ضرورة قيام الإتحاد العام للعلمانيين السودانيين

سعد محمد عبدالله
2017 / 11 / 12

لقد كثرت الأحاديث في منابر شتى حول مسألة بناء الدولة العصرية القابلة للبقاء والتطور في السودان، خاصة في ظل تداخل المشكلات السياسية والإقتصادية وعدم تأسيس الدولة علي منهج ومشروع سياسي وفكري يحقق التوازن التنموي بين المدينة والريف ويدير التنوع اللوني الثقافي وتعدد المفاهيم وتباين الأراء في الشؤن السودانية ويضمن حقوق سائر البشرية بالتساوي دون فرز ولا تمييز.
كثرت التجارب السودانية التاريخية القديمة والحديثة والمعاصرة، وكانت الدولة تتشكل توا بمشروع ثم تزول وتقوم علي حطامها دولة آخرى بمشروع آخر، وهكذا توالت عليها المتغيرات منذ عهد الممالك إلي العهد الحديث والمعاصر، فبرغم هذا الإرث الضخم والمتنوع في الشكل والمضمون، لم يتمكن السودانيين من إستخلاص نظام سياسي وإجتماعي قابل للبقاء والتقدم لتحقيق النهضة الوطنية.ثمة حقائق لا بد من الوقوف عليها في هذه المرحلة التي نسعى فيها لتشكيل دولة السودان الجديدة، والحقيقة هي (علمنة الدولة)، ولكن الكثيرون تم حجبهم عن هذه الحقيقة بالتشويش المقصود لمفهوم الدولة العلمانية، إذ اننا نواجه الخلط المفاهيمي بين العلمانية كمشروع سياسي وفكري لإصلاح المجتمع ونظام الحكم في الدولة وبين ما تبثه الجماعات الإسلاموية من مفاهيم تقليدية تناقض واقع العالم الذي تقدم بعد تعلمنه، وعليه يجب علي العلمانيين إنتاج خطاب جديد وإبتكار وسائل عديدة لإيصال رسائل تنويرية تزيل الإلتباس القائم.
فمن أجل تحقيق التغيير لا بد من إصلاح وتصحيح مسارنا التنويري أولا قبل الشروع في تفصيل تفاصيل التغيير، وطبقا للضرورة وعلي مسار التطوير والتحديث نقدم مقترح بناء كيان موحد يضم جميع العلمانيين ليقود المرحلة الراهنة.

1/ الضرورة السياسية لقيام الإتحاد العام للعلمانيين السودانيين: الوضع السياسي المزري في البلاد هو من إنعكاسات سياسات النظام الحاكم، ويحتم علي العلمانيين جميعا بحث طرائق الإتحاد وتوحيد الرؤية السياسية تجاه القضايا الجماهيرية المصيرية، والعمل علي إنتاج وسائل متعددة للدفاع عن حقوق الإنسان السياسية والمدنية وعلي رأسها إيقاف الحروب السياسية وفك الحريات وإطلاق سراح معتقلي الفكر والرأي وإعادة فتح مراكز التوعية والتنمية البشرية وكذلك تبني قضايا الريف السوداني ووضع مشروع بناء دولة ديمقراطية لا مركزية تحقق العدالة في قضايا السلطة والثروة.

2/ الضرورة الإجتماعية لقيام الإتحاد العام للعلمانيين السودانيين: عندما تتوقف عملية التعلمن عند التغيير السياسي الفوقي ولا تصل إلي عمق المجتمع فهي موعودة بالفشل وستكون كالنماذج السابقة، والتغيير الحقيقي هو الذي يمس مفاهيم المجتمع ويجعله في وضعية الإستعداد لتطبيق ما ينتج عن ثورته في سلوكه ونظرته لقضاياه العصرية والمستقبلية، وهذه مهمة شاقة لكل دعاة التحرر سواء في السودان او غيرها، فالتشكيل السايكلوجي للمجتمع علي الأسس العلمانية وعلي قيم الحرية والسلام والديمقراطية له أرضية خصبة في بلادنا إذا نظرنا لأنماط الحياة في السودان، فالسودانيين بطبعهم المألوف يميلون للحرية والسلام ويفضل الكثير منهم إنصاف العلم في تحليل وإدارة شؤن الحياة رغم الترويج الإعلامي في الإتجاه الآخر لصالح دولة المشروع الحضاري، وهذه النقطة تسوقنا إلي ضرورة فض الإلتباس المفاهيمي لمشروع بناء المجتمع العلماني.

