ناجي التكريتي يسرد أيامه في جامعة كمبردج الذاكرة تتعلم الحكمة من الصمت

شكيب كاظم
2017 / 11 / 10

قرأت من كتب الأستاذ الدكتور ناجي التكريتي، روايته (مزمار نوار) الصادرة عن دار الرشيد التابعة لوزارة الثقافة والإعلام عام 1400-1980، كذلك روايته (يوم جديد) طبعتها الاولى الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد، عام 1990، وعندي نسخة من كتابه المعرفي المهم (الفلسفة السياسية عند أبن أبي الربيع) الذي كان حياً أيام الخليفة المستعصم بالله العباسي أخر خلفاء بني العباس، مع أن هناك من يجعله عائشاً أيام المعتصم العباسي، ورسم الأسمين متقاربين مما أوقع النساخُ الناسَ في الوهم والابهام، مع تحقيق كتابه (سلوك المالك في تدبير الممالك) كما قرأت كتابه (أوجاع في طريق الأبداع) الصادرة طبعته الاولى عام 2009 عن مركز دبي ومكتبة الغفران، وهو أقرب الى السيرة الذاتية للمؤلف، لا بل هي شذرات والتماعات من سيرة الدكتور ناجي التكريتي، كما أنجزت قراءة كتابه السيري الجميل، الذي يحكي أيام درسه في جامعة كمبردج البريطانية لنيل درجة الدكتوراه بالفلسفة، بعد أن حصل على الماجستير من جامعة الاسكندرية بمصر، بأشراف الفيلسوف المفكر علي سامي ألنشار، الكتاب الذي أنا بصدد الحديث عنه وتقديمه للقراء يحمل عنوان (شخوص من ذاكرة كمبردج) والعنوان ثريا النص، والهادي الى سبيله، وهو عبارة عن سرد موجز لسيرة العديد من الشخوص الذين مروا في حياته الدراسية في كلية (أما نويل كوليج) بجامعة كامبردج أيام الدرس والبحث للحصول على درجة الدكتوراه، وقد شاء المؤلف تقسيم الكتاب الى أربعة أقسام، خصص القسم الأول للحديث عن العراقيين، وجعل الثاني للعرب، فيما أحتل الانكليز أبواب القسم الثالث من الكتاب، في حين كان الرابع من حصة الاجانب من غير الأنكليز.
يمهد الاستاذ الدكتور ناجي التكريتي لأقسام كتابه الأربعة، بالحديث عن جامعة كمبردج وأنطباعاته عن الشعب البريطاني: ومكوناته الاربعة: الأنكليز والأيرلنديين والويلزيين والأسكتلنديين فيصفهم بالجدية والاخلاص وأحترام الوقت، وتقديس المال العام وممتلكات الدولة، لأنهم يعدونها وجدت لخدمتهم وتمشية أمور حياتهم. وهم ملتزمون بالنظام الى درجة تثير الذهول، كنت الاحظ أن الأنكليز يصطف أحدهم خلف الأخر، أمام دار سينما، أو أمام باب مطعم، أو في دخول مكتبة عامة، من دون أن يزاحم الأخر، ومن دون أن يقفز من جاء متأخراً ليدخل قبل الاخرين، يطبقون هذا حتى لو كان المطر يسقط فوق رؤوسهم، كل واحد يعرف حقوقه ولا يعتدي على حقوق الأخرين، وهذا السلوك تعوده منذ الصغر، بتوجيه من أباء وأمهات يعرفون ماذا تعني الحقوق والواجبات..ص20 كما انهم لا يكذبون ولا يسرقون، وسلوك الشرطي الأنكليزي الذي لا يحمل مسدساً ولا هراوة، مثال رائع لمجتمع راق.
