تأملات فى مؤتمر الشباب بشرم الشيخ

عبدالجواد سيد
2017 / 11 / 10

تأملات فى مؤتمر الشباب بشرم الشيخ
لاشك أن مؤتمر شرم الشيخ للشباب كان مهرجاناً عالمياً للشباب بكل المقاييس ، ولاشك أيضاً أن إستغلاله لتلميع الحاكم كان عملاً سخيفا بكل المقاييس ، عفى عليه الزمان ، لكن ، وكما هو معروف ، فإن حزب فرعون لايكل ولايمل من النفاق. مع ذلك فليس هذا هو الموضوع ، الموضوع أهم من ذلك ، مع ملاحظة أن الأمور تظل نسبية ، فما يراه بعضنا هاماً ، يراه البعض الآخر ليس كذلك ، والسؤال الهام الذى طرح فى المؤتمر على الحاكم ، عن لماذا لايؤسس حزباً سياسيا ، وإجابته بأنه يفضل أن يتعامل مع الشعب مباشرة ، وأن يحظى بثقته مباشرة هو فى رأيى أهم سؤال، فهو السؤال الذى يمكن من خلال إجابته أن نقرأ عقل الحاكم ونستكشف مصير مصر المجهول.
بدأت مأساة مصر الحديثة مع إلغاء مؤسسات الدولة فى عهد عبد الناصر سنة 1954 ، الدستور والأحزاب ، والنقابات والإعلام ، وخلق مؤسسات شكلية بديلة ، بينما تركزت كل السلطات فى يد فرعون الجديد. بناء مؤسسات الدولة الحديثة ليس عملاً سهلاً ، ولايتم فى يوم وليلة أو حتى فى أشهر وسنين ، ولكن فى عقود وأجيال ، وهذا ماحدث فى عهد أسرة محمد على من تجميع كل السلطات فى يد المؤسس فى مرحلة التأسيس ، ثم بداية توزيع الثروة والسلطة تحديداً مع عهد إسماعيل ، حتى ثورة 1919 ودستور 1923 ونشأة مصر الحديثة على مسرح التاريخ ، بمؤسساتها وأحزابها ونقاباتها وإعلامها ونهضتها الإقتصادية ومجتمعها المدنى المستنير. كل هذا أطاح به جمال عبدالناصر فى لحظة سنة 1954 ، بحجة تحرير العامل والفلاح من ظلم الإقطاع والإقطاعيين ، ومن هنا تحديداً ، بدأت رحلة العودة إلى عصر سلاطين المماليك وبدأ إنهيار مصر الحديثة تدريجيا ، ومع ذلك فقد حافظ جمال عبدالناصر على شكليات الدولة المدنية الحديثة من خلال حزب مدنى واحد أطلق عليه تسمية الإتحاد الإشتراكى العربى ، تبعاً لظروف ذلك الزمان ، وعلى نفس الدرب سار أنور السادات فبينما ركز كل السلطات فى يده فقد أنشأ ماأسماه بالحزب الوطنى وسمح بإنشاء أحزاب شكلية فى مواجهته ، وعلى نفس الدرب سار حسنى مبارك ، مع مساحة أكبر من الحريات ، لكنا هنا ومع النسخة الرابعة من حكم الضباط ، نجد أنفسنا فى مواجهة النسخة الأشرس فى الواقع؟
منذ البداية جاء السيسى إلى الحكم وفكرة عسكرة الدولة ماثلة فى ذهنه، وبصرف النظر عن ظروف الإرهاب ، فقد رفض الحكم فى ظل برنامج أو حزب سياسى رفضاً قاطعاً ، رغم أنه قد جاء على أكتاف ثورة طالبت بالحرية من الدولة الدينية ، وتاسيس للدولة المدنية ، وكان هذا هو دوره فى التاريخ ، إعادة مصر دولة مؤسسات مدنية مرة أخرى ، كما توقعنا منه أن يفعل ، فكانت النتيجة على غير التوقع ، تصفية تامة للحياة المدنية والسياسية بحجة ظروف الإرهاب ، تصفية لمؤسسات المجتمع المدنى ، إعلام موجه ، تضييق على الحريات السياسية والدينية ، فى تحالف غير معلن مع مؤسسة الأزهر الرجعية ، إصرار على الحكم بدون حتى واجهة مدنية ، سيطرة للمؤسسة العسكرية على الإقتصاد ، الإنفراد بالقرار وتغييب الرأى العام عن المشاركة السياسية ، ليس إعادة تأسيس لمصر الحديثة ، ولكن قضاء تام عليها ، وإخماد لأنفاسها الأخيرة ، وحيث أنه لانهضة ولامستقبل بدون دولة مؤسسات ، فقد كان ذلك السؤال هو أهم سؤال ، وكانت الإجابة هى أسوء إجابة فى تاريخ مصر الحديث