداهن، فهمت اللعبة جيدا.
أطلق خمس طلقات نارية تباعا، استعدادا لاغتصاب حكم امرأة، تحت زغاريد المستعبدات، فرحا بسقوط حكم المرأة، استعدادا لاستعباد الرجال، اغتصاب النساء.
في سنوات الجفاف، تكون الصحراء جحيما، المواشي تتضور جوعا، الرحل يبحثون عن المراعي، يتنقلون بمواشيهم، يجتاحون جبال الأطلس، وديانها، مياهها المتلألئة، المرأة تسيطر على الوادي، جيشت الرجال، سلطتها في حاجة إلى مال.
مريم القائدة بقلعتها، جيشت الرجال، قطعت الطريق على السواحل، تم تأمين الوادي.
المرأة تملك السلطة، الأرض والمستعبدون، هكذا حال السلطة في ظل الإقطاع، حتى في ظل الرأسمال، السلطة والاستعباد.
انبعثت سلطة المرأة الأمازيغية من جديد، ليست ناقصة عقل، هي في عقل كامل، قوة جبارة، الحرية زادها، طاقتها، كلما ازدادت حرية المرأة، ازدادت قوتها.
خرجت من جحر عائلتها، الملاكون، حاملو علوم عصرهم، من الزاوية، كل صفات الشهامة مجتمعة في شخصيتها، لما سنحت لها الفرصة، اختلطت بالرجال، فهمتهم، رأت رجال عصرها بالزاوية، بالبلدة، حكمهم شيخ جبان، خائن، سيطر على عقولهم، فهمت لعبة السلطة، لعبة الرجال.
يغلقون الأبواب على النساء، حتى لا يفهمن معنى الحياة.
خرجت مريم الفولادية، كشفت لعبة الرجال، استطاعت أن تحكم.
الشيخ الجبان، أدرك خطورة الأمر، مركز السلطة تغير، قلعته أصبحت موقعا هامشيا.
في تلك الليل، ليلة الوليمة، ليلة البطنة، نشر "الكاغيط"، استنفر الجبناء، خاطبهم:
المرأة تحكمكم.
ذهب دينكم.
ذهبت رجولتكم.
لن يكون لنا وجود بعد اليوم.
الفقيه العلامة، عالم علوم عصره، أصدر فتوى، تجيز قتل المرأة الحاكمة، المرأة للبيت، الرجل للحكم، الرجال يحملون السلاح.
الشيخ الخائن غبي، قابع ببلدته، ينتظر غزو رحل الصحراء، السواحل، حتى يقاومهم، ويقول انتصر، يجمع المال من الفلاحين، سلطة المرأة فتحت أمامه مجال توسيع حكمه، يريد غزو قلعتها.
فكر الإقصاء، يسود في أوساط الرجال، يسيطر على عقولهم، يتعاملون مع المرأة بالإقصاء المطلق، يتنافسون فيما بينهم في تنفيذ الإقصاء، الرجولة فكر إقصائي، لما حكمت المرأة، استطاع الشيخ الخانن أن يفكر، فهم معنى التحالف ضد امرأة حاكمة، لم يفهم معنى التحالف مع المرأة ضد الأعداء.
امرأة صنعت مركز الحكم، القلعة اليغودية، سبقت عصرها، نظمت الرجال، استعبدتهم، يسهل استعباد الرجال، أدركت ذلك في الزاوية، الرجال ميالون إلى الخيانة، يهابون الحرية، حرية المرأة جحيم، يطالهم في أذهانهم، يطاردهم، كيف لا وامرأة تحكمهم اليوم.
المرأة نصف الأرض، كل الملوك همشوا النساء، خوفا منهن، احتكروا السلطة.
***
اغتال العرب المرأة الأمازيغية، تيهيا، الداهية كما سموها، يريدون استغلال الأرض، الخيرات الطبيعية، يكرهون حكمها، حيرهم، لما اكتشفوه، أخذوا يفسرون أسبابه، مسبباته، لم يفهموا شيئا واحدا، أنها قادرة على تحديهم، يريدون اختصار الطريق، إنه السحر، ساحرة تحكم، في البلاط يؤمنون بالسحر، دواوينهم، وزاراتهم، مليئة بالكواغيط المكتوبة، يعبدون الفقهاء، يمطرونهم مالا، حتى تستقيم أمور حكمهم، ما زالوا يحجون إلى سوس، من أجل لقاء الفقهاء المشعوذين، ينتظرون بركتهم.
