الإمام الحسني البغدادي.. مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن ح 3

عبد الحسين شعبان
2017 / 11 / 16



راديكالي في السياسة محافظ بالدين ولا يخلو موقفه من مهادنة السائد التاريخ والسياسة
كل إصلاح مفتاحه الفكر الديني
توماس هوبز
توطئة
حين هاتفني الصديق فوزي الراوي (عضو القيادة القومية لحزب البعث- سوريا) إلى فندق ” الفردوس تاور” (برج الفردوس) بدمشق، سألني إنْ كنتُ أعرف سماحة السيد أحمد الحسني البغدادي، وقبل أن ينتظر جوابي قال إنه يعرفك جيداً، ثم خاطبه قائلاً تكلّم مع د. عبد الحسين شعبان بعد أن نقل سماعة التلفون إليه، وجاءني صوته رهيفاً وعميقاً ومؤثراً بالسلام والسؤال عن الصحة والعائلة، وإنه من المتابعين جداً لكتاباتي ومواقفي. ولكي أتأكّد مَنْ يكون محدّثي سألته ما الذي يربطك بآية الله الإمام السيد محمد الحسني البغدادي؟ فقال إنه جدّي، فقلت له إذاً أنت نجل السيد كاظم، فقال نعم، فقلت له وصلنا إلى حيث المشترك.
وبالعودة إلى أجواء الصراع الشيوعي- الديني، خصوصاً الفترة المحمومة منه أواسط العام 1959 وأوائل الستينات، وأعني بذلك التي توّجت بإصدار فتوى تحريم الشيوعية، فقد كان صادق الحسني يقول لنا إن عمّه لن يصدر فتوى، وحصل الأمر فعلاً، وفشلت محاولات عديدة لإقناعه، ولكن دون جدوى، فهو وهو وآية الله السيد محسن الحكيم خصمان لدودان، ولأن الأول كان قد أعطى مثل تلك الفتوى، فلم يرغب البغدادي أن يكون مقلداً أو ثانياً، لأنه كان يعتقد وظلّ هكذا حتى آخر أيامه إنه رائد وأول، ولاسيّما بالمقارنة مع السيّد الحكيم، إضافة إلى عدم رغبته في التعميم، حتى وإن عارض الفكرة الشيوعية، فإنه في الوقت نفسه حاول التمييز بين الشيوعية وبين أتباعها من غير المتبحّرين فيها.
الذين يقولون أنه لا علاقة للدين بالسياسة،
هم في الحقيقة لا يعرفون ما هي الديانة
المهاتما غاندي
ارتوى من نبع الدين ففاضت به السياسة
عاملان متعارضان حكما علاقة المرجعية بالسياسة خلال نحو قرن من تأسيس الدولة العراقية، أحدهما كان يسعى لدور سياسي يقوم به رجل الدين، سواء كان مباشراً أو غير مباشر، تحت عناوين مختلفة دينية وغير دينية، والآخر يرغب في الابتعاد عن الحقل السياسي، بل يعتبر السياسة لا تدخل في الحقل الديني، وعلى رجل الدين والعالِم الابتعاد عنها، وبين هذا وذاك، كان هناك اتجاه ثالث متردّد، أي بين الاتصال والانفصال، بمعنى الاهتمام بالجوانب الثقافية والتعليمية والتربوية لنشر رسالة الدين وممارسة ضغوط معنوية وأدبية على صاحب القرار.
والمرجعية عموماً في العراق وبعد فشل ثورة العشرين تعرّضت إلى التهميش من جانب البريطانيين وحلفائهم الجدد، نفياً وإبعاداً وإهمالاً، كما حصل للشيخ محمد مهدي الخالصي والسيّد أبو الحسن الموسوي والميرزا محمد حسين النائيني وقد اضطرّ غالبية رجال الدين الشيعة إلى الانكفاء والعزوف عن الاهتمام بالشأن السياسي والاكتفاء بمراقبته إلّا في حالات محدودة أو حين تحتاجهم الحكومة أحياناً لغرض دعمها.
