ماذا قال ماركس عن محمد علي؟

أشرف حسن منصور
2017 / 11 / 14

قد يبدو مفاجئاً للكثيرين أن يذكر كارل ماركس محمد علي باشا، وعلى سبيل المدح والتقييم الإيجابي العالي، لكن هذا هو ما حدث بالفعل. سوف أذكر نص كلمة ماركس عن محمد علي، ثم أحاول البحث في دلالاتها بالنسبة لنظرية ماركس في التحديث.
تعليقاً على تحالف روسيا مع إنجلترا وفرنسا في إنهاء سيطرة محمد علي الخارجية والتي كانت تشكل تهديداً لتركيا، يقول ماركس عن محمد علي أنه كان: "الرجل الوحيد الذي كان قادراً على إحلال رأس حقيقي محل العمامة التركية الفخمة" التي تغطي رأساً لا يفكر. كما أن مصر في عصر محمد علي كانت "العنصر الحيوي الوحيد في الإمبراطورية العثمانية" القادر على إنقاذها من تدهورها.
ما هو السبب في هذا التقييم الإيجابي العالي لمحمد علي، ومن ماركس نفسه؟ الحقيقة أن ماركس كان يتبنى النظرة الغربية للتحديث، والتي تنص على أن دخول أي مجتمع في العصر الحديث لا يتم إلا بالتصنيع، وأن تصنيع أي مجتمع لا يمكن أن يحدث إلا بالقضاء على الطبقات التي تعيقه، من إقطاع وأرستقراطية. محمد علي في نظر ماركس يمثل تجربة ناجحة في التصنيع والتحديث، نظراً لنجاحه في القضاء على الإقطاع المملوكي من جهة، وإصلاحاته العسكرية والإدارية التي استطاع بها التفوق على تركيا، التي كانت آنذاك ترزح تحت الامتيازات الإقطاعية، وكان جيشها لا يزال تقليدياً يعتمد على بقايا نظام الإنكشارية القديم.
فعلى الرغم من أن ماركس من أهم نقاد الاقتصاد السياسي البورجوازي، إلا أنه ظل محتفظاً بالرؤية العامة التي حملها هذا الاقتصاد، والفكر السياسي الغربي بوجه عام، عن التحديث.
لكن تقييم ماركس الإيجابي لمحمد علي يكشف في الوقت نفسه عن قناعته باتجاه أوروبي في التحديث، يرى في التصنيع طريقاً أوحد للتحديث، ويرى في التحديث حتمية تاريخية اقتصادية يجب أن تتجه إليها كل المجتمعات وإلا تعرضت للتلاشي أو الابتلاع من قبل مجتمعات أخرى. ولا فارق هناك في طبيعة القوة الاجتماعية التي تعمل على التصنيع، فالمهم هو أن يحدث، حتى ولو كانت هذه القوة سلطة أوتوقراطية وغير ديمقراطية. ترجع هذه الفكرة عن حتمية التصنيع باعتباره الطريق الأوحد للتحديث حتى ولو بقوة سياسية أوتوقراطية إلى السان السيمونيين، وتأثر بهم ماركس، والذين تعاون البعض منهم في مشاريع محمد علي وفي مشروع حفر قناة السويس.
هذه النظرة إلى حتمية التصنيع والتحديث بأي قوة سياسية حتى ولو كانت أوتوقراطية، ورثتها الكثير من الاشتراكيات التالية على ماركس، حيث لجأت هذه الاشتراكيات إلى السلطوية في تصنيع مجتمعاتها، ومن هنا الارتباط بين الاشتراكية والأنظمة السلطوية طوال القرن العشرين، ذلك الارتباط الذي كان مدخلاً لنقد الاشتراكية على يد الاتجاهات الليبرالية، ابتداء من فون ميسز وهايك وفريدمان.
Marx, The Russo-Turkish Difficulty. Ducking and Dodging of The British Cabinet. Nesselrode s Last Note (12 July 1853). Marx/ Engels Collected Works, vol. 12, p. 195.
Marx, War in Burma. The Russian Question. Curious Diplomatic Correspondence. (15 July 1853). Marx/ Engels Collected Works, vol. 12, p. 203.