الإمام الحسني البغدادي مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن التاريخ والسياسة ح 2

عبد الحسين شعبان
2017 / 11 / 15

الإمام الحسني البغدادي مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن التاريخ والسياسة ح 2
أ.د. عبد الحسين شعبان
كل إصلاح مفتاحه الفكر الديني
توماس هوبز
توطئة
حين هاتفني الصديق فوزي الراوي (عضو القيادة القومية لحزب البعث- سوريا) إلى فندق ” الفردوس تاور” (برج الفردوس) بدمشق، سألني إنْ كنتُ أعرف سماحة السيد أحمد الحسني البغدادي، وقبل أن ينتظر جوابي قال إنه يعرفك جيداً، ثم خاطبه قائلاً تكلّم مع د. عبد الحسين شعبان بعد أن نقل سماعة التلفون إليه، وجاءني صوته رهيفاً وعميقاً ومؤثراً بالسلام والسؤال عن الصحة والعائلة، وإنه من المتابعين جداً لكتاباتي ومواقفي. ولكي أتأكّد مَنْ يكون محدّثي سألته ما الذي يربطك بآية الله الإمام السيد محمد الحسني البغدادي؟ فقال إنه جدّي، فقلت له إذاً أنت نجل السيد كاظم، فقال نعم، فقلت له وصلنا إلى حيث المشترك.
وتلكم هي المراحل التي مرّ بها “الحفيد”، حتى تمكّن من الفقه وحاز لقب “حجّة الإسلام والمسلمين” ثم “آية الله”، ونال الدرجة العلمية في استنباط الأحكام. وكان الفتى المتديّن الذي سيندمج في عالم الفقه واللغة والتاريخ والوطنية في الوقت نفسه، يفكّر بهمّ الوطن على طريقته الخاصة، ولعلّه وجد ضالته في البداية في تنظيم أسَّسه عز الدين الجزائري وكانت أهدافه ثقافية واجتماعية ودينية اتسمت بنوع من الغموض، لكن وجهتها السياسية بدأت مع ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 وضمّت مجموعة متميّزة ومتحمّسة من الشباب بينهم محمد صالح الحسيني الذي اغتالته المخابرات العراقية في بيروت العام 1981 والسيد البغدادي “الحفيد” ومحسن عباس زاغي وعبد الأمير الدخيّل شقيق العضو القيادي البارز في حزب الدعوة عبد الصاحب الدخيّل الذي أعدم في مطلع السبعينات وأطلق على ذلك التنظيم حينها “حركة الشباب المسلم”. وكان للحركة منهاجاً سمّي “دستوراً” و”نظاماً” داخلياً وأصدرت بعض النشرات وكان شعارها ” مجتمع مسلم ودولة إسلامية: سعادة الدنيا ونعيم الآخرة” وقد أورد الباحث صلاح الخرسان بعض التفاصيل عنها (أنظر: صلاح الخرسان – حزب الدعوة الإسلامية: حقائق ووثائق، فصول من تجربة الحركة الإسلامية في العراق خلال 40 عاماً (دمشق ، 1999 ط /1) .
وكان هذا التنظيم الذي تخلّى عنه لاحقاً بعض أعضائه قد استمرّ على نحو مختلف بقيادة الجزائري ليؤسس “حركة الشباب العقائديين”، لمواجهة المدّ الشيوعي، ومعه مجموعة صغيرة أخرى أسست ما سمّي ” شباب العقيدة والإيمان” وكان من بين موجهيها السيد محمد علي المرعبي شخص يدعى عبد الرزاق التورنجي وهو إيراني الأصل، ويلبس العقال والكوفية ويجتمع ببعض الإسلاميين في الصحن العلوي، وقد شكّك الإسلاميون به لاحقاً واتهموه بالعمل لصالح الأجهزة الأمنية، وكانت حركته وعلاقاته تتّسم بالغموض والإبهام، والغريب أنه في أيام مرجعية ” الخوئي” أصبح وكيلاً رسمياً له، وقد اعتمر العمامة ” البيضاء” ولقّب نفسه بالشيخ عبد الرزاق الواعظ ( وهو ليس من آل الواعظ في بغداد وهم عائلة سنّية معروفة أو من آل الواعظ في النجف وهم أسرة شيعية وشيوعية معروفة).
