الإمام الحسني البغدادي.. مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن التاريخ والسياسةح 4

عبد الحسين شعبان
2017 / 11 / 16

رجل دين يتحسس آلام الشيوعيين وعذاباتهم ويتدخل لإطلاق المعتقلين منهم

وأضيف إلى ذلك إن المنافسة الشديدة بين “المراجع″، وغير المبدئية أحياناً خصوصاً حتى تشمل حواشيهم، تضطر بعضهم إلى عدم الخوض في مسائل الإصلاح أو التجديد أو التغيير، فذلك أسلم لهم في نظر “العامة” والعادات والتقاليد السائدة، في حين أن تبنّي نهجاً آخر قد يجعل المرجع عرضة للنقد من “المراجع” الأخرى، وهو ما يحاول كل طرف استغلاله ضد الآخر.
وإذا كان الحسني البغدادي قد رفض إصدار فتوى في العــام 1960 إلّا أنه عاد وأصدر “فتوى” أو كتب “رأياً”، بخصوص الشيوعية، مع أنني أفرّق بين “الإفتاء” و”الرأي” وإن كان الإفتاء رأياً أيضاً، لكن وظيفة الإفتاء تعبوية تحريضية أحياناً ومباشرة، القصد منها مخالفة أو اعتراض أو تأييد لموقف معين راهن في الغالب، في حين أن الرأي يصدر عن مناقشة لفكرة أو أطروحة، وقد تصدر في كتاب أو مقالة أو تعليق أو حاشية أو ما شابه ذلك، وأعتقد أن وظيفته تختلف عن الفتوى وإن كان القصد واحداً، أي إعلان موقف، لكن الوسيلة تختلف بطبيعة الحال، خصوصاً إذا كان القصد منها مباشراً وتحريضياً.
فالسيد محمد باقر الصدر عارض الشيوعية وحاول تفنيد أسسها ومبادئها وقدّم بديلاً نظرياً لها مؤسس وفقاً لقناعته كما جاء في كتاب “فلسفتنا” (انظر: محمد باقر الصدر- فلسفتنا، ط3 دار الكتاب الإسلامي، 2004) الذي سبق موجة الفتاوى، لكنه لم يقل أحد أنه أصدر فتوى تحريمية أو تجريمية أو تأثيمية، مع إنه حاول تقديم بديل نظري عنها وعن الرأسمالية أيضاً، وذلك محطّ نقاش وجدل بين الفلسفتين المادية والمثالية منذ الأزل وحتى نهاية التاريخ إن كان له نهاية.
وبتقديري إن ما كتبه الحسني البغدادي، سواء “فتوى” أم “رأي”، فإنه جاء من حيث الخلفية الفكرية بالاتجاه والمضمون ذاته، وبدلاً من العام 1960 فقد صدر في العام 1964 علماً بأنه كان يتحسّس آلام الشيوعيين وعذاباتهم، لاسيّما بعد أن تعرّضوا لحملة تنكيل شديدة، خصوصاً بعد العام 1963 على يد “الحرس القومي”، وكان هو قد تدخّل لإطلاق سراح بعضهم ومنهم ابن شقيقه السيد مهدي والمقصود “صادق الحسني”، كما مرّ ذكره، بل ويعد بعضهم “ضحايا”، كما يستدلّ على ذلك في تفسيرات قام بها عادل رؤوف لفتواه وسنأتي على ذكرها في مكان آخر .