وصل ناجي عباس التكريتي الى كامبردج يوم 15/3/1967، قادماً من مدينة الاسكندرية بعد حصوله على الماجستير من جامعتها، وغادرها في 15/ من أيلول/ 1970، بعد أن أكمل متطلبات الحصول على درجة الدكتوراه، بأشراف أستاذه المستشرق المعروف بروفسور أرثر جون آربري وإذ يتوفى آربري خريف عام 1969، فأن المستشرق الالماني الشهير دكتور إروين روزنتال يتولى الاشراف على أطروحته، هذه الجامعة العريقة التي تأسست في القرن الرابع عشر الميلادي على نهر الكام، حيث بنوا جسراً ليربط ضفتي النهر وليؤسسوا كليات زادت على الثلاثين كلية خلال القرون السبعة من عمر الجامعة، التي أخذت أسمها من النهر والجسر المبتنى عليه لتكون جامعة كمبردج أرقى جامعات الدنيا، ولا تكاد تضارعها منزلةً ومكانةً سوى جامعة أكسفورد البريطانية وجامعة هارفارد الامريكية.
الاستاذ ناجي التكريتي يسرد ذكرياته أيام الدرس، وما علق بالذاكرة عن زملائه العراقيين، حبيب الظاهر، البصري الطيب الذي أنتهى به المطاف موظفاً في مصفى الدورة، والموصلي حاتم وحيدة الذي إختص بدراسة الآثار، وكذلك الموصلي عصام الخياط، ونجل المشرف الاختصاصي والمربي الرصين الأستاذ أيوب صبري، وشقيق أستاذي الدكتور جلال الخياط الناقد المعروف، الذي طواه الموت في لندن عام 2004، وكان لنا شرف التلمذة على يديه في كلية آداب الجامعة المستنصرية في العام الدراسي 1973-1974 الذي دَّرسَنا أصول النقد الأدبي وعبد الأمير الاعسم، الذي درسنا وقتاً قليلاً في العام الدراسي 1974-1975 خلفاً للدكتور الشاب المتخرج حديثاً نمير العاني، الذي أثارت أراؤه في الفلسفة المادية حفيظة بعض الزملاء، فشكوه لرئيس القسم الاستاذ حميد مخلف الهيتي، وما هو إلا شهراً وبعض شهر حتى غادرنا استاذ الفلسفة الاعسم ليحل محله الاستاذ الدكتور صالح الشماع، الذي أهدى التكريتي كتابه هذا إليه، تحية أخوة عزيزة صادقة صافية، لكن الدكتور ناجي يسجل بعض المآخذ على سلوك الاعسم تجاهه، والذي كنت أقرأ دراساته الرصينة التي ينشرها في الملحق الثقافي لجريدة (الثورة) السورية الذي يصدر كل يوم ثلاثاء، أيام تحولي للعيش في سورية الرائعة عامي 2007 و 2008، وما زلت احتفظ بالعديد من هذه الدراسات.
خامس العراقيين من زملاء ناجي التكريتي، الدكتور سنان الشبيبي، نجل السياسي والاديب المعروف محمد رضا الشبيبي، (1306-1325 هـ/1889-1965) والذي يشغل حالياً منصب محافظ البنك المركزي العراقي، الطالب الذي درس الاقتصاد، والذي كان يصفه ناجي بان سناناً يقرأ يومياً خمساً وعشرين ساعة!! لأنه لفرط جده وأجتهاده يستدين من اليوم التالي ساعة واحدة!! وينقل لنا الاستاذ ناجي واقعة قرأتها في أكثر من موضع، إذ كان المرحوم الشبيبي في ضمن اعضاء الوفد العراقي المتوجه الى الحجاز لمقابلة شريف مكة الحسين بن علي بن عون الهاشمي، كي يوافق على تنصيب نجله فيصلاً ملكاً على العراق وبعد الحاح الوفد عليه اطلق الشريف زفرة حرى من صدره، ونادى بلهجة أهل مكة.
- يا عيال... نادوا فيصل. وإذ يأتي فيصل يخاطبه الأب قائلا
- يا فيصل.. هؤلاء العراقيون يدعونك أن تكون ملكاً على العراق، والله يا فيصل سيعمل العراقيون بك وبأهل بيتك كما فعلوا بجدك الحسين وبأهل بيته! وقد حقت نبوءته.