ولعلّ هذه الارهاصات التنظيمية الأولى تفاعلت مع غيرها، وكانت جزءًا من “حركة إسلامية” تداخلت مع حركات أخرى وعُرفت لاحقاً باسم “حزب الدعوة” الذي تأسّس كردّ فعل للمدّ الشيوعي الذي بدأ بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958.
من أنصف الناس من نفسه رصين به حكماً لغيره
الإمام الصادق
الخؤولة
أما عن الخؤولة التي يتحدّث عنها السيد البغدادي (الحفيد)، فلها أكثر من بعد، فعمّي الدكتور عبد الأمير شعبان الذي درس الطب في أواخر الثلاثينات وتخرّج طبيباً من كلية الطب في بغداد قبل ولادتي في الأربعينات، تزوج في العام 1948من العلوية زهراء مهدي الحسني ابنة عم السيد أحمد الحسني البغدادي.
ليس هذا فحسب، فالصلة لها تشابكات أخرى، حيث أن صادق الحسني البغدادي، هو شقيق زوجة عمّي الدكتور عبد الأمير شعبان الذي كان يلقّبه لؤي أبو التمن، بالحجّة أو “الداروغة”، وأظنّها كلمة إيرانية، أي “الفهيم” و”العارف” و”المطّلع″، وحسب القاموس تعني “الشريف”، وعمّه هو السيد البغدادي الكبير، وكان صادق عضواً في الحزب الشيوعي وكم من مرّة اعتقل وفرّ من بغداد إلى النجف وبالعكس.
وأتذكّر أن صادق الحسني البغدادي في العام 1960 أو العام 1961 اعتقل، فاعترف أنه شيوعي، ولما كان هذا الاعتراف دليل إدانة وبخط يده، فقد ضغطوا عليه ليدلي باعترافات على رفاقه، وتحمّل ضرباً مبرحاً، لكنه قال لهم أنه لن يبوح لهم بذلك، سواء كان شيوعياً داخل التنظيم أو شيوعياً بالفكر والعقيدة، وعبثاً حاول عمّي د. عبد الأمير الطلب منه تغيير إفادته لإطلاق سراحه، لكنه رفض ذلك، قائلاً وما العيب في أنني شيوعي؟
وكانت لصادق الحسني آراء غريبة وغير مألوفة أحياناً وكأنه على حدّ تعبير أحدهم يبحث عن المعركة في حين يُستدرج إليها الآخرون، أما هو فقد كان على العكس يستدرج الآخرين ليجرّهم إلى معركته. ولاستكمال الحكاية فقد تمكّن عمّي بعد ذلك وبمساعدة من والد ناجي طالب أحد قادة ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 والوزير بعد الثورة ورئيس الوزراء في عهد الرئيس عبد الرحمن محمد عارف في النصف الثاني من الستينات “الحاج طالب”، الذي كان صديقاً له وطبيبه الخاص في “سوق الشيوخ” منذ أواسط الأربعينات، من إطلاق سراحه، حين تم نقله إلى معتقل بالناصرية فكان للواسطة أثرها في تغيير الإفادة وأغلقت القضية، ثم أطلق سراحه.
وقد رويت في مداخلتي عن وميض عمر نظمي عن حوار دار بين ناجي طالب وبيني في بغداد العام 2003? حين بادرته بالشكر قائلاً حتى وإنْ جاء متأخّراً، لكنه واجب واعتراف بالجميل الذي لا يُنسى، لأنه أسهم في إطلاق سراحي (العام 1963) من خلال برقية أرسلها الحاكم العسكري العام رشيد مصلح، وكذلك في إطلاق سراح عمّي شوقي الذي كان معتقلاً في النادي الأولمبي، وبعدها في القلعة الخامسة “الموقف العام”، واستغرب الرجل، وأخبرته بأن ذلك تمّ عن طريق والده ولقائه بعمّي د. عبد الأمير شعبان، وكان قد أشاد به وبصداقته لوالده.