وقد علمت في حينه، وبعد إطلاق سراحي وعملي في التنظيم الشيوعي “الجديد”، وإصدار أمر إلقاء القبض بحقي بعد حركة العريف حسن السريع، أنه كان قد تدخّل لإطلاق سراح بعض الشيوعيين الذين اشتركوا في ” انتفاضة معسكر الرشيد” في 3 تموز (يوليو) 1963? وكان الحكم قد صدر بالإعدام على الوجبة الأولى رمياً بالرصاص في 13 تموز (يوليو)، أي بعد 10 أيام على قيامها، كما توالت أحكام الإعدام والعقوبات القاسية بحق المشاركين فيها. وقد أوردت في سردية بخصوص الحركة تفاصيل عديدة بشأنها، كنت قد دوّنتها، في وقت سابق، وجاء على ذكرها لاحقاً د. علي كريم في كتابه “العراق، البيريّة المسلّحة حركة حسن سريع وقطار الموت 1963 ” الفرات للنشر والتوزيع ،العراق، 2002 ويمكن العودة إلى مقالتي المذكورة والموسومة “من دفتر الذكريات- على هامش حركة حسن السريع” والمنشورة في صحيفة الناس العراقية على حلقتين 15/8/2012 و25/8/2012 .
الدين روح عالم بلا روح
ماركس


الماركسية والدين
والسؤال الذي كان مطروحاً: لماذا استُهدف الشيوعيون بالذات وتم استثناء غيرهم؟ وقد يكون الجواب عند الحسني البغدادي وغيره ممن أصدروا الفتاوى، أن الأمر يعود إلى عقيدتهم “الإلحادية” المنافية للتعاليم الدينية، وهو أمر بحاجة إلى نقاش طويل، وقد حاولت في فقرة خاصة ومطوّلة في كتابي “الحبر الأسود والحبر الأحمر- من ماركس إلى الماركسية” الصادر عن مركز حمورابي، بغداد، 2013 وقبله كتابي ” تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف” الصادر عن الدار العربية للعلوم، بيروت ، 2009 تسليط الضوء على الموقف من الدين، من خلال الدين والتمركس، وفهم عبارة ماركس “الدين أفيون الشعوب” فمتى قيلت وما القصد منها؟ وكيف وظّفت من جانب أعداء الماركسية على نحو إغراضي مقصود لتشويه سمعتها؟ ومن جانب آخر كيف استخدمت بصورة مشوهة من بعض أنصارها على نحو خاطئ واستفزازي وطفولي؟
وجدير بالذكر الإشارة هنا إلى أنّ ماركس ليس أول من استخدم عبارة ” الدين أفيون الشعوب” فقد سبقه إلى ذلك الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط، حيث وردت هذه العبارة في كتابه “الدين في حدود الفعل البسيط”، وعنه أخذها ماركس والتصقت باسمه وبالشيوعيين من بعده، حيث كانت تتردد وبمناسبة وبغيرها من دون أدنى علاقة أحياناً بالموضوع، سوى اجترار لشعار أو مقولة نقلها ماركس لحالة محددة ولظرف مجدد، ليس صحيحاً تعميمه إلّا لقصدية أو جهل، وكلاهما لا علاقة له بالواقع والحقيقة.
ويحتاج الأمر إلى قراءة نقدية، لما قصده ماركس وظروف مجتمعه وجذور الكنيسة والأفيون في (القرن التاسع عشر) الذي كان علاجاً طبياً وقانونياً مستخدماً وتتعامل به المستشفيات والمراكز الصحية، لا باعتباره مخدّراً ساماً أو مدمّراً لجسم الإنسان وصحته، وإنما هو مسكّن مؤقت من الآلام والأوجاع، ولم يكن النظر إليه كفعل مخالف للقانون كما هو في الوقت الحاضر، بل كان أمراً مرخصاً به ومفيداً.
وحين تحدّث ماركس عن الدين تناول العلاقات الملموسة بين بروسيا والكنيسة البروتستانية ذاتها في القرنين السابع عشر والثامن عشر، آخذاً بالحسبان ما كان يقوم به الرهبان من تطمينات عند رؤوس الموتى، ذلك إن الخوف من الموت يعطي نوعاً من “المقبولية” على بعض تصرفاتهم التطمينية، وليس الألم الأخلاقي أو وخز الضمير كما فسّره ماركس في كتابه “نقد فلسفة الحق لدى هيغل”، وليس الدين وحده يمكن أن يكون أفيوناً، بل إن الفن والأدب والسياسة يمكن أن تكون أفيوناً أيضاً، وهو ما عبّر عنه فيديل كاسترو في حوا رعميق مع رجل الدين المسيحي ” فراي بيتو” لمجلة أنفيو ANVIO.