***
في ليلة الوليمة بالقلعة، انفرد الشيخ الخائن بالفقيه، العلامة، عالم علوم عصره، الفقهاء يدعون معرفة شؤون الجن والشياطين، يعرفون طقوس استحضارهم، يؤمنون بقصص سيدي إفني، فقيه بحيرة إفني، في تلك الليلة، أمسك الشيخ الخائن يد الفقيه، يده اليسرى، يضع صرة نقود فضية في يده اليمنى، من فضة سيروا، سكها "الحزان موشي"، لها قيمة مالية في السوق، يتعامل بها التجار في أسواق سجلماسة، تلمسان، فاس، وادي السينغال.
قال الشيخ الخائن للفقيه:
أريد "حرزا"، يقيني من شر الساحرة مريم، الدعاء فقط لا يكفي.
كل حكام القبائل يزورون الفقهاء، كل الطغاة، عقولهم خرافية، في دول القبائل، السلطة والسحر لا يفترقان.
رد عليه الفقيه:
أحضره لك بعد صلاة الفجر.
أكتبه قبل الفجر.
قبل الفجر ترفع الشياطين أيديها عن الإنس.
أمسك الفقيه صرة النقود، يردد، صرة من سكة فضة الأطلس، جبل سيروا ؟
لم ينم الشيخ الخائن هذه الليلة، ينتظر طلوع الفجر.
7
الفلاحون يتراقبون الوضع، يصغون، ينتظرون، تفرق زوار الشيخ الخائن، الفقهاء، الطلبة، المقدمون، الجواسيس، انتشروا، في الجبال، في الوديان، في الدواوير، يحملون أخبار الوليمة، وليمة اللئام، ضد الوئام، ضد المرأة، المستعبدات في غفلة، جاهلات بقضية المرأة، المرأة الحاكمة، إلا واحدة فطنة، أدركت أن المؤامرة حصلت، أن الشيخ الخائن إن انتصر يسقط يوما، يصير مستعبد سيد قادم.
كما تدين تدان.
قضت المستعبدات ما تبقى من الليل، هن من أصول إفريقية، يجمعن الأواني، يغسلن، ينظفن الصحن، الكؤوس، قضين ليلة عذاب، المطبخ طيلة النهار، "أنوال"، الدخان متصاعد، المطابخ التقليدية، معامل، مداخنها بلا صناعة، الدخان لم ينقطع ذلك اليوم بسماء قلعة الشيخ الخائن، إعداد الخبز بالفرن التقليدي، "تفرانت"، لهب ودخان، المرأة، المستعبدة، العارفة بطبخ الخبز، جلست طول النهار، وجهها احترق، من كثر لهب النار المشتعلة.
في اليوم الأول، قبل الوليمة، كل المستعبدات، اتجهن صوب الغابة، الشواقير والحبال على ظهورهن، قطعن الحطب، جمعنه، حمولة العربات على ظهورهن، في الطريق إلى القلعة، متراصات، تبادلن الأشعار، ألحان شجية، كلمات حزينة، مدح من صلب المعاناة على لسان المستعبدات، المضطهدات:
سيدي الشيخ جمع الجمع
كل القبائل اليوم تحضر الوليمة
زلزل جبال الطلس
وديانها، هضابها، رجالها، نساؤها
المستعبدات ينحنين
نعم سيدي
الفرسان قادمون من كل الفجاج
الحركة اقتربت.
توقف موكب المستعبدات، بالباب الخلفي للقصبة، مدخل البهائم والمواشي، حطت الحمولة، حمولة الحطب، معها الزعتر، الشيح، إفسكان.
دخلن كعادتهن، تناولن الماء، روين عطشهن، يوم قاسي، مر عليهن، يوم حار، من أيام الصيف، جلسن، شممن الهواء، استرجعن قوتهن، ينتظرهن عمل شاق.
الرياح الشرقية، تهب عادة في هذا الموسم، حارة، طقس شبه صحراوي، بباب الصحراء، في اتجاه دول الساحل، حيث مناجم الذهب، هناك يدخل الرحل، السواحل، الصحراويون، أيام الجفاف، هناك تتجه الحركة، حركة الشيخ الخائن، اليوم تغير اتجاهها، إلى قلعة مريم اليغودية، لإسقاط حكمها.
نساء القلعة محجبات، في حصن حصين، بعيدات عن الشأن السياسي، يأكلن، يشربن، يلدن، لا يشتغلن، لا يخرجن، لا يتعبن، ما دامت هناك مستعبدات، من أصول إفريقية.
شغلهن الشاغل، تصفيف شعورهن، دهنه بالزيوت، أركًان، الزيتون، تجميل أجسادهن بالزعفران، اختيار ألبستهن الحريرية، القطنية، الحرير الصيني، القطن المصري، اختيار الحلي، الذهبية، الفضية، العطور الشرقية، السواك الهندي، الاستحمام كل صباح، لا يمسسهن سوء، للإنجاب فقط.