وكانت مفاجأة مفرحة وبداية حديث تعزّزت فيه الثقة، فقد استمعتُ إلى وجهات نظر ذلك العسكري الرفيع المستوى وأحد أبرز الضباط الأحرار، سواء في التاريخ أو عن وجهة نظره الراهنة حينذاك أو عن رؤيته للمستقبل، ليس هذا فحسب بل أخبرته أننا كنّا طيلة الخمسينات وحتى أواخر الستينات نأكل التمر بأنواعه النادرة من بساتينهم، حيث تصل “حصتنا” سنوياً. وفي لقاءات لاحقة كانت دائرة الحضور تتّسع لصبحي عبد الحميد وعبد الحسين الجمالي ووميض عمر نظمي والشيخ جواد الخالصي وآخرين.
وما دمنا نستعيد في الذاكرة السيد صادق الحسني البغدادي ابن شقيق البغدادي الكبير، فقد اعتقل ليومين في مقر الحرس القومي في النجف في العام 1963 التي جاءها هارباً من بغداد، حيث كان والده السيد مهدي الحسني البغدادي عالم الدين المعروف يسكن في الكرخ “محلة التكارتة” ويصلّي في جامع “الرحمانية”، وقد أطلق سراحه لعدم التعرّف على شخصه من جهة وبعد تدخّلات من جانب السيد البغدادي الكبير مدعوماً بطلب من الشيخ كاشف الغطاء من جهة ثانية، حيث أرسل الحاكم العسكري العام رشيد مصلح برقية لإطلاق سراحه، ثم قام بتهريبه إلى إيران الشيخ وهاب شعبان (خادم الحضرة العلوية) والشيوعي المعروف والسجين لأكثر من مرة في الخمسينات، وكان معتقلاً معنا بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963 كما عمل معنا في التنظيم الجديد بعد الانقلاب البعثي. وكان طريق الهروب سالكاً عبر البصرة فعبادان، وهو الطريق ذاته الذي سلكه الشاعر مظفر النواب الذي خلّده بقصيدته الشهيرة “وتريات ليلية” والتي يقول فيها:
وعرفت بأن النخلة في “عربستان” انتظرتني قبل الله
لتسأل:
إن كان الزمن المغبر
غيّرها
قلتُ: حزنتُ
فأطبق صمتٌ. وبكى النخلُ. وكانت سفنٌ في
آخر شط العرب احتفلت بوصولي،
ودعني
النوتي وكان تنوخيّاً تتوجّع فيه اللكّنة:
قال إلى أين الهجرة؟
فارتبك الخزرجُ والأوسُ بقلبي
ومسحتُ التنقيط من الحدس
لئلا يقرأني الدرب
وسيطر سلطان نعاس الصبح
……………
وعاد وهاب شعبان إلى العراق بعد أن أكمل المهمة على أحسن وجه، أما صادق الحسني فبقي في طهران حتى حصل انقلاب 18 تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1963 فرجع الحسني إلى العراق وتصدّعت علاقته بالحزب بعد خط حزيران (يونيو) آب (أغسطس) العام 1964 فرفض العمل في صفوف الحزب، معتبراً ذلك نوعاً من العبث والتخلّي عن قيم الحزب وتاريخه الثوري.
وددتُ من خلال هذا الاستطراد أن أشير إلى أن الكثير من أبناء العوائل الدينية، شيعة وسنّة كانوا قد انتسبوا إلى الحركة الشيوعية، وعائلة الحسني الكبير واحدة منها، مثل عوائل الحكيم وبحر العلوم والجواهري والشبيبي والرفيعي وشعبان والخرسان والمخزومي وسميسم والدجيلي وشريف والصراف (شكر) وغيرهم، كما هي عوائل عزيز شريف وعامر عبدالله وتوفيق منير وغيرهم من آل العاني والآلوسي والنقيب والخطيب.