وليس بعيداً عن ذلك بعض مواقفها الانعزالية من الدولة وتحريم العمل في مؤسساتها ودوائرها الرسمية، بل كان هناك من اتّخذ موقفاً عدائياً منها باعتبارها “دولة غير شرعية”، حتى إن “الرواتب” التي كان يتقاضاها الموظف من الدولة لعمله فيها، تستوجب “إذناً شرعياً” من المرجع المقلّد، لأن الأموال تأتي من جهة “مجهولة المالك” الأمر الذي يحتاج إلى أخذ ” رخصة” أو ” فتوى” لغرض تعاطيها.
وقد ناقشت الأمر مع عدد من رجال الدين الشيعة بخصوص هذا الموقف الغريب، وأود هنا أن أستشهد بموقف متقدم اتّخذه الإمام محمد مهدي شمس الدين وبلوره في أواخر أيام حياته ونشره في العام 2002 وقدّم له غسّان تويني وصدر لاحقاً بعنوان “الوصايا” ، دعا فيه الشيعة أن ينخرطوا في مجتمعاتهم وأمتهم وشعوبهم ودولهم إذا أرادوا أن يخدموا آل البيت، وألّا يسعون لإنشاء مشروع خاص، بل الاندماج في نظام المصالح العام، وأن يكونوا متساويين في ولائهم للنظام وللقانون والاستقرار وللسلطات العامة على أساس الشراكة مع الأقوام والشعوب والجماعات التي ينتمون إليها.
ويقول شمس الدين: أوصي الشيعة في كل مجتمع من مجتمعاتهم وفي كل قوم من أقوامهم وفي كل دولة من دولهم الّا يفكروا بالحسّ السياسي المذهبي أبداً وألّا يبنوا علاقتهم مع أقوامهم ومع أقوامهم ومع مجتمعاتهم على أساس التمايز الطائفي وعلى أساس الحقوق السياسية والمذهبية… وأن يتجنّبوا في كل وطن من أوطانهم شعار حقوق الطائفة والمطالبة بخصوص النظام، وفي ذلك دعوة جريئة للإقرار بالدولة الوطنية والمطالبة بالمواطنة المتساوية وعدم التمييز كأساس للمشاركة والشراكة في الوطن مع بقية الشركاء. (انظر: محمد مهدي شمس الدين – الوصايا ، تقديم غسان تويني، دار النهار، بيروت ، 2002ص 55-57).
وباستثناء بعض المواقف وهو ما سيأتي ذكره بخصوص قضية فلسطين والعدوان الثلاثي على مصر، فإن المرجعية الدينية ظلّت بعيدة عن عالم السياسة، بل تتحاشاه وتبتعد عنه، متجنّبة ما قد تتعرّض له من ضغوط قد لا تكون قادرة عليها أو حتى مستعدة لمواجهتها، لاسيّما إذا لم تؤمن بمثل هذا الدور واستمرّت تبريراتها بشأن الحفاظ على “بيضة الإسلام” وحماية الحوزة من التبديد والضياع، وهو ما سارت عليه منذ السبعينات بعد وفاة السيد الحكيم، وفي عهد السيد الخوئي والسيد السيستاني، حتى الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003. وإن كان هناك تململات بشأن ” المرجعية الصامتة “، و” المرجعية الناطقة” لكنها بشكل عام ظلّت تخشى الاقتراب من عالم السياسة، لاسيّما في عهد النظام السابق، حيث كان البطش شديداً والقمع شاملاً، ونكّلت السلطة بقسوة بجميع الفاعليات الدينية والسياسية والثقافية المناوئة ولم تتهاون إزاء أي اشتباه بمعارضة أو توجه مختلف.
