كيف تصير النصوص أصناماً؟

أشرف حسن منصور
2017 / 11 / 20

كيف تصير النصوص أصناماً؟
نجح الإسلام في تحطيم الأصنام، لكن صنع المسلمون لأنفسهم أصناماً جديدة، وهم غير واعين بأنها أصنام من الأصل، ولذلك لن يستطيعوا تحطيمها، فصنميتها غائبة عن إدراكهم. هذه الأصنام الجديدة هي نصوص بشرية، كتبها بشر، ثم قدسوها، وهي ليست كذلك. وتقديس ما هو بشري هو تحويله لصنم.
ليس شرطاً في الأصنام أن تكون أشياء مادية أو تماثيل، بل يمكن أن تكون كلمات وعبارات وجُمَل يتم تبجيلها والاستسلام لها، وبذلك تكتسب سلطة طاغية على عقليات الناس وحياتهم. من السهل للغاية تحطيم الصنم المادي، لكن الصنم المعنوي، الصنم اللفظي المكون من كلمات، من الصعب للغاية تحطيمه، لأنه ينتشر في الهواء، وتتناقله الألسنة. تتحول نصوص رجال الدين، القدامى والمحدثين، إلى أصنام، وتعتم على فهم الناس لحقيقة دينهم، وتشكل حاجزاً بينهم وبين هذا الفهم، وهم يعتقدون أنهم لن يفهموا دينهم إلا من خلال رجال الدين، في حين أن هؤلاء الرجال ليسوا من الدين، بل هم صانعوا الأصنام الجديدة.
إن الصنم المادي هو رمز لشيء، وهو وسيط بيننا وبين هذا الشيء، هو دال Signifier يشير إلى مدلول Signified. والصنمية Fetishism هي اتخاذ الرمز أو الوسيط أو الدال بديلاً عن الشيء الحقيقي أو المدلول. فيتم إلغاء الأصل والتمسك بصورته الرمزية أو انعكاسه الدلالي. وهذا ما يفعله المسلمون في نصوصهم البشرية التي يعتبرونها مقدسة. وهنا يتحول التقديس إلى تصنيم.
حلل ماركس حالة الاغتراب في المجتمع الرأسمالي على أنها حالة من صنمية السلع Fetishism of Commodities، حيث تتحول السلع إلى غاية في ذاتها، وحيث يتعامل الناس مع بعضهم عن طريق السلع، وحيث يضفي الناس معنى على حياتهم عن طريق السلع، وحيث تتحول العلاقات الاجتماعية بين الناس إلى علاقات اقتصادية بين سلع. أما المجتمع الإسلامي فإن اغترابه يتمثل في صنمية النصوص، إنه مجتمع نصوصي، يتحول النص فيه إلى صنم.
ويتحول النص إلى صنم عندما يتخذه البشر وسيطاً بينهم وبين حياتهم الفعلية، وعندما لا يستطيعون فهم واقعهم ولا التعامل معه ولا مع بعضهم البعض إلا من خلال النصوص. عندئذ يصير التعامل بالنصوص بديلاً عن التعامل مع الواقع، وتصير النصوص حاجزاً بينهم وبين الواقع، وتتحول إلى أصنام. إنهم لا يتمكنون من أداء أي شيء ولا يستطيعون الإقدام على أي شيء إلا من خلال النصوص، ولا يستطيعون التفكير إلا بالنصوص، وتنظم النصوص تفاصيل حياتهم اليومية، حتى أنها صارت تراقبهم، وتحولت إلى مقياس أفعالهم؛ صارت النصوص حية وهم أموات، وعاشت النصوص عليهم. لم تعد لديهم إرادة حرة، فالإرادة هي إرادة النصوص، وما هم سوى انعكاسات باهتة لهذه النصوص، صاروا هوامش لهذه النصوص، قابلة للحذف في أي لحظة.
كما صارت النصوص وسيلة للقتل. الخلاف حول النصوص أصبح نقطة صراع، وصار المسلمون يقتلون بالنصوص، ويقتلون دفاعاً عن نصوص. وعندما تصير النصوص وسيلة وهدفاً للقتل، تصبح خطورة صنميتها أشد بكثير من الأصنام القديمة. إنها صارت قادرة على نزع الحياة من الإنسان، وعلى سلبه لحريته، وإخضاعه واستعباده، بطريقة لم يسبق لنا أن عرفناها مع الأصنام القديمة.