كما يورد الدكتور ناجي التكريتي طريفة على لسان الدكتور سنان، أن أباه كان عام 1964 يحضر جلسات مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وصادف أن طلب مقابلته شاعر وطن تشيده الجماجم والدم تتهدم الدنيا ولا يتهدم، ولست أدري أي وطن مسكين هذا الذي تشيده الجماجم والدماء، بدل العقول النيرة والسواعد المتينة، والأذواق الراقية، رجا مقابلته ليعرض عليه احدى قصائده العصماء!! ويقرأ هذا: وما ضابط إلا سيبلى بأضبطِ، فما كان من المرحوم محمد رضا الشبيبي إلا أن رفع كفه وأشار الى الشاعر بوجوب التوقف قائلاً له:
- إبني هذا مو شعر...هذا شعير.ص46
وكان لهذا الشاعر الشعيري أخ ضابط برتبة عالية، يطلع علينا إسبوعياً من على جريدة القادسية بشعر له بالشعير ألف رابطة وآصرة!!
في القسم الثاني من كتابه يتحدث الدكتور ناجي التكريتي عن ما مَرّ في حياته بكمبردج من العرب فيحدثنا عن الليبي محمد ذهني ابن مدينة درنة المطلة على ساحل البحر الابيض المتوسط، والمصري الشيخ أحمد العسال، أحد قيادات حركة الأخوان المسلمين الذي انتهى المطاف به للعيش في مدينة بيشاور الباكستانية، والسوداني ياسين النجومي، والاديب الشاعر اللبناني المعروف خليل حاوي، الذي حصل على الدكتوراه بأطروحته عن أدب جبران خليل جبران، وينقل لنا احاسيسه وفجيعته بهزيمة الخامس من حزيران عام 1967، والذي إنهى حياته باختلاف الروايات صيف عام 1982 اثر الهجوم الاسرائيلي على لبنان ووصوله الى بيروت، باطلاقة في جبينه مع اني قرأت رأياً يشير الى مقتله بطلقة طائشة أصابت جبينه.
كما يسرد التكريتي ذكرياته عن الحجازي خالد الشريف، الذي عين رئيساً للجامعة الاسلامية بمكة بعد إتمام دراسته.
وينقل لنا طريفة عن القطري حسن النعمة المولع بالشعر، والذي طلب مقابلة الشيخ المسؤول عن التعليم في قطر وقتذاك، لينقل له رغبته بالدراسة، إذ لو قال له أريد دراسة الأدب والشعر لما وافق ولأجابه بان لدينا شعراء كثيرين، واستعمل التورية ليقول:
- حي الله الشيخ أريد ان أصير دكتوراً، ففرح الشيخ ووافق فوراً قائلاً له:
- هذا خبر جيد يا حسن لاننا نحتاج الى طبيب.ص72
لكنه ينقل لنا رأياً غير إيجابي عن الفلسطيني نبيل شعث، الذي لم يكن دارساً في كمبردج بل يذهب اليها للقاء صديقه العراقي عبد الله الكاكاوي، كان يبدو متعباً متهالكاً، وأذا جلس تبدو عليه الذلة والمسكنة، وكان الطلبة العرب يعطفون عليه فيسقونه الشاي والقهوة وكثيراً ما سقاهما إليه، ((حين تشكلت اول حكومة فلسطينية، ظهر اسم نبيل شعث وزيراً للخارجية، قلت مع نفسي، ان الفلسطينين قد وضعوا الرجل المناسب في المكان المناسب، لان السياسيين الاسرائيليين، يفتقرون الى القيم ويفتقدون الصدق في التعامل، فلا بد ان يقابلهم ند مثلهم...))ص80.