وكان لثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 التي أطلقت الحرّيات، ولاسيّما حرّية التعبير، وخصوصاً في العام الأول من عمرها، دور كبير في أن يسيل لعاب بعض رجال الدين لمقاربة السياسة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وتجلّى ذلك في عدد من المواقف التي سنأتي على ذكرها، خصوصاً بعد أن انقسم الشارع العراقي إلى تيّارين متعارضين، كما جرت الإشارة إلى ذلك، وكان التيّار الديني الذي أخذ يتبلور عبر آراء وأطروحات معارضة لقاسم والشيوعية، أقرب إلى التيّار القومي، وإنْ اختلفت المنطلقات، وقد أضاف مثل هذا الانحياز، حتى وإن كان غير مباشر، ثقلاً للقوى المناهضة لحكم قاسم المدعوم من الشيوعيين.
ويمكن هنا رصد اتجاه رجال الدين، لاسيّما من الشيعة والسنّة باتخاذ مواقف سياسية منذ تأسيس الدولة العراقية العام 1921 إلى ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى: لم تكن ترغب في مقاربة السياسة، خشية من تبعاتها وهو ما شمل مرجعيات ما بعد ثورة العشرين، وخصوصاً مرجعية السيد أبو الحسن ومرجعية البروجردي وآخرين على امتداد فترة العهد الملكي، لكن بعد حدوث ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 وبالتدرّج والتراكم تشجّعت بعض المرجعيات من مقاربة السياسة بعد أن وجدت مراجع أولى كانت قد اتخذت مواقف سياسية، وإن كانت “إصلاحية” مطلبية، فانضمت إليها مؤيدة توجّهاتها وكان من أبرز رموزها الإمام الحكيم .
المجموعة الثانية: قاربت السياسة من منظور فقهي- شرعي، باعتبارها واجب على الأمة، فما بالك برجل الدين الذي ينبغي أن يكون في مقدمة المتصدّين بحكم مسؤولياته، ومن أبرز هؤلاء محمد مهدي الخالصي ونجله محمد الخالصي ومحمد الحسني البغدادي.
أما المجموعة الثالثة: فهي الأوسع والأعم، تلك التي كانت تريد ممارسة دور إصلاحي ومطلبي وسطي، وإن كان البعض يعتبرها متردّدة بين المجموعة العازفة عن السياسة والأخرى الراديكالية المندفعة فيها.
وقد اتّسع هذا الاتجاه في ظلّ قيادة السيد محسن الحكيم، وهو وإنْ كان لا يؤمن بالسياسة من حيث الظاهر أو المعلن، ولا يدعو لقيام دولة إسلامية، ولكنّه من الناحية الفعلية يقوم بدور سياسي شبه مباشر، كما يذهب إلى ذلك عادل رؤوف في كتابه ” العمل الإسلامي في العراق- بين المرجعية والحزبيّة”، إصدار المركز العراقي للإعلام والدراسات،2005? ط 4- ص 32 وما بعدها.
ويستند بذلك إلى حديث عن مقابلة بين محمد صالح الأديب وعدد من الشباب في مطلع الستينات وبين السيد محسن الحكيم، وكان الأديب قد سأل الحكيم: ماذا لو تمكّنا من إقامة الدولة الإسلامية؟ هل نقيمها؟ فأجابه: إن عليكم أن تعملوا على نشر الدين وندعو الله سبحانه وتعالى أن يظهر الحجّة (عج) (المقصود الإمام المهدي المنتظر أو الغائب أو صاحب الزمان كما يُدعى)، ويستنتج أنه كان لا يريد الإفصاح المباشر عن الانخراط المسلكي في العمل السياسي، بقدر ما كان يريد الحصول على منجزات ومطالب لتوسيع دائرة تأثيره، دون أن يرتقي إلى التفكير بإقامة دولة إسلامية.
وإذا كان هناك من يؤاخذ السيد الحكيم على هذا الموقف، فإنني أعتقد أنه كان أقرب للواقعية السياسية ولم يرغب في زج نفسه ومرجعيته في أتون العمل السياسي المباشر، لأن ذلك سيجعله طرفاً، في حين إن الدولة كانت تحسب له حساباً في كل خطوة تخطوها، وهو ما كان يريده لتعظيم دور مرجعيته التي حاول أن يعطيها بُعداً احتجاجياً في مواجهة الدولة، كلّما كان يريد الاعتراض على بعض إجراءاتها بزعم مخالفتها لمبادئ الشريعة الإسلامية، كما هو في الموقف من قانون الإصلاح الزراعي وقانون الأحوال الشخصية وغيره.