لقد تحدّث ماركس وانجلز وبعدهما لينين عن فعل ملموس فيما يتعلّق بالدين كعنصر يمكن أن يسهم في دعم الإيمان والتديّن أو اللّاتديّن ، وعلى الماركسي، لاسيّما من يبحث في سسيولوجيا الدين والتديّن دراسة الواقع واستنباط الأحكام والقواعد التي يمكنها الإسهام في عملية التغيير، بتعزيز ما هو إيجابي فيه وتوظيفها للهدف الأساسي، سواء كان ديناً أو غيره، وتشخيص الجوانب السلبية التي تعيق عملية التغيير، بهدف مواجهتها ومعرفة تأثيراتها الكابحة لمسار التطوّر الاجتماعي.
الدين زفرة المقهور
ماركس
ليس شيوعياً من يعادي الدين
وللأسف فقد انجرف بعض الشيوعيين ممن تعوزهم المعرفة والثقافة، بما فيها الماركسية لتبنّي مقولة ماركس ” الدين أفيون الشعوب” والتغنّي بها على نحو ساذج وسطحي وأعمى، لاسيّما المجاهرة باستخدامها بمناسبة وغير مناسبة، لدرجة استفزاز الآخرين، وخصوصاً من المتديّنين، لإظهار معارضة الماركسية للدين، مثلما حاول أعداؤها تحميلها ما لا تحمله، بل زادوا عليها تضخيماً من خلال تفسيرات وتأويلات ما أنزل الله بها من سلطان، مستغلين بعض “الإجراءات” التعسّفية التي قامت بها ثورة اكتوبر الروسية العام 1917 للتضييق على “حرية العقيدة” و”حق ممارسة الشعائر والطقوس الدينية”، انطلاقاً من فهم خاطئ لتعميم النظرة المادية الديالكتيكية والتاريخية، وهو ما جرى تخفيفه لاحقاً، ولاسيما بعد الحرب العالمية الثانية، وفي الستينات والسبعينات وما بعدهما على وجه الخصوص.
أستطيع القول أنّ الدين ظاهرة اجتماعية، وليس من مسؤولية الماركسيين الوقوف معها أو ضدها، بقدر ما ينبغي دراستها وتحليلها على نحو معمّق وموضوعي، للإفادة منها بما يخدم نضالهم السياسي والاجتماعي، وبما يقرّبهم من تحقيق أهدافهم وينسجم مع قيم العدالة والحق، تلك التي تدعو لها الأديان أيضاً، وإن اختلفت الطريق إليها.
كما يمكنني القول أيضاً دون خوف من الوقوع في خطأ التعميم: إن من يعادي الدين ليس شيوعياً، وليس ماركسياً، وليس ثورياً، لأن لبّ الماركسية بعد منهجها يرتبط بفكرة إنهاء استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وليس التفتيش في أدمغة البشر عن الإيمان والضمير والعلاقة بالسماء. وكل أمر يساهم في الوصول إلى سعادة الإنسان ينبغي توظيفه في تعزيز قيم الحرية والمساواة والعدل والجمال وإنهاء استغلال الإنسان للإنسان.
