كيف اِنهارَت كعكة العائلة؟ -9-

علي دريوسي
2017 / 11 / 17

المقطع التاسع
*****
ملاحظة: لا يَتبنَّى مُؤلف هذه الحوارية المُتْعِبة الآراء المنقولة عن شخوصها.
*****
سناء: النظام الفِدراليّ المركزي هو أحد الطرق الصحيحة للتعددية الديمقراطية والديمقراطية متعددة الثقافات، التي يصونها الدستور بصفته السلطة العليا التي تستقي منها الدولة سلطاتها. القضاء المستقل هو أساسية من أساسياته وضرورة لا غنى عنها لإبطال أي قانون لايتماشى مع الدستور. هكذا أتصور سوريا المستقبل بالمعنى السياسي، لأننا نستحق أشكالاً سياسية جديدة تختلف كلياً عما هو قائم. ثم أليس هذا ما صرّح به نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف منذ أيام، إذن على الجميع الالتزام بخطط الروس.
سلمى: يعني أنك مع التقسيم يا سناء!
سناء: الخلط بين التقسيم والفيدرالية هو أمر خاطئ. الفدرالية كنظام هو استقلال جزئي بالمعنى المادي والإداري، لكن ليس بالمعنى السياسي لا الداخلي ولا الخارجي.
سلمى: وما هو الاستقلال الإداري؟
سناء: مثلاً هو استبدال المحافظ المُعيّن بمحافظ مُنتخب يرأس وزارة مُصغرة مُنتخبة أيضاً. الدستور مركزي وكذا قوانين الأحوال الشخصية مركزية مع بعض الخصوصية.
سلمى: وما هو الاستقلال المالي؟
سناء: مثلاً هو أنَّ واردات المحافظة تُخصّص بالدرجة الأولى للصرفيات في الولاية نفسها، على سبيل المثال تخضع ضريبة النظافة لقوانين الولاية وجبايتها لصالح خزينة الولاية أما ضرائب الأرباح فهي تتبع للقوانين المركزية.
سلمى: رغم أني لم أفهم ما تقولينه جيداً، ومع هذا أطرح سؤالاً آخر، أليست المساحة الصغيرة وعدد السكان القليل عائقاً في وجه هذا النظام الإمبريالي؟
سناء: لا علاقة للمساحة الجغرافية ولا لعدد السكان بالفكرة المطروحة؟ على سبيل المثال: تبلغ مساحة النمسا أقل من نصف مساحة سوريا، وعدد سكانها أقل من نصف عدد سكان سوريا، ومع هذا لديها بناءاً سياسياً لمفهوم الدولة يشابه ما نتكلم عنه.

