الطائفية ذريعة ووسيلة للإمبريالية

مصطفى مجدي الجمال
2017 / 11 / 15


أيام أن أعلن السادات تأييده للجهاد في أفغانستان ضد الإلحاد (نعم قالها هكذا) السوفيتي.. كنت مستغربًا من بجاحة المنطق المغالط التابع للإمبريالية في التعامل مع المشكلة الأفغانية.. كان السادات وقتها يقول "أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة" مقحمًا الدين في السياسة، وقد كان له السبق في هذا حينما تحدث عن "دولة العلم والإيمان" وأعجبه ودغدغ مشاعره طرح البعض في مجلس الشعب بأن يتم تنصيبه "سادس الخلفاء الراشدين"..

كان هذا كله يدور في فلك الاستراتيجية الأمريكية لتحويل أفغانستان إلى "فيتنام" أخرى للسوفييت.. وبدون إرسال قوات أو معدات أمريكية، فقد تكفلت دول الخليج العربي بالتمويل، ومصر والسودان وغيرها بتوريد المقاتلين.. واهتمت المخابرات الأمريكية بالتدريب والتزويد بالمعلومات الاستخبارية..

جرى هذا في ظل استراتيجية السادات للانضواء التام في العمالة للولايات المتحدة والتي بلغت ذروتها بمبادرة زيارة القدس المشئومة وكامب ديفيد، على أمل عليل من جانبه بأن ينافس إسرائيل والسعودية وربما تركيا على دور الشريك الأصغر الأول في المشرق.. ووقتها كان الرئيس الأمريكي ريجان يستقبل "المجاهدين الأفغان" في البيت الأبيض، ويصنفهم الإعلام الأمريكي بـ "المقاتلين من أجل الحرية"، رغم اليقين الأمريكي بأن معظم هؤلاء "المجاهدين" تجار أفيون وقطاع طرق..

ولم يكن بعيدًا عن الانغماس في هذه الاستراتيجية الكونية، بل كان عنصرًا أساسيًا في المقاربة الساداتية، ذلك التحالف الكريه الذي أقامه الرئيس "المؤمن" مع جماعة الإخوان والجماعات الإسلامية أيضًا تحت إشراف الملياردير عثمان أحمد عثمان، وأداته محمد عثمان إسماعيل في الصعيد.. كما لعب حسن التهامي (أحد أتباع سيدنا الخضر!!) دورًا مهمًا في هذا بإنشاء "نادي سفاري" الاستخباري مع السي آي إيه والسعودية وإسرائيل والأردن وباكستان..

كانت خطب المساجد لا تتحدث إلا عن أفغانستان و "واإسلاماه"، ليس عن فلسطين ولا عن لبنان الذي كان يكتوي وقتها بالغزو الصهيوني والحرب الأهلية.. وتدفقت تبرعات المواطنين البسطاء بأحجام هائلة على صناديق تم نهبها وتوجيه معظمها لتمويل الجماعات المسلحة والمتاجرة بالدين.. ولم يتحدث أحد من "دعاة ومشايخ الجهاد" في مصر إطلاقًا، بل وحتى السياسيين الليبراليين الموالين لأمريكا، عن كُنه "البرنامج التحريري" لأولئك "الثوار" الأفغان.. لم يقولوا شيئًا عن نوازعهم القبلية، أو عن اعتراضهم على حظر زراعة وتجارة المخدرات ومناهضتهم تعليم البنات والتعليم المدني بشكل عام، وتحريمهم الموسيقى والفن..الخ المواقف المعادية لأبسط حقوق الإنسان وقيم الحداثة.. ولم يشر أحدهم إلى التفجيرات الإرهابية في الأسواق والمنشآت التي أزهقت آلاف الأرواح من المواطنين العاديين..

لم أكن مستريحا بالطبع للتورط السوفيتي في الصراعات السياسية والشخصية بين القيادات اليسارية والوطنية في أفغانستان، وهي الثغرة التي نفذ منها أولئك "الجهاديون".. فقد بدا لي التصرف السوفيتي تصرفًا كدولة عظمى بالأساس. لكني كنت أتساءل وقتها عن مدى الفُجْر الذي بلغته النظم العربية الوقحة في التآمر على الاتحاد السوفيتي الذي كان وقتها القوة الرئيسية الكبرى الوحيدة التي ناصرت قضايا فلسطين ومصر وسوريا والعراق واليمن وغيرها، بالسلاح والمال والتكنولوجيا والدعم السياسي على الساحة الدولية..

