من أجل حياة إنسانية خالية من ذل العبودية

زهير الخويلدي
2017 / 11 / 19


" العدالة، بوصفها توزيع حصص للثروة الوطنية بين المواطنين وردع كل ظلم يلحق بفرد من افراد المجتمع، تشكل الأساس الصلب للدولة والأمن الاجتماعي"
بول ريكور – الحب والعدالة
من مفارقات هذا الزمن أن الإنسان صارت حرية مصادرة وكرامته مهانة وطبيعته مصنعة وعقله مبرمج وجسده معروض للبيع ومتاح للفرجة وروحه ممزقة ووعيه شقي وعقله مبرمج ووجهه مغطى بالأقنعة.
على الرغم من الغاء الشرائع العبودية وعلى الرغم من السبق الذي أحرزته بعض الأنظمة العربية في تحريم الرق وخاصة تونس على يد المصلح أحمد باي منذ 6 سبتمبر 1841 الذي جرم بيع وشراء الناس وتبعته في ذلك بعض الأنظمة الغربية التي عرفت ثورات سياسية واقتصادية واجتماعية وخاصة فرنسا وأمريكا وبريطانيا إلا أن البعض من الماضويين حاولوا الرجوع بالإنسانية إلى القرون الوسطى وسمحوا في ظل غياب سلطة الدولة إعادة إنتاج هذه العادة الهمجية التي يتم فيها معاملة البشر مثل الدواب والمواد.
من جهة ثانية يعاني الانسان في مجتمع المصنع وحضارة المشهد وثقافة الصورة من طغيان العقلانية الأداتية وسيطرة وسائل المراقبة وتطور أدوات الضبط والمعاقبة والتي أدت إلى إنتاج عبودية جديدة وبلورة برنامج استغلال طويل المدى للأفراد والمجموعات عن طريق التحكم في ظروف الإنتاج ضمن تسلسل فريدماني العمل وتوجيه سبرنيطيقي للحاجات وبرمجة آلية للغرائز وترويض بافلوفي للرغبات.
لقد ظهرت فئات هشة جديدة الى جانب الطبقة الكادحة وشملت الأطفال والنساء والمفروزين والمرضى والمتقاعدين والمهمشين وانقسم الواقع الاجتماعي الى فئات نافعة للانتاج وفئات غير نافعة ويمكن توظيفها وظهر للعيان الانسان ذو البعد الواحد ضمن المجتمع ذي البعد الواحد وصار الفرد البرجوازي الذي يقيم في المركز الحضاري المتقدم هو الذي يحدد حال ومصير الناس في التخوم الريفية و الأطراف الفوضوية.
عودة نظام العبودية الى الواجهة التاريخية مرفوض بشدة ومدان من الناحية القانونية وغير لائق من جهة التحضر والأخلاق وغير مقبول في الأوساط الحقوقية التي تناضل من أجل الاعتراف الكامل بالمساوة التامة بين الأعراق والأجناس والثقافات وتدافع على حقوق أساسية مقدسة وحقوق طبيعية غير منقوصة.
بيد أن ايقاف هذه المهازل لا يكون بتجاهل بعض الخروقات والتغاضي عن جملة من الممارسات المشينة خدمة لبعض الأغراض وتحقيق لبعض المصالح التي تلتقي مع برامج معولمة ومشاريع امبريالية مخفية وإنما يكون بتبني سياسة مقاومة لكل أشكال الظلم والتعسف والعنف والازدراء التي يمكن أن تتعرض لها الفئات الهشة في مختلف المجتمعات وايلاء عناية خاصة بالأفراد والمجموعات التي تعيش بلدانه نزاعا وتعرف انتقالا وتشهد وضعية صعبة في تأمين الشغل والغذاء والدواء والتي يسهل فيها بيع كل شيء. فهل يعقل أن يظل الناس في القرن الواحد والعشرين بلا هوية وبلا مواطنة ويتم سبي النساء وبيع الأطفال والمتجارة بالرقيق الأبيض وتسفير الشباب للقتال وتحتكر الكفاءات وتعيش فئات كبيرة مشردة ولاجئة؟
كاتب فلسفي