المستعبدات، كفيلات بالخدمات، لا يحتفلن بالأعياد، لباسهن صوفي، حليهن نحاسية، منازلهن من تراب، ينمن كالمواشي، حصير من دوم، غطاء من شعر الماعز.
8
لم يستسغ الشيخ الخائن وجود امرأة بين الرجال، الاختلاط ممنوع، حرام.
اليوم المرأة تقود الحركة، تبني سلطتها على منابع الوادي، تغيرت كل المفاهيم، في عقلية الرحل، فكر البدو، المرأة للإنجاب فقط.
قاوم السواحل، استقر أجداده هناك، بتلك القرية، بباب الصحراء، من أصول الصحراء، جلب رجالا مستعبدين، الطوارق، من أصول إفريقية، بنى قلعته، ملك الأرض، الأحصنة، المواشي، استعبد الفلاحين، المستعبدون والجواري، الاستغلال والجنس.
***
عند كل محصول زراعي، في أيام الصيف الحار، تقام ليالي أحواش، نساء القلعة، محجبات، لهن الحق في الفرجة، مشاهدة رقصة أحواش، خليط من المستعبدات، من أصول إفريقية وأمازيغية، فلاحات فقرات، في ليالي السمر.
الشيخ الخائن، يقف بسطح القلعة، يرفع سلاحه عاليا، يطلق طلقات نارية، متتالية، يشتد إيقاع أحواش، غناء الروايس، إعلانا لانتصار قريب.
عادة الشيوخ، حكام القبائل، أثناء حفلات أحواش، رقصات النساء، يجلسون بالأسطح، لما يشتد الإيقاع، ينزلون، يشاركون في الفرجة، يشدون البنادر، يضربون بلطف، يراقبون صف أحواش، قبل انتهاء الحفل، يختارون فتاة، تصبح جارية، هذه الليلة، ليلتها، يفضون بكرتها، تصبح من الجواري، يتم إطلاقها بالقلعة.
في مواسم جني الثمار، حب الملوك، الورد، كل ملكات الجمال، يلتحقن فورا بالقصر، يتم فض بكراتهن، من طرف سيد القصر، يعشن بالقصر، الطعام والجنس، تنقطع صلاتهن بأمهاتهن.
***
اجتمع الشيخ الخائن بمعاونيه، منفردين، تم إغلاق دار الضيافة، يخططون، مؤامرة، اغتيال حكم المرأة، يصب الشيخ الخائن غضبه، لعناته، على يغود زوج مريم:
كيف لهذا الزوج السماح لامرأة أن تحكم ؟
هذا الفعل خارج عن الدين.
بدعة، أقرها الفقهاء في فتاويهم.
القلعة هذه الليلة، تقيم صلوات الليل، تسبيحات، تكبيرات.
صاح الشيخ الخائن:
ماذا ننتظر ؟
قيام الساعة ؟
زلزلة الأرض تحت أقدامنا ؟ ونحن أحياء ؟
لا، لن يمر هذا الأمر.
هذا الأمر يستوجب منا الحزم.
الحسم في حكم المرأة.
صغى إليه معاونوه، تأملون كلماته، كلها احتقار للمرأة، اغتيال حرية المرأة، وجد الشيخ الخائن ضالته، طريقه إلى الحكم الجديد الذي اكتشفته المرأة.
قبل ذلك، كان حارسا للحدود فقط، يخاف من السواحل، الصحراويون الرحل، الذين يجتاحون المناطق الخضراء من جبال الأطلس، على مشارف سيروا، في أغلب مواسم الحصاد، كانت تقام المعارك، على حدود القبائل، في كل الاتجاهات.
بالقبيلة تذب الحركة، امتلاك الأرض، مشاعة الأرض، الإقطاع، حكم الشيوخ، الأرستقراطية القبلية، التسلح، انتشار السلاح، نشاط إمزلن، إسكاكن، كل الحرف تنشط، كلها تستغل من طرف الشيوخ، فقط إسكاكن، اليهود، يتم احترامهم، حرفهم عالية الجودة، ذهب، فضة، نحاس، أواني وأسلحة.
الفلاحون الفقراء، يتم استعبادهم، المحظوظ منهم يحمل السلاح، يحمي الشيخ، يكون له شأن بين العسكر، جزء من السلطة على المقهورين، الخدام، المستعبدون، يحومون حول القلعة.
في خريف هذه السنة، سنة مشؤومة، مع حلول موسم جني الزعفران، تسقط حرية المرأة، تحركت الحركة، كل الشيوخ يتآمرون عليها، كل شيوخ القبائل، إلا الشيخ محند، ينتظر ما سيؤول إليه الأمر.
الشيخ الخائن يسيطر على القلعة، طرد المرأة، مريم اليغودية، يحكم، يعلن سلطته الجديدة، شيخ واحد فقط خارج عن حكمه.