“… ليست كل عين ترى “
جلال الدين الرومي
راديكالي في السياسة محافظ في الدين
ويعتبر السيد البغدادي احد رجال الدين الذين أعطوا للسياسة حيّزاً كبيراً في مناظراتهم ويمكن القول أنه ثمة فوارق ليست بالقليلة تفصل بين السياسي والديني لدى السيد الحسني البغدادي، سواء على مستوى التفكير أو الممارسة. وإذا كان الأغلب الأعم أن الإنسان في مقتبل حياته يحلم بتغيير العالم، أو حتى يتصوّر نفسه قادراً على تحمّل مثل هذه المسؤولية، فيتّخذ مواقف جذرّية ويميل إلى التطرّف فيها أحياناً، إلّا أنه مع تقدّم السن يغدو أكثر تواضعاً في أحلامه مثلما يصبح أكثر واقعية في إمكانية تحقيقها، وهكذا وشيئاً فشيئاً يكون أقرب إلى المحافظة، فيخفض سقف مطالبه وقد يتردّد كثيراً قبل أن يتّخذ مواقفه، لاسيّما إذا لم تراعِ توازن القوى والنظرة الواقعية، بحيث يكون أكثر مرونة وأقلّ تشدّداً، وهذه هي القاعدة العامة.
أما بالنسبة للحسني البغدادي، فمواقفه الراديكالية وجذّريته السياسية كانت متواصلة ومتصاعدة خصوصاً ازاء القضايا المصيرية التي تهمّ الأمتين العربية والإسلامية، لدرجة أنه كان أقرب إلى روح الشباب واندفاعاته حتى وهو شيخ كبير. وإذا كان ذلك إحدى مواصفاته في الحقل السياسي، فإنها في الحقل الديني أيضاً، وعلى الرغم من الانفصال بين الحقلين ومنطلقاتهما، فقد كانا يتوحّدان لديه لدرجة الاندغام أحياناً. فهذا الراديكالي الثوري في حقل السياسة، هو نفسه المحافظ التقليدي في حقل الدين، وتلك واحدة من المفارقات التي تمتاز بها شخصيته الإشكالية، ليس في الحقلين المشار إليهما فحسب، بل في الحقل الاجتماعي أيضاً، خصوصاً وقد عُرف بصراحته الشديدة، وكان البعض يتجنّب الاصطدام أو حتى الاحتكاك به خشية من ردود الأفعال الشديدة أحياناً والمُحرجة في أحيان أخرى لمقامات تريد أن تبقى صورتها لدى “العامة” غير ما هي عليه حقيقتها، لكن الحسني البغدادي يكشف أحياناً عن مستورها ليضعها عارية أمام الملأ.
هكذا بدأ السياسي معه راديكالياً، ولم يفترق عنه حتى آخر أيام حياته، وكأن حلفاً غير قابل للانفصام تم عقده بينهما، خصوصاً وقد أصبحت الراديكالية السياسية نهجاً لحياته منذ تبلور وعيه الأول، كما رسمت خطاً بيانياً لتوجّهه الفكري، سواء بصفته الدينية فقيهاً أو فاعلاً اجتماعياً، يعي دوره جيداً ويدرك مغزى وظيفته المهنية، لاسيّما وإن مثل هذا الدور وهذه الوظيفة، عمّدتا بلقاح الوطنية والسيرة الجهادية.