وبإعمال المنطق السوي أيضًا، وهو كذلك منطق المصلحة الوطنية المجردة، كنت أتساءل: إذا كان من المسلم به أن يعادي الليبراليون الاتحاد السوفيتي لأسباب أيديولوجية وطبقية فهل لم يكونوا يرون الانحياز الأمريكي الإجرامي ضد قضايانا الوطنية، وفي النهاية أدركت أن موقف الليبراليين "طبيعي" حيث كان الحرك الطبقي للبرجوازية المصرية (بأجنحتها التقليدية والبيروقراطية والعسكرية) في مخاض الانتقال السافر نحو موقع كمبرادوري (عميل/ وكيل) للإمبريالية الأمريكية..

وإذا كان الإسلاميون قد عادوا الاتحاد السوفيتي لأسباب عقيدية (في الظاهر طبعًا) فهل لم يلاحظوا أن الإلحاد يعم الفكر والمجتمع الغربي أيضًا.. جاءت الإجابة أغرب ما يكون في خطب المساجد وعلى صفحات مجلتي الدعوة والاعتصام.. قال النبهاء من قادة الإخوان والجماعات السلفية إن الأمريكان "أهل كتاب" ومن المشروع والشرعي الاستعانة بهم ضد الملحدين.. والعجيب أنهم كانوا على منابر المساجد وأشرطة الكاسيت وصفحات مجلاتهم لا يتوقفون عن الشحن الطائفي المقيت ضد الأقباط، أهل الكتاب من بني جلدتهم!!

تذكرت هذا كله وأنا أتأمل حال المنطقة الآن.. فمن الواضح أن الإمبريالية وأذيالها تحاول حل أزمتها الشاملة (خصوصًا منذ 2007) والنابعة من طبيعتها كرأسمالية مالية، خاصة أمام تصاعد القوى المستعيدة لنفسها والجديدة البازغة أيضًا في منطقة أوراسيا، ومن ضمن خططها المطبقة حاليًا تعظيم استنزاف موارد الشرق الأوسط، ذلك الذي ترى فيه "البطن الرخوة" للجنوب، وموضع الصراع- إلى جانب أفريقيا- على الموارد والنفوذ، وكذلك استدراج روسيا (وربما الصين معها) إلى أفغانستان جديدة في سوريا.. ومن أهم أدواتها الدعائية في هذا الاتجاه إثارة الصراع العبثي بين السنة والشيعة، حتى يصبح توريط النظم والمجتمعات في آتون الحرب بدعم شعبي من جماهير "مؤمنة" تسير وراء دعاة الجهاد والمفتين للأنظمة القمعية النهابة..

وسبق أثناء حرب الخليج الثانية ثم غزو العراق أن تسابق المفتون لتأكيد "جواز الاستعانة بالكفار لقتال الكفار"، حتى بلغ الفحش بأحدهم أخيرًا استحلال الاستعانة باليهود (إسرائيل) لضرب الشيعة الروافض (حزب الله). ولم لا فعن إيران قال ابن باز مثلاً: "هؤلاء ليسوا مسلمين، فهم أبناء المجوس، وعداؤهم مع المسلمين أمر قديم، وتحديدًا مع أهل السنة والجماعة". وبالطبع يمتد هذا الحكم التكفيري البشع ليشمل حزب الله في لبنان وتيارات سياسية كبرى في العراق.. ولا يمكن بالمقابل نفي أن بعض الشيعة يردون هذه "التحية" بأقوى منها..

هكذا يتقدم حثيثًا مشروع الإهلاك والتفتيت وتمزيق الدول والمجتمعات لتعظيم النهب الإمبراطوري الأمريكي والغربي عمومًا، ولحماية الكيان الصهيوني بوظائفه الاستراتيجية في خدمة الإمبريالية..

كنت أظن أن هذا صار مفهومًا، على الأقل في الأوساط التقدمية والوطنية.. إلا أنني تعرضت لصدمة كبيرة من "مفكر" فلسطيني كان مقيمًا بسوريا في السنة الأولى للأحداث فيها. سألته يومها عن موقف الفلسطينيين في مخيم اليرموك، فقال لي إن البعض يشتركون بالفعل في "الثورة" بالسلاح والتدريب وربما أكثر من ذلك.. فهالني ما سمعت وقلت له: "وأنت سعيد بتلك الحماقة من جانب حركة حماس؟ إن هذه جريمة كبرى بحق القضية والشعب الفلسطيني"..