وإذا كنّا نقول ذلك من موقعنا كماديين جدليين، فإننا نقصد في الحياة المعيشة ، كما نريد ونحلم ونناضل بأشكال مختلفة. أما المتدينون فهم يريدون ويتمنّون ذلك في ” الحياة الآخرة”، أي أن كل منهما يسعى للوصول إلى مرفأ السعادة حسب طريقته ورؤيته للكون والحياة والطبيعة والمستقبل. ولهذه الأسباب وعلى الرغم من التعارض بين المادية والمثالية كفلسفتين متناقضتين، إلّا أنه يمكن الاتفاق والإئتلاف على صعيد السياسة فيما راهن ومنظور من الأهداف الآنية والمطالب الإنسانية، بين الماركسيين والمتديّنين، بالرغم من اختلاف المنطلقات الفلسفية والفكرية، لاسيّما بتأجيل ما هو خلافي للمستقبل، دون أن يعني تجميد الصراع الفكري بين المنهجين اللّذين حكما حركة التاريخ، منذ أن بدا وربّما إلى أن ينتهي، إذا كانت له نهاية!!!
إن أية جماعة تدّعي الثورية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بشكل خاص والعالمثالثية بشكل عام، لا يمكنها تجاهل الظاهرة الدينية، لأن هذه الأخيرة هي ظاهرة مجتمعية، وإلّا فإنها هي ذاتها، سوف تتوقّف من أن تكون ثورية، لأنّ واجبها يقتضي دراسة الظاهرة وتحليلها وليس إنكارها. وإذا ما فعلت ذلك ستكفّ أن تكون ثورية، خصوصاً وأنها لم يكن بمقدورها القيام بعملية التغيير الاجتماعي الحقيقي للمجتمع.
وأعتقد أنّ أمريكا اللاتينية وحركتها الثورية سبقتنا إلى ذلك، حيث وظّفت لاهوت التحرير المسيحي لصالحها، خصوصاً وإن التديّن الشعبي هو أحد معطيات الواقع الاجتماعي الذي ينبغي أخذه بنظر الاعتبار، ومن يريد أن يكون ” طليعة” عليه أن يعمل على كسب هذا السند الشعبي، وبالتالي عليه احترام الأديان واتخاذ موقف إيجابي منها، خصوصاً من خلال القيم المشتركة إذا ما أراد أن التغيير الحقيقي.
ووفقاً لذلك لا بدّ من التوقف عند الماركسية في جوهرها وليس عند بعض الإجراءات والتصرّفات القاصرة لفهم مسألة الإيمان الديني، في النظرية والممارسة، لاسيّما الأخطاء التي وقعنا فيها ، سواء عن جهل أو عن سابق إصرار، أو جزء من التصدي للمعارضة في هذا الوسط بعد أن هيمن الشيوعيون والماركسيون على السلطة في بعض البلدان.
وبالعودة إلى ماركس فالدين هو ” روح عالم بلا روح” وهو ” زفرة المقهور” أو “المعذّب” وذلك ارتباطاً في وظيفة الدين وحاجة البشر إليه على مرّ العصور، لاسيّما وهو قد رسم حياة الناس منذ الأزل وقد يبقى إلى ما لا نهاية حسب تقديري، خصوصاً وأن ثمة أسئلة تبقى غامضة ومبهمة ولا يستطيع الإنسان مهما بلغ من تقدم في مجال العلم الإجابة عليها، تلك التي تتعلق بالحياة والموت وأسرار الطبيعة والمستقبل وغير ذلك.
الماركسية نظرية لفهم الواقع، ومن ثم لتغييره، لكنّها لا تتطابق مع هذا الواقع الجديد، بل ستسعى هي ذاتها لعدم ثباته أو جعله ساكناً، لأن ذلك يتعارض مع قانون الحركة، وهو الأمر الذي يحتاج إلى فهم التناقضات في الظاهرة الدينية ذاتها من خلال تحليلها ودراستها لاختيار السبل المناسبة للتعامل معها، باتجاه تغيير المجتمع وتقدّمه.
