السعودية ورقصة الانتحار

عدنان الصباح
2017 / 11 / 12

عادة ما يسعى الساسة الحكماء الى تصدير أزمات بلادهم الى الخارج عبر افتعال الصراعات او النزاعات او حتى الحروب الخارجية فأفضل الطرق لدى الساسة هو صناعة عدو خارجي لتوحيد الجبهة الداخلية وهذا العدو يجب ان يكون النزاع معه قابلا لتوحيد الجميع من خلف مبتكره او صانعه كالملك او الزعيم أيا كان وهي الطرق الاكثر سهولة لدى السلطات الديكتاتورية والقمعية او الرأسمالية لصرف أنظار جمهورها عن أفعالهم بطريقة او بأخرى ومنها الاستعداء القومي او الديني او الطائفي او حتى وهو الأهم الاستعداء بهدف النهب والسيطرة على الثروات مما يدفع بالشعب للاعتقاد بإمكانية الخلاص من ظروف الفقر والعوز بالسيطرة على مقدرات وخيرات الغير العدو وهي وسيلة عرفها التاريخ منذ تشكلت التجمعات البشرية الجنينية بما في ذلك الصراع على صيد الطعام البدائي في الغابة.
هذه الحقيقة المعروفة في الف باء السياسة " تصدير الأزمات الداخلية الى الخارج " يبدو أنها غائبة كليا عن عقلية الأسرة الحاكمة في الجزيرة العربية وهي تصنع سياستها الداخلية وحتى الخارجية فهي قد تكون استطاعت النجاة بفعلتها في العراق بالتحالف مع الولايات المتحدة وقوى النهب الغربية لاستباحة خيرات العراق وأهله وتدمير البلد الذي كان من المفترض له ان يكون حليفا لبلد عربي يتشابه معه في التركيبة السكانية وغيرها وهي أيضا قد تكون استطاعت ذلك بشيء من النجاح بدعم تدمير ليبيا ودعم تردي الأوضاع في مصر وحتى في سوريا التي سعت لتدميرها وفشلت في ذلك حتى اللحظة, وافتعال أزمة مختلقة مع اكبر حليف سياسي واقتصادي مثل قطر بلا مبرر حقيقي سوى تأزيم حال المملكة في وقت هي أحوج ما تكون به للحلفاء.
لكن ان تفتعل السعودية بنفسها حربا طائفية في اليمن بين السنة والشيعة في محاولة للإضرار بإيران ومشاريعها المعادية للامبريالية في المنطقة وان تقوم بحرب أمريكية بالإنابة تزج بها بلادها مباشرة ومعها مصر البعيدة عن التأثير المباشر لهذا الطاعون الطائفي الذي تريد له لأمريكا ان يستشري في منطقتنا لصالح مشاريعها اللصوصية, ان السعودية بذلك قد جاءت عمدا بالنار الى قرصها كما يقول المثل العربي وهي التي أعلنت عن بناء جدار يفصلها عن اليمن بطول 2000 كلم عام 2013م عادت لتقتحم طول البلاد وعرضها وهي تدرك ان ما نسبته حوالي 15% من مواطنيها هم من الشيعة الذين يتعاطفون قطعا مع أبناء معتقدهم ويلاقون تمييزا واضحا تجاههم من السلطة الحاكمة بشكل او بآخر, هذا يعني ان إعلان الحرب على الشيعة في اليمن وتجييش الجيوش باسم قوات التحالف دخول مباشر للبلد نفسه في حرب مع جار تساعده كل الظروف على الصمود أطول فترة ممكنة وتجعل من بلادها عرضة لكل النيران بما فيها نيران الداخل التي قد تأتي من أبناء المعتقد الشيعي نصرة لأبناء معتقدهم او من الفقراء الذين تشير الإحصاءات الغير رسمية بحذر الى ان اقل نسبة لهم هي 20% من السكان وبالتالي فان حكم النقمة مرتفع ضد حكم آل سعود الذين يعتمدون في بسط سلطاتهم على القوة المالية التي تنهار أمام الجوع والفقر والقوة العسكرية التي تنهار أمام الدفاع عن المعتقد والعدد الضخم للعشيرة الحاكمة والتي يقال ان عدد أفرادها قد يصل الى 25 الف نسمة والمنتشرة ومتنفذة وممسكة بزمام الأمور في كافة مناطق المملكة.
الاعتماد على الثروة في بسط نفوذ الحكم يصبح بلا قيمة حين تتركز هذه الثروة بيد الحاكمين وبطانتهم بشكل فاحش مع استمرار ظواهر الفقر والعوز بين أبناء الشعب وهي قاعدة أسقطها حكم آل سعود في بلادهم التي يحكمونها بالجهل والخوف للناس والبذخ والغنى الفاحش والمفضوح لأبناء أسرتهم, وقاعدة القوة للسيطرة أسقطها حكام آل سعود بافتعالهم حرب مباشرة في اليمن ضد أصحاب عقيدة يؤمن بها 15% من أبناء شعبهم الذي يحكمون وبذا فقد فتحوا البوابات لجهنم في عقر دارهم, وقاعدة كسب الأصدقاء والحلفاء أسقطوها بافتعالهم الأزمة مع قطر, وأخيرا فان الاعتماد على قوة العشيرة صار مهددا بعد الخطوات الغير محسوبة التي قام بها ولي العهد السعودي ضد قطاعات واسعة ومؤثرة من أبناء عشيرته التي كان من المفترض ان يشكلوا درع الحماية له ولحكمه, وبذا تكون السعودية قد رقصت رقصة موتها بيدها عمدا وبغباء لا يمكن لمن يعرف الف باء السياسية ان يرتكبه.
على حكام آل سعود اليوم ان ينتظروا نتائج رقصة الانتحار التي بدءوها فعادة ما يرقص العقرب طالبا المتعة وهو يدري ان الموت ثمنها او ان ينتحر لادغا نفسه بالخطأ حين تسد من أمامه الطرق رغما عنه أما ان ينتحر عاقل بإغلاق كل أبواب النجاة بوجه ذاته عمدا فهو فعل لم يفعله على الأرض سوى فاقدي الأهلية للحياة قبل الحكم.