وتتشابك عائلة الحسني البغدادي مع عوائل عديدة منهم عائلة الهاشمي أو ما كانوا يعرفون “بيت شاه عبد العظيم”، ومنهم من انتسب إلى الحزب الشيوعي أو كان صديقاً له مثل أولاد السيد حسن (الذي كان يضع الكشيدة ذات الشريط الأخضر فوق رأسه وهو يمتهن تجارة الأقمشة)، وأقصد بذلك محسن ويوسف وهما، إضافة إلى صادق الحسني وشوقي شعبان من أصدقاء السيد كاظم الحسني البغدادي، وكانوا يلتقون به في بغداد وكان لي نصيب المشاركة في هذه اللقاءات، وأحياناً يطلعنا السيد كاظم على علاقته ومطالباته من سلطة عارف.
ومن عائلة الهاشمي السيد صاحب وهو صديق لعمّي ضياء ولمعين وناصر شعبان (خالي)، وشقيقه السيد علي وكان على ملاك اليسار وولده عباس خريج كلية العلوم وأحد نشطاء الحركة الطلابية خلال الانتخابات في الستينات وشقيقيه، فاضل وإحسان الذي استشهد في بشت آشان العام1983 خلال المعارك مع الاتحاد لوطني الكردستاني تمهيداً لتحالف الأخير مع سلطة بغداد آنذاك، وتتشابك هذه العلاقة مع الشيوعيين واليساريين من آل شعبان وعوائل أخرى.
ما يقلقني بخصوص الدين،
أنه يعلّم الناس أن يرضوا دون أن يفهموا
ريشارد دوكينز
في لبّ الصراع السياسي
وحين جرت ضغوط لإصدار فتوى ضد الشيوعية والشيوعيين في أواخر العام 1959 ومطلع العام 1960 كنّا نعرف من خلال متابعتنا بأن رأي السيد البغدادي الكبير ليس مع تكفير الشيوعيين أو دمغهم بالإلحاد، خصوصاً وأنه كان يردّد أن الكثير منهم لم يفهموا المذهب المادي بقدر ما كانت أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والظلم الواقع عليهم هي التي تدفعهم إلى الانتماء إلى الحزب الشيوعي.
وحتى حين أصدر السيد البغدادي الكبير ” فتواه” في العام 1964 وهناك من يميل إلى أنه كتب ” رأياً” وليس ” فتوى” بخصوص الشيوعية، كما سيأتي ذكره، حاول التفريق بين ما يسمّيه ” العوام ” الذين لم يتبعوا منهج الإلحاد أو يدعون إليه، وبين من يحاول فلسفة الأمر للمادية والإلحادية، علماً بأن الأغلبية حسب وجهة نظرة هم من الشيعة، وهذا يعني إنه سيزيد الحمل عليهم، وهم تعرّضوا لأعمال قمع تاريخية ولظروف اقتصادية واجتماعية دفعتهم إلى الانخراط في صفوف الحزب الشيوعي.
وإذا كانت هذه وجهة نظره حين أصدر السيد الحكيم “فتواه”، فلذلك أسباب أخرى، سنبيّنها لاحقاً فيما يتعلّق بعلاقات المراجع ومنافساتهم وصراعاتهم المبدئية وغير المبدئية، ولاسيّما علاقة السيد البغدادي الكبير بالسيد الحكيم الكبير، ولكن البغدادي عاد وغيّر رأيه وأصدر “فتوى” أو كتب “رأياً” ووضعه في مكتبته من باب الاحتراز والحيطة والتقيّة، سواء كان مقتنعاً به أو أنه كتبه ليردّ به على اتهامات وإشاعات حاولت ” المرجعية الرسمية” ترويجها ضده، أو لأنه بعد حين شعر بأنه لا ينبغي أن يكون خارج المألوف في هذه القضية بالذات، فسرّب هذا “الرأي” أو سمح بنشره أو سكت عنه، كي يبدو ضمن الإطار السائد.