وبدا الحسني البغدادي أبعد عن رجل دين تقليدي، وأقرب إلى “ثوري” راديكالي كلاسيكي، يسعى للتغيير بجميع الوسائل لنصرة الحق وللوقوف إلى جانب المظلوم، سواء من خلال نقد السائد من السياسات والمواقف، ولاسيّما في العهد الملكي والعهد الجمهوري الأول، أو في معارضة الاتجاه الديني الذي قارب السياسة من منظور محافظ، ومتردّد في الكثير من الأحيان، سواء بالممالئة أو الموالاة أو بالممانعة والمعارضة، على صعيد الداخل والخارج.
وامتاز الحسني البغدادي في توجّهه السياسي عن غيره من رجال الدين بنزعة عروبية واضحة كان يجاهر بها أحياناً، ليس ما يتعلّق بدعوته لدعم الحوزة العربية ومدرسة النجف تحديداً، بل إن مواقفه السياسية على الصعيد العربي والإسلامي ، كانت ذا نزعة عربية تحرّرية واضحة، وأحياناً تبدو حادّة أو حتى استفزازية أو محرجة لأطراف في الحوزة العلمية التقليدية.
وقد وقف ضد محاولات الهيمنة الأجنبية على العراق والعالم العربي والإسلامي منذ نعومة أظافره، وشارك في التصدّي للانكليز، حين انخرط في المقاومة العراقية لمواجهة الاحتلال البريطاني 1914-1918 وفيما بعد بالثورة العراقية 1920 وكان لديه الكثير من الملاحظات والانتقادات على الحكم الملكي ورموزه منذ تنصيب الأمير فيصل الأول في 23 آب (أغسطس) 1921 ملكاً على العراق، وعبّر عن آرائه بشجاعة في العديد من المواقف، لعلّ أبرزها تنديده بموقف الحكومة العراقية المتفرّج إزاء العدوان الثلاثي على مصر 1956. كما وقف إلى جانب انتفاضة خرداد الإيرانية وندّد بحكم شاه إيران، وكان يعتبره عدوّاً للإسلام.
كما أيّد الثورة في 14 تموز (يوليو) 1958 وقد استبشر بها خيراً إلّا أنه اختلف مع بعض توجهاتها، ولم ينخرط في معارضتها أو في معارضة الحكومات التي أعقبتها من موقف طائفي، بل إنه كان قد ندّد بالطائفية، سواء في بعض تمظهراتها في الحكم أو في معارضتها بالوسيلة ذاتها، وهذا ما ينطبق عليه قول عالم الاجتماع العراقي علي الوردي من مرض ” الطائفية المتفشي” والذي عبّر عن تصرّفات بعض أطرافها، بأنهم “طائفيون بلا دين”، وهؤلاء بينهم المتديّن وغير المتديّن، بل إن بعضهم غير معني بالدين أصلاً، لكنه متعصب طائفياً.
كما وقف إلى جانب المقاومة الفلسطينية، وأفتى بالانخراط فيها وأجاز التبرّع بالحقوق الشرعية لها، وكان شديد البأس في تنديده بالصهيونية وحماتها على طول الخط، بل والدعوة إلى مقاطعة الدول التي تتعامل مع “إسرائيل”، ومثل هذا الموقف يذكّر باقتراح الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء العام 1931 في المؤتمر العربي الذي انعقد في القدس، حيث طالب فيه ” بتغيير الحج في ذلك العام من مكّة إلى القدس″ دعماً لثورة البراق، التي كانت قد انطلقت في العام 1929 وتأييداً للشعب العربي الفلسطيني في مقاومة الصهيونية والاستعمار البريطاني. وكان المؤتمر يضم علماء دين كبار مسيحيين ومسلمين (سنّة وشيعة)، إضافة إلى شخصيات متنوّعة، لكنه لم يتخذ قراراً بذلك، خصوصاً لجهة “جواز الحجيج” إلى القدس استثناءً بدلاً من مكة وما استقرّ عليه المسلمون لنحو 1400 عام، مع الحفاظ على مقاصد الشـــــــريعة والحج ركن أساسي من أركانها.