3/ الضرورة الثقافية لقيام الإتحاد العام للعلمانيين السودانيين: تلوح علي السطح مسائل الثقافة والهوية السودانية، وهي من الأشياء المهمة في الحضارة الإنسانية الكونية علي مدار الأزمنة، والدولة السودانية متنوعة الثقافات ولم يتمكن السابقون من رسم هويتها وانقسم الناس إلي مدارس كثيرة منها ما هو افريقي ومنها ما هو عربي، وحتي في تنوع الأديان إنقسم الناس بين الإسلام والمسيحية والمعتقدات الآخرى، ولكن حسم الدكتور جون قرن هذه المسائل برؤية بناء الدولة السودانية المتنوعة وقال في ذلك (فلنتقبل انفسنا كسودانيين أولا، وقبل كل شيئ العروبة لا تستطيع توحيدنا، الأفرقانية المضادة للعروبة لا تستطيع توحيدنا، الإسلام لا يستطيع توحيدنا، المسيحية لا تستطيع توحيدنا، لكن السودانوية تسطيع توحيدنا)، وفي واقع السودان الحالي نجده وطن متنوع الثقافات وبالتالي تكون السودانوية هوية الجميع، ويتحقق ذلك في قيام دولة المواطنة والديمقراطية التي تساوي الجميع في الحقوق والواجبات وتساويهم امام مؤسسات الدولة وفي الإعلام وفي ممارسة حرياتهم الثقافية دون قيد.

4/ الضرورة العلمية لقيام الإتحاد العام للعلمانيين السودانيين: للعلمانية تعاريف مختلفة ومن اقرب تعاريفها (العلمانية بفتح العين وتعني العالم والعلمانية بكسر العين وتعني العلم) وكلاهما لا يتقدم دون الآخر، فالعالم الذي نعيش فيه لا يمكن إدارته من خارج وعاء العلم،والنهضة العالمية التي نشاهدها اليوم لم تأتي من خارج العقل البشري الذي أنتج العلوم والمعارف وسائر الحضارات الإنسانية منذ ملايين السنيين، وعندما وجدت البشرية علي كوكب الأرض في الماضي السحيق، بدأ الإنسان حياته بمحاولات إستخدام عقله للبحث عن حاجاته وتطور في إستكشاف مخزون الطبيعة من حولنا، ولكنا نعيش في بلد جل العلماء تجدهم اما في المنافي او السجون، والإهتمام بهؤلاء سينتج مشاريع علمية كثيرة تساعد علي بناء الدولة العلمانية، وهم يمثلون الرافد الوحيد الذي يروي العقول وينمي المجتمع ويصنع الإزدهار، ولكنا نلاحظ معاداة التيارات الإنكفائية للعلم وتلاحظ ذلك في عدم تطوير المنهاج العلمية وعدم الإهتمام بالبحث والتخطيط الإستراتيجي لكافة اوجه الحياة، وهذا لن يقودنا إلي مواكبة العصر الحالي ولا التقدم مع الأمم إلي الغد الآتي.

* الختام: الضرورة تلح إلي قيام الإتحاد العام للعلمانيين السودانيين ليس فقط للأسباب التي ذكرناها اعلاه، ولكن لإحداث نقلة كلية للسودان من الأسفل إلي الأعلى، وهذا الإتحاد يمكن أن توضع له مشاريع تستوعب حتي من هم في الإتجاه الآخر، فطالما السعي لبناء دولة تحترم حقوق الإنسان وتطبق الديمقراطية والعدالة الإجتماعية بين سائر مكونات الشعب فللآخرين حقوق وحريات تضمنها الدولة العلمانية بموجب الدستور والقانون.ربما يتسائل البعض عن أنواع العلمانية بالنظر إلي الدول التي تطبقها، والرد علي هذا السؤال يكون بمراعاة إختلاف وتباين الخصائص الثقافية والإجتماعية والسياسية للشعوب، فما هو في الولايات المتحدة الأمريكية يختلف عن ما هو موجود في جنوب إفريقيا وفي تركيا او هولندا او في بريطانيا، لذلك نراعي هذا الإختلاف، وندعوا لخطاب علماني سوداني موحد يعالج الوضع القائم في بلادنا ضمن مشروع فكري وسياسي وإجتماعي بثوابت العلمانية دون إستنساخ التجارب والأخذ بالمتغير.


سعد محمد عبدالله