وتوترت الأجواء بيننا بعد ذلك.. والغريب أنه حينما وقعت مذبحة "سبايكر" قرب تكريت والتي قتل فيها داعش المئات من أسرى الجنود وشباب العراق المتدربين للالتحاق بالقوة الجوية، والتي شابها الكثير من علامات التآمر والتواطؤ من جانب قادة عراقيين لوثتهم النعرات الطائفية والعرقية، وبإيعاز من المخابرت الأمريكية مقابل أموال هائلة، أرسل لي"المفكر" ذاته- ولعشرات غيري- يبشرنا بانتصار هائل لتحالف من القوى البعثية والإسلامية..

أستعيد الآن كل هذا، وأنا أرى محاولات محمومة لدفع المنطقة نحو حمام دم مريع جديد، قد تكون بؤرته في لبنان، بعدما لم يعد من الممكن التصعيد أكثر في المواقع المنكوبة الأخرى بالعراق وسوريا واليمن وليبيا. والآن تُفتح أبواب مخازن السلاح الدعائي على مصراعيها ليخرج علينا شيوخ بالفتاوى عن شرعية الحرب "الداحسية- الغبرائية" بين السنة والشيعة.. وليبراليون يتحدثون عن مطامع الملالي والحكم الديني في إيران دون أن يكلفوا أنفسهم بإلقاء نظرة على أمراء ومشايخ السعودية مثلاً.. وقوميون يتحدثون عن صراع مع الفرس..

ولما كان لبنان هو المكان المحجوز للحرب المزمعة، ولما كانت إسرائيل لا تأمن لتنامي نفوذ حزب الله وإيران والشيعة عمومًا، ومن ثم اتصال خطوط هذا الخطر القادم عليها من الشمال، وهو نفس "الخطر" الذي ترتعد منه السعودية وهو مقبل عليها من الشمال والجنوب.. فقد تقدِم هذه القوى الرجعية على أن تضع مصر أمام خيار صفري، إما معها وإما ضدها، فيما يتعلق بالأزمة اللبنانية.. وهو ما يجعل النظام المصري، بغض النظر عن تصنيفنا له، يسير على حبل مشدود، ويجعل المنطقة بأكملها أمام خطر دمار لم يسبق له مثيل.

في الختام أبدي عدم سعادتي ببعض الأقلام الشريفة التي قد تقع في الفخ عن حسن نية، فلا ترى في كل هذا الآتون سوى أن حزب الله طائفي، وأنه دولة داخل الدولة، ويجب أن يسلم سلاحه للجيش اللبناني..الخ. وبالطبع فإن هذه الدعوة مثالية، لأن الحزب المذكور لن يتنازل عن سلاحه أو "طائفيته" بهذه السهولة، ولن يتحقق هذا إلا بحرب لن تنتهي إلا ولبنان وغيره مجرد أنقاض.. كما أن النظام السياسي اللبناني كله طائفي بامتياز.. ودول الخليج طائفية.. وإيران طائفية.. وإسرائيل عنصرية.. والإمبريالية لا تعترف إلا بقيمة النهب والإبادة..

إن تصفية حزب الله (المستبعدة جدًا) لن تقضي على طائفية الآخرين في لبنان والإقليم، ولن تكون خطوة بالطبع نحو إجبار إسرائيل على التسليم بالحقوق الفلسطينية!!.. بل ستكون انتصارًا باهرًا لطائفة أو عرق أو عنصرية أو إمبريالية على ماعداها، لا أكثر ولا أقل.

ولن يتم حل الإشكاليات والمعضلات التي يطرحها المخطط، أو المخططات الجهنمية لبلداننا إلا عبر اختمار ثوري جديد.. وبالمقابل أقول إن الكثير من الحروب تنتهي بثورات أو بثورات مضادة.. وإذا وجدت القوى التقدمية والوطنية نفسها في مواجهة وضع يتصارع فيه جباران أو عَدوان فلا بد أن تتسلح بأقصى درجات الحذر، وأن تتقدم برؤية استراتيجية بديلة وحلول واقعية.