وأعتقد إن أية حركة سياسية وبالأساس تغييرية لا يمكنها النجاح والاقتراب من تحقيق أهدافها إذا وقفت من الدين موقفاً سلبياً، فما بالك إذا عادته جهاراً، فستكون قد حكمت على نفسها بالانتحار، وستقودها مثل تلك التوجهات ” اليسارية الطفولية” (بمقاربة كتاب لينين مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية) الذي كتبه في نيسان (ابريل) العام 1920 (انظر: فلاديمير ايليتش- لينين، المختارات 10 أجزاء، دار التقدم، موسكو،1978 ? ج 9? ص 431) إلى فشلها المحتّم، ولاسيّما في البلدان النامية (العالمثالثية) بشكل خاص، وبالخصوص بلداننا العربية – الإسلامية. والأمر لا يتعلق بموقف الجماعات الدينية المؤدلجة ودعايتها السوداء، بل بالإيمان الشعبي التي اعتاد عليه الغالبية الساحقة من أفراد الشعب بغض النظر عن ديانتهم.
وكنت قد استذكرت ما كتبه المفكر الإيراني الإسلامي علي شريعتي (الذي اغتيل في لندن العام 1977 واتهم جهاز السافاك الإيراني حينها بذلك) ولاسيّما كتابه ” العودة إلى الذات” (ترجمة الدكتور ابراهيم الدسوقي، إصدار دار الزهراء للإعلام العربي، بيروت، 1986.) بشأن بعض مواقفنا من الدين، والأصح مواقف بعض المتطرفين والسطحيين الماركسيولوجيين (الماركسيون ضد الماركسية) في صفوفنا ، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر أحياناً، حيث اعتبر مدخلنا خاطئاً، وإن كان قد أشاد بمواقف اليسار وما قدّمه من تضحيات، لأنه كما يقول كان ينبغي أن يكون المدخل من العدالة وليس من الله، ووجدت نفسي أنقل سيناريوهاته الكاريكاتورية الطريفة بشأن تعامل بعض الماركسيين المتطرفين من الدين مثلاً، ومنهم المفكر التونسي العفيف الأخضر.
المشهد الأول – يرسم فيه مثقفاً يسارياً يخاطب جمهور الفلاحين لتحريضهم بالوقوف ضد السلطة ويقنعهم بأخذ زمام المبادرة.
المشهد الثاني – صورة المثقف اليساري وهو يقود جمهرة الفلاحين خلفه لمواجهة السلطة عبر الاستيلاء على رمزها ” مركز الشرطة”.
المشهد الثالث- يختبئ المثقف اليساري خلف أفراد الشرطة ويحاول الفلاحون قتله، حين شكّك بوجود الخالق.
ولعلّ مجرد مناقشة قضية حسّاسة تمثّل جزءًا من المستقر في وجدان العامة “الثابت”، والمقصود “الوجدان الجمعي” حوّل مصدر السخط والعداء من السلطة التي هي سبب الظلم (كما اقتنع بذلك الفلاحون) إلى المثقف اليساري الذي كان يريد نصرتهم والدفاع عنهم، لأنه شكّك بعقائدهم أو تعرّض لها على نحو سلبي.
إن مجرّد اقتراب الماركسيولوجيين (ماركسيون ضد الماركسية) من دائرة العقائد الجمعية جعل المظلومون والمستلبة حقوقهم في مواجهة حامية لا مع تسبّب في ظلمهم واستلابهم، بل مع من حاول تنويرهم لأنه مسّ ركناً أساسياً من مقدساتهم، وهو الأمر الذي استثمرته القوى الدينية في عدائها ضد الشيوعية والماركسية بالباطل والحق، مستغلة تصرفات بعض قليلي المعرفة من المتمركسين والمتطرفين منهم بشكل خاص، بل والمغالين في إظهار عدائهم لما هو قائم باعتباره رجعياً ومتخلفاً، فأصدرت الفتاوى وجنّدت قوى منها وحيّدت أخرى في هجومها التحريمي ضد الشيوعية واتهامها بالكفر والإلحاد.