ماهر: ألمانيا هي مثال آخر عن الفدرالية الناجحة، مساحتها ضعف مساحة سوريا، عدد سكانها قرابة الأربعة أضعاف سكان سوريا، وفيها ست عشرة ولاية، وللعلم هناك ولايات مساحتها أقل من مساحة دمشق وعدد سكانها أقل بمرات من عدد سكان دمشق، مثل ولاية هامبورغ والتي تضم مدينة هامبورغ وبعض القرى التابعة، هناك ولاية اسمها بريمن مساحتها أقل من مساحة طرطوس وقراها وعدد سكانها يساوي تقريباً نصف عدد سكان محافظة طرطوس.
الأب بلهجة رثاءٍ: ما هذه المقارنات الخفيفة يا جماعة، أنتم كمن يُقارن التفاح مع الإجاص.
إبراهيم: الفيدرالية فرصة سياسية وخيار نموذجي لتجنب التفكك، شريطة أن تُبنى على رؤى وطنية جامعة، أما إذا بُنيت على مبدأ تقاسم السلطة كما في العراق فهي فكرة فاشلة.
سلمى: لن ينقذ سوريا إلّا الوقوف معاً إلى جانب الدكتور صمام أماننا ويداً واحدة ضد الإرهاب.
سناء: أظنك تقصدين ضد الدكتاتورية والتجمع في الساحات والشوارع للمطالبة بوقف الفساد وهدر الدماء والأرواح.
الأب: في كل الحالات يجب بناء دولة دكتاتورية ناعمة، دولة علمانية قوية بما يكفي كي تحترم وتحمي حق الاعتقاد الديني إلا أنَّها يجب أن ترفض مراعاة هذا الاعتقاد فيما يتعلق بالدوائر الحكومية واستلام الحقائب والوظائف والتدخل السافر في الحياة المدنية والعائلية والحياة التربوية والتعليمية في المدارس.
ماهر: والله يا عمي كلامك جواهر، نحن متفقون بنقاط كثيرة كما تلاحظ، لكنني لا أفهم لماذا تعتقد بأننا دائماً على نقيض. أنا يساريّ كونيّ غير مُتطرِّف، عِلمانيّ حتى العظم، أحترم التَّصَوُّف والرُّومانِسِيَّة الدينيَّة، كلني ضد الإرهاب والاِستبداد بكل تجلِّياتهما وأدافع عن ثَّوْرتنا البَيْضاء!
سناء: يجب على الثورة أن تموت واقفةً.
بيلسان: بيضاء وواقفة، يا سلام سلّم!
ماهر: ويجب على الثوري أن يموت مثل شجرة زيتون واقفاً وشامخاً، بينما يشاهده جمهوره بدهشةٍ وإعجاب، يتعلم منه في كل إشارة وكل كلمة شيئاً ثميناً، ويصفق له حين انتهاء العرض حتى التعب.
الأب وابتسامة صافية باشة لا تفارق مُحَيّاه: برافو يا صهر المستقبل، كل أطروحاتك وشعاراتك ممتعة، لكن دعونا من هذه المواضيع الآن، ولنبدأ طعامنا، يالله بالصحة والعافية.
الأم: ولنغير موضوع السياسة من فضلكم، صار رأسي مثل الطبل. تتكلمون عن كل شيء وكأنَّكم خبراء في كل شيء!
*****

الأب: سناء وماهر أخبراني، متى تخططان للزواج ؟
ماهر: لا أستطيع أن أتخيل أن يصير الإنسان رب أسرة قبل سن الثلاثين، أو أستاذاً جامعياً أو مديراً للثانوية قبل سن الأربعين، أو إذا أردت، رئيساً لبلد ما ولم يتجاوز من العمر الخمس وأربعين عاماً بعد.
سلمى: ما الذي تقوله يا دكتور، ها هو المثال الحي والناجح أمام عينيك، ألا ترى هذه الأسرة الجميلة؟
الأب: تزوجت وأنا في الثالثة والعشرين.
بيلسان ساخرة: وأنا لا أتخيل أن أعالج أسناني عند طبيب لم يدخل في عقده الرابع بعد.