وقد أملى هذا التوجّه السياسي الراديكالي على الحسني البغدادي ، قناعاته من جهة ومزاجه الشخصي الذي يستجيب للتحدّي، منطلقاً من ثقة بالنفس واعتدادٍ بالحسب والنسب، ولذلك كان يشعر بامتلاء كبير على الرغم من رقّة الحال، خصوصاً حين يكون مجاهراً ومتحدّياً، ولأنه امتلك شخصية كارزمية ومكانة علمية، فقد نظر إلى جميع المحاولات التي حاولت كسبه، سواء عن طريق المال أم بالإغراء، أو سواءً كانت تلك المحاولات خارجية أم داخلية، بعين الاستصغار والازدراء، خصوصاً في ظل نزاهته الشخصية ونظافة يده.
وعاش حياة زهد وعفّة نفس وكبرياء، فضلاً عن صراحته المعهودة ، لاسيّما في اتخاذ المواقف، فقد كان جريئاً “لا تأخذه في الحق لومة لائم” كما يقال. ولم يحاول الاقتراب من الحكام، بل إنهم اقتربوا منه، وإنْ استجاب إلى بعضهم، فقد وضع مسافة بينه وبينهم، كما هو في عهد الرئيسين عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف والرئيس أحمد حسن البكر. وكان هؤلاء معجبين بمواقفه الوطنية والعروبية العامة، وهو ما حاول خصومه إثارة إشاعات حوله.
أما في الحقل الثاني والمقصود بذلك الحقل الديني، فقد كان محافظاً وأحياناً شديد المحافظة، سواء في المنهج أو الآراء التي تبنّاها وهي لا تبتعد كثيراً عن مجاراة ” العامة” وما هو سائد، وقد تكون خشيته نابعة من اعتقاد إن الخروج عمّا هو سائد من معتقدات وموروثات قد يفسح في المجال للخروج على الدين والتحلّل من التزاماته، تلك التي استقرّت عبر مئات السنين في تاريخ الممارسة الدينية المتوارثة، وخصوصاً في مجال الشعائر الحسينية.
ولذلك واصل ما اعتاد عليه الآباء والأجداد وكأنه يمثّل “السلف” في الحاضر، وخصوصاً فيما يتعلّق بممارسة الطقوس والشعائر الحسينية، علماً بأن بعضها كان دخيلاً على الدين والمذهب بالطبع. وقد يكون سبب موقفه هذا هو تجنّب الاشتباك مع مثل هذه التوجّهات حرصاً منه على التقاليد الراسخة من “العامة”، وربّما حيطته من ” منازلة” قد لا يقوى على دخولها لأنها ستكون غير متكافئة، أو أنه لم يكن مستعداً فكرياً وفقهياً لها، أو أنه يعتقد إن المجتمع يحتاج إلى وقت طويل لكي يتم تغييره، وبالتالي لا يريد المغامرة بالمضي في هذا الاتجاه . وقبل كل ذلك كان يبدو مقتنعاً بها ومنسجماً “روحانياً” وإيمانياً مع دلالاتها في إظهار “حبّ آل البيت” والولاء لهم.
وأرى أن ذلك يعود لعدد من الأسباب، منها أن التغيير يحتاج إلى تهيئة فكرية ونفسية، بل كلفة قد لا يكون قادراً على تحمّل نتائجها أو تسديد فواتيرها الكثيرة، أو أنه لم يصل إليها، أو إن اختيارها سيؤدي إلى الصدام مع ما هو سائد، أو إنه يخشى من مزايدات رجال الدين الآخرين، خصوصاً من جانب خصومه، لكي لا يُتّهم بالخروج على الدين، أو كان يرى فيها طريقاً طويلاً يحتاج إلى تهيئة ومستلزمات لم تكن متوفّرة لديه.
ولا أستبعد أن ثمة في الأمر موقف لا يخلو من مهادنة أو عدم استفزاز لما هو تقليدي أو سائد انطلاقاً من رؤية لا تستشرف بعداً حداثياً في التنوير والتغيير والإصلاح، وتلك تحتاج إلى منظومة فكرية مختلفة.

نشرت في صحيفة الزمان ، 31/10/2017