وكان رأيه ضد الشيوعية قد صدر في عهد عبد السلام عارف كما سنأتي على ذكره، بعد نحو 4 سنوات عن صدور فتوى السيد الحكيم، حيث كتب في موسوعته الإسلامية “التحصيل في أوقات التعطيل” حول إشكالية التوقيت (المقصود توقيت إصدار الفتوى) وتوظيفها ضد الشيوعيين، لكن الأمر اتخذ طابعاً آخر حين نشر الشيخ محمد هادي الأميني رأي البغدادي نقلاً عن مخطوطات مكتبته، وكان قد وضع ذلك الرأي أو تلك الفتوى في ترجمته، الأمر الذي شاع حينها بأنه أصدر فتوى، وهو ما سنتوقّف عنده في مكان آخر من هذه الدراسة.
وكانت الأخبار تصل إلينا عبر السيد صادق الحسني الذي كان له مجسّاته الخاصة وطرقه المختلفة في الحصول على الأخبار، وأحياناً توليفها بحبكة درامية مثيرة، خصوصاً وهو حين يتحدّث كان يحاول أن يظهر وكأنه “شبكة أخبار” أو ” وكالة أنباء” لديها مصادر خاصة تستقي المعلومات منها، وهو ما كان شغوفاً به حتى آخر أيام حياته، وأتذكّر إنني إلتقيته في سوريا حين وصولي إلى دمشق العام 1980? وكان يجتمع حوله عدد من الأصدقاء وهو ينقل لهم بعض الأخبار الطازجة من العراق. وحين انفرد بي حاول أن يعتصرني وينتزع ما لديّ من أخبار، ولأني أعرف “هوايته” و” شغفه” زوّدته بما أستطيع، وفي اليوم التالي كان يجتمع بكادرات حزبية وشخصيات عراقية، وهو ينقل لها باقة الأخبار بطريقته الخاصة المشوّقة والمُقنعة.
وحتى وهو خارج الحزب الشيوعي كان ينقل لنا الأخبار، خصوصاً بعد أن تعزّزت علاقته مع السلطة في العراق التي حدثت لأول مرة في العام 1968 أي بعد الانقلاب البعثي الثاني، حيث ارتبط بعلاقات صداقة قوية “كرخية” مع صدام حسين التكريتي، وكان قد حاول الذود عنه في العام 1959 خلال المدّ الشيوعي كما يقول، ويبدو أن صدام حسين حين أصبح في موقع القرار لم ينس ذلك وكان قد التقاه في “جمعية الاقتصاديين العراقيين” على نحو خاطف بعد 17 تموز (يوليو) العام 1968 بأيام، وأعطاه أرقام هواتفه وطلب منه الاتصال به.
لا تُدرك الحقيقة إلّا عندما تُفنى
جلال الدين الرومي
قريباً من خط “حنين”
وكان صدام حسين قد حاول أن يستجمع عدداً من الأشخاص حوله ممن عرفوا بالشجاعة أو خوض المعارك أو ما يسمّى بالعرف الشعبي “الشقاوات” وكان “الحجة” يعدّ واحداً منهم وإنْ لم ينخرط في المعارك، لكنه كان غير هيّاب، وهكذا قرّبهم إليه ويبدو إنهم ارتبطوا بخط “حنين” الصدامي العنفي، تأسس قبل انقلاب 17 تموز (يوليو) 1968 وتحوّل لاحقاً إلى ما سمّي “دائرة العلاقات العامة” نواة جهاز المخابرات العراقي. وحين سألنا “الحجة”: كيف حصل ذلك؟ برّر بالقول أنه يقوم بمساعدة الدولة في كشف أوكار التجسس وأنه مكلّف بمهمات خاصة وطنية ولا علاقة لها بالسياسة الداخلية، ويبدو أن ثمة مهمات أخرى أوكلت له منها إنه حاول أيضاً عقد لقاء بين صدام حسين وكاظم الصفار.
وأتذكّر أنني كنت قد عدتُ من القاهرة (شباط/فبراير 1969)? حيث كنت أزورها للمشاركة في اجتماع طلابي عالمي، على الرغم من أنني كنت قد تخرّجت من الجامعة قبل ذلك لكن الحزب قرر انتدابي مجدداً لهذا الميدان، واتّضح أنّ الاجتماع نقل إلى فارنا ولم يكن لنا علم بذلك بسبب ظروف عملنا السرّية، وقد التقيت هناك بالشاعر عبد الوهاب البياتي الذي كان يرتاد مقهى لاباس يومياً، ومعه الشاعر عبد السامرائي الذي أصبح لاحقاً من أصدقائي، وكان قد جاء من لايبزك (ألمانيا الديمقراطية آنذاك) وعرفتُ من البياتي أنه تم إلقاء القبض على عزيز الحاج.