كان لابد للدكتور ناجي التكريتي، وهو يسرد ذكرياته في كمبردج، الخاصة بالانكليز بعد حديثه عن العراقيين أولاً والعرب ثانياً، ان يخص استاذه المشرف على اطروحته بروفسور آرثر جون آربري المستشرق المعروف، والذي اوصاه استاذه ايام دراسة الماجستير في جامعة الاسكندرية الدكتور علي سامي النشار، ان يواصل الدكتوراه تحت اشراف آربري، النشار الذي أعده ثالث ثلاثة يشكلون الاثفية التي توضع عليها مناهج الدرس الفلسفي في مصر الى جانب أبو العلا عفيفي، والدكتور متعدد القابليات والمواهب عبد الرحمن بدوي، ومن صور عشق ابو العلا عفيفي للدرس والتدريس، إنه بعد ان عتا العمر به وتقاعد، ظل يذهب الى جامعة الاسكندرية، وإذ يسأله احد الاساتذة البلداء،
- استاذنا انت لا تحتاج الى نقود، لماذا لا ترتاح وتتوقف عن التدريس؟
فأجابه أبو العلا عفيفي:
- أنا لا احتاج النقود يا بني، ولكن بمجرد ان ادخل الكلية اشعر انني ما زلت حياً!! ص44
وإذ يموت بروفسور آربري خريف عام 1969، يواصل ناجي الدرس باشراف المستشرق الشهير الدكتور روزنتال الالماني اليهودي الهارب من البطش الهتلري، الذي يبدأ حديثه مع الطالب ناجي، قائلاً:
- إسمعني جيداً.. أنا يهودي وانت عربي مسلم، اود ان اخبرك ان العلم علم وانا منذ هذه المقابلة سأكون المشرف على رسالتك، لا تنسى ان تكون مُجَّداً، لانك طالب دكتوراه من جامعة كامبردج.ص93
لكن الانكليز لصرامتهم، ولعلها عنصرية، لا يرشحونه لرئاسة القسم خلفا لآربري، فيحز هذا في نفسه، كونه المانياً، لكن يخفف عن نفسه وطأة ذلك قائلاً للطالب ناجي:
مشيراً الى مؤلفاته القابعة في مكتبته
- هذه فقط ستبقى!! ص94
في القسم الرابع من الكتاب الخاص بالاجانب من غير الانكليز يحدثنا الدكتور ناجي التكريتي، عن حبيبة العمر، نورا، التي كتب عنها رواية تحمل الاسم ذاته (نورا) امتدت الى سبع مئة صفحة، بدون ان تبل صدره وتخمد النار المستعرة في حنايا روحه جراء المصير الذي آل اليه هذا الحب، الذي انتهى بالفراق، لقد كنت متعاطفاً مع تلك الفتاة النرويجية كاري جولا أنجلسون، الذي اسماها تحبباً وتغنجاً بـ(نورا) وهو يسرد علينا الساعات العاصفة بكل اللواعج، الساعات الاخيرة قبل الفراق الابدي، وتأرجح نورا بين كبت عواطفها وامتلاك زمام نفسها، ومن ثم انفلاتها وانغمارها بنوبة بكاء عاصفة معاتبةً إياه: أيهون عليك ان تتركني وحيدة في بلد غريب؟ ماذا سأعمل؟ كيف أتصرف؟ ليس لي أحد غيرك؟ وناجي لا يُحِر جواباً لقد أخرسه هول المصير، واسكته سيل الدموع.
ترى- وقد جاء سؤالي متأخراً جداً- لماذا لم يتزوج ناجي بها ولا يتركها نهباً للعذاب والضياع والتشرد وربما.. للجنون؟.. لماذا استمر على علاقة مع فتاة كان يرى انها لن تدوم وتتوج بالزواج؟ ولماذا نترك لغرائزنا ان تتسيد على الجانب الروحي فينا؟ لماذا نلبي جموح الجسد ونئد ترانيم الروح...؟
لقد بقيت اتعاطف مع نورا، واتعايش معها مطلقاً لخيالي العنان في تصور ساعات الفراق تلك، حتى مع مضي وقت لا بأس به على قراءتي لهذا الفصل، الذي توقفت عنده، وما واصلت قراءة بقية الفصول، إلا بعد ان هدأت نفسي وعادت اليَّ روحي... ترى أين هي الان نورا، الفتاة النرويجية، كاري جولا أنجلسون؟!!