ولا بدّ من التوقّف عند الماركسية والإيمان الديني في النظرية والممارسة، والأخطاء التي وقعنا فيها، خصوصاً وإنّ الصراع حول قضايا ملموسة، تتعلّق بالحقوق والحريات والعدالة والمساواة وهي كلّها قضايا أرضية وليست سماوية،علماً بأن ماركس لم يقدم على دراسة الدين أو تقديم أطروحات ومساهمات تُذكر بشأنه، اللّهم إلّا إذا اعتبرنا تأثيرات فيورباخ عليه. وباستثناء كتاب ماركس “المسألة اليهودية” (المنشور لأول مرة عام 1844 في باريس في جريدة تسمى الحوليات الألمانية الفرنسية) وهو كتاب صغير، لم يخصّصه لمبحث حول الدين، إلّا على نحو محدّد ومحدود، فإنه لم يخض في هذا الميدان.
وإذا اعتبرنا ماركس الحلقة الذهبية الأولى في التمركس، فإن لماركسية من بعده لم تنصب إلى تقديم رؤيا وتنظيرات موسعة بخصوص الدين من بعده، لكن الموقف السلبي والتوجه التقنيني إزاء الممارسات والطقوس الدينية كان قد اتبع بعد قيام النظام الاشتراكي في روسيا العام 1917 وفيما بعد في الدول الاشتراكية، دون أن ننسى محاولات توظيفها ضد النظام الاشتراكي، ويمكن العودة لقراءة هذه الفقرة تفصيلياً في كتابينا المشار إليهما، علماً بأن ماركس ليس خارج النقد، بل هو الآخر عرضة للنقد، ولديه العديد من الأحكام التي لم تثبت الحياة صحتها، أو أنها كانت صالحة لعصره، ولم تعد تتناسب مع ما حصل من تطور علمي وتكنولوجي، ولاسيّما في ظلّ العولمة.
وقد توقفت في الكتابين المذكورين عند العديد من النواقص والثغرات عند ماركسية ماركس وفي الماركسية بشكل عام، وذلك فيما أطلقت عليه “النقد الماركسي لماركس″، وحين يُراد إنسابي لماركس، كنت أقول أنا شخصياً لا أنتسب إلى فرد ، بل أنتسب إلى المنهج المادي الجدلي (الديالكتيكي) التاريخي، وليس هو المنهج الوحيد، بل يمكن الاستفادة من مناهج أخرى معه.
وعلى هذا فالماركسية ليست تمامية أو نهائية أي أنها ليست أبدية . الماركسية تحتاج إلى مراجعة ونقد مستمرين، مثلما تحتاج إلى حذف وشطب، حتى إننا يمكن أن نحتفظ ببعض النصوص في متحف التاريخ على ما فيها من أهمية حينها، كما تحتاج إلى “فلترة” وتدقيق، وبالطبع فهي مثل أي شيء في الحياة، تحتاج إلى تطوير وإضافة وتجديد وتغيير ، ولا شيء في الحياة ثابت، بل إن الثابت الوحيد في الكون هو التغيير إضافة إلى الموت، وما عداه كل شيء نسبي. وإذا كانت الحياة متطوّرة ومتغيّرة فكل شيء قابل للتطوير والتغيير وعدم السكون . وهذا هو جوهرها .
وقد لفت فردريك انجلز رفيق ماركس إلى أن ” البيان الشيوعي” ” المانيفاستو” الذي صدر لأول مرة العام 1848?(انظر: كارل ماركس – بيان الحزب الشيوعي، دار التقدم، موسكو 1968) يحتاج عند كل طبعة إلى إعادة النظر في بعض أحكامه، ارتباطاً مع التطورات العلمية والتقنية التي حدثت ولم يأخذها بنظر الاعتبار، بل إنه هو القائل : كلّما حصل تقدم في العلوم العسكرية (المقصود تطوير السلاح واكتشاف أسلحة جديدة مؤثرة) فعلينا تغيير أو إعادة النظر في ستراتيجيتنا .
صحيفة الزمان العراقية ، 1/11/2017