وبعد عودتي زارني السيد صادق الحسني وأخبرني بأن عزيز الحاج اعترف اعترافاً كاملاً، وقد تم تسجيل شريط تلفزيوني معه (مقابلة) مدّتها 72 دقيقة، وستبثُّ لاحقاً. وأتذكّر إنني ضبطت ساعتي بعد بث المقابلة التي ظهر فيها محمد سعيد الصحاف (مدير الإذاعة والتلفزيون) في مقابلة مع عزيز الحاج، يوم 3 نيسان (إبريل) 1969 حيث استغرقت 72 دقيقة بالضبط، وبالرغم من أننا كنّا نشكّك أحياناً ببعض المعلومات أو نرى فيها مبالغة أو حتى رسالة إلينا، لكن القسم الأكبر منها كان صحيحاً ودقيقاً ، حيث كان يستقي معلوماته من المصادر الأولى في الدولة، وكانت اتصالاته وعلاقاته وثيقة مع عبد الفتاح الياسين قبل تعيينه سفيراً في بيروت.
وفي إحدى المرّات كنّا قد اتفقنا على العشاء في حانة “الشاطئ الجميل” والتقينا في “مقهى الجندي المجهول” (ساحة الفردوس حالياً) وخلال خروجنا من المقهى تحرّكت سيارتي نجدة سريعاً ونزل منها أربعة شرطة أحدهم يحمل سلاحاً والآخر رشاشاً وبدأ بالتفتيش وطلب الهوّيات لتدقيقها، وكان الجمع يضم: شوقي شعبان ونعمان شعبان، (كان ممثلنا في جمعية العلوم السياسية وهو عضو في لجنة طلابية اتحادية سابقاً في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية)، ورياض محمد (من الكرادة توسّط له الحسني البغدادي للتعيين في وقت كانت التعيينات متوقّفة وتمكّن من تعيينه) وهو أحد أصدقائنا، وفاضل جلعوط، وهو أحد البعثيين المعروفين في الفضل، ولؤي أبو التمن وكنّا ننتظره، ويبدو أنه كان يحضر اجتماعاً حزبياً ويحمل في جيبه محضر الاجتماع وجدول المالية وأوراق ترشيح، وبعد وصوله قمنا بالتحرك، وكاتب السطور.
وكان صادق الحسني البغدادي (الحجة) قد بادر بمخاطبة من يقوم بالتفتيش بالتوقّف وأطلعه على هويته الخاصة، فما كان منه إلا أن اعتذر وتركنا لحال سبيلنا، وبدلاً من تناول العشاء والبيرة والاستمتاع بالجو الخريفي المنعش في بغداد، فقد ذهبنا كل إلى بيته. وحينها سأل شوقي شعبان، الحسني ما هذا الذي حصل؟ ومن أين لك هذه الهوّية؟ وما هي صفتك؟ ثم أضاف: لا يهمّنا من تكون ولكن إيّاك إن سخّرت علاقاتك للمسّ بالشيوعيين، وكان الحسني حتى في تلك الفترة يعتبر نفسه شيوعياً، وقد انفعل انفعالاً شديداً، وكنت أنا أسوق السيارة لإيصاله إلى بيت شقيقته القريب من بيتنا.
ولكن صدام حسين تخلّى عنه تحت مبرر “استغلال النفوذ” واعتقل في قصر النهاية لمدة 13 يوماً (خلال شهر آذار/مارس/1969 وتلك قصة أخرى، يمكن أن أروي بعض جوانبها في مناسبة ثانية، ويعرفها جيداً وبالتفصيل أيضاً لؤي أبو التمن، بحكم العلاقة المشتركة، كما اطّلع عليها شوقي شعبان في حينها أيضاً.
يتبع

نشرت في صحيفة الزمان العراقية 30/10/2017