الأب: الأعمال العظيمة لا تحتاج إلا الذكاء والشجاعة والقليل من الحظ، ولا يصح بأي حال من الأحوال أن تقتصر على فئة عمرية معينة أو أن تحجب عن غيرها، ألم يصبح مارك تسوكيربيرغ مليارديراً في عمر الثالثة والعشرين؟ ألم يطلق موقعه للتواصل الاجتماعي بعمر التاسعة عشر؟ وها هو يملك اليوم حوالي ثلث شركة فيسبوك وتقدر ثروته بما يفوق ثلاثين مليار دولار أمريكي وهو بعمر الثلاثين.
ماهر: تسوكيربيرغ وأمثاله ينتمون لفئة الاستثناءات النادرة الوقوع.
الأب: لكن لو لم يسمح له القانون بتأسيس شركة ولم يعطه (وهو الطالب البسيط حينئذ) حقوقاً متساوية مع أي مليونير سبعيني، ولو نظر إليه المجتمع الأمريكي بطريقة فوقية لكونه صغير السن، لما وصل إلى ما وصل إليه، وهناك الآلاف غيره وإن لم نسمع بهم إعلامياً، وربما هناك الملايين ممن حققوا أحلامهم الشخصية المتواضعة لعدم وجود العائق العمري أو غيره، قلة الحالات ليست مبررا لوضع الأسس الكفيلة بإلغائها نهائياً.
ماهر: لا أحاول إلغاء الحالات القليلة، ولا أنظر للأشياء والأشخاص بفوقية بل باحترام وحب، وأحترم فقط الحالات الحقيقية، لكني لا أحترم المزيفين المرضى والمتطفلين والأنانيين والوصوليين والمصنّعين في مخابر السياسة أو العائلات، الإنسان العادي مثلي ومثل الأغلبية الساحقة يحتاج للعمر الزمني كي ينضج وتهدئ دواخله، وتتوقف مزاريب الفوضى لديه، ثم أنّني وددت فقط أن أمازحكم وها أنتم تأخذون الموضوع بشكل جدي.
الأب: لم تجيباني على سؤالي بعد.
سناء: بابا، قرّر ماهر الهجرة إلى ألمانيا، سيتقدّم من هناك بطلبٍ للم الشمل ونتزوج.
سلمى: كم هو الأمر فقير عندما يسمي الثورجي الهارب نفسه بالمهاجر.
قال الأب باستهجانٍ وكأنَّه قيصر على مسرح: وأنت أيضاً يا ولدي!
فأجابه ماهر بدعابةٍ كمن فهم الحالة: إني أُحب سوريا يا أبتي لكني أحب ألمانيا أكثر.
أبو صلاح: إذاً فلتحيا ألمانيا وليمت قيصر.
سلمى: الهروب آفتُه ألمانيا.
الأب: وهل ستتخلّى عن جنسيتك كما تَخَلَّى بعض الثوار الهاربين عن جنسياتهم السورية بعد اندلاع فوضى الحراك الشعبي في بداية عام 2011...
سناء: القانون الأوروبي لا يسمح بالتنازل الطوعي ولا القسري عن الجنسية السورية. إنَّه زمن العهر السياسي، زمن الخوف منهم، زمن السقوط والجنون. لن نرضى أن نكون جزءً من السمك الأعمى الذي يفترس بعضه البعض في بحيرة جف ماءها.
الأب: من الخطأ أنْ نجتهد في تبرير موجات الهروب الجماعية المُبَرْمَجة مسبقاً مُستغلة بذلك الظروف الموضوعية والذاتية لما يحدث في البلد بغية الوصول إلى بلدانٍ مُحدّدة سلفاً مثل ألمانيا وفرنسا والسويد وأمريكا وشبيهاتها.
ماهر: خسارة مباراة في بطولة لا تعني هزيمة رياضية، سنعود حتماً عندما تهدأ الفوضى وسنبني البلد، هذا وعد.

غمغم الأب: ولم نلتق ذاك المساء! وعلّنا لا نلتقي هذا المساء.
سناء: ما الذي تتمتم به بابا؟
الأب: لا شيء يستحق الذكر، لعلني تكلمت مع نفسي من هول مفاجأة الخبر!
ماهر: وأين هو عنصر المفاجأة في الحكاية يا سيادة العميد؟ ألست من المؤيدين لسفر ابنك إبراهيم؟ رغم أنَّك من قال في في الأمس أنَّ الوطن خط أحمر، والتضحية واجب علينا. وها أنت اليوم تقول بطريقة غير مباشرة: ولدي إبراهيم خط أحمر عريض، والتضحية واجب عليكم أين العدالة والوطنية في ذلك؟ الرجل الحقيقي هو ذاك الذي يكون قدوة للآخرين في المعارك (الوطنية)، هو الذي يرسل أولاده وأقربائه للحرب التي يؤمن بها!
رمى أبو صلاح الملعقة من يده بحركةٍ عصبية جَفلَ ماهر على أثرها كما يَجْفُلُ البعِيرُ أمام النَّهر، نهض، أشعل سيجارة ووقف أمام النافذة المفتوحة في الطابق الخامس والمطلة على سوق المدينة. ثم توجّه برأسه العسكري إلى المائدة، حدّق إلى رأس ماهر الأجلح وقال بعد أن صمت الجميع: الشيء الوحيد الذي لا يعجبني في الحياة هو أن يحاول شخص مثلك وبعمرك اِنتقادي بشكلٍ شخصيّ ومباشر، أنت لا تملك الحق بانتقادي بينما تجلس على مائدتي، هل فهمت؟
هبَّ ماهر واقفاً تجنّباً للمزيد من المعاتبة، شكر أم صلاح على الطعام وقال: سأذهب للعمل، سأعود للاحتفال معكم في المساء، عيد ميلاد إبراهيم له معزة في قلبي، إبراهيم صديقي وأخي الأصغر.
*****
يتبع في المقطع العاشر