عُبّادُ الوثن … عشّاقُ التماثيل

فاطمة ناعوت
2017 / 11 / 9

عُبّادُ الوثن … عشّاقُ التماثيل
===============

ما الفارقُ الذهنيّ بين "الوثنيّ" عابدِ الأصنام، وبين مَن يثيرُ شهواتِه تمثالٌ من الرخام؟ وما الفارقُ الفلسفيُّ والفنيّ بين رجل يعشقُ تمثالَ امرأةٍ فيحطّمه مخافةَ أن تُغويه، وبين "بِجماليون" النحّات العظيم الذي نحت تمثال امرأة جميلة، ثم وقع في غرام التمثال فتوسّل إلى الآلهة أن تدبَّ فيه الروحُ، حتى يضاجعه، فاستجابت الآلهةُ لتوسلاته؛ وصار الحجرُ امرأة فاتنةً، كما تقول الأسطورة الإغريقية؟! لنُجيبَ عن تلك الأسئلة، علينا أن نعود إلى تعريف المفردات السابقة.
الوثنيُّ: يؤمنُ أن هذا الوثن، أو ذاك، مما يقفُ أمامه الوثنيُّ أو يركعُ رافعًا صلواتِه ودعاءه، ليس تمثالا أصمَّ، بل هو إلهٌ حيٌّ مدرك لما يدور حوله، وإن كان من الحجر. يؤمن الوثنيُّ أن الوثنَ يسمعُ الصلواتِ ويجيبُ الدعاءَ. كذلك الآخرُ، الذي يُحرّم التمثالَ لأنه يثيرُ شهوتَه، ما هو في الواقع إلا عاشقٌ للحجر. يؤمن أن التمثال الرخامي إنسانٌ حيٌّ في صورة امرأة مُثيرة، أو رجلٍ مثير. ومن ثمّ، إذا ما وقف أمامه يتأمله؛ سوف تُستثارُ مكامنُ الشهوات في جسدِه، وربما قضى وطرَه على حوافّه الرخامية!
الأمرُ إذن تخطّى مرحلةَ الرجعية والتشدّد وحتى محاربة الفنون، ليدخل في منعطف شديد الخطورة. إنها العودةُ، ليس إلى عصور البداوة والتصحُّر، بل إلى أبعد من ذلك وأوغل. إنه التقهقرُ إلى عوالم الوثنية الأولى، قبل نزول الرسالات، حيث عِشْقُ الحجر أو الخوف منه، (وكلاهما وجهان لعملة واحدة). عبادةُ الحجر والرعبُ منه؛ عِلّته الذهنية هو الإيمانُ بأن الصخرَ حيٌّ وليس جمادًا، وأن الحجرَ يشعرُ بما نشعر، ويُرسل لنا رسائلَ فننفعل؛ ليس بمكامن الجمال والفن الرفيع، مثلما نحن الأسوياء، إنما بمكامن الغرائز البهيمية الدُّنيا، غير المنضبطة! أولئك الذين يُحرك غرائزَهم الحجرُ، عيونُهم ليست في رؤوسهم، مثلما نحن البشر، بل في مكانٍ آخر سُفليٍّ، جعله اللهُ لقضاء الحاجات البيولوجية الدُّنيا. والعجبُ كلُّ العجبِ أن أحدًا من أولئك الذين يُستثارون من حجر، فيطالبون بمنعه عن عيون شبابنا، ظنًّا آثمًا منهم أن شبابنا يشبههم، حاشاهم، لم يُندّدوا بتجريد امرأة من ثيابها في جنوب مصر، وسحلها عارية! ولو حتى من باب مخافة إثارة الشهوات، إن لم يكن من باب النخوة والتحضّر والرجولة والإنسانية! كيف ولماذا؟ لأنهم عشّاقُ الحجر شأنهم شأنَ الوثنيين.
وكأنهم لم يرحلوا عن سمائنا. مازالوا يحتلّون الأمكنةَ ويخترقون الرؤءوس، كما فيروس نشطٍ لا تقوى عليه أمصالُ العالم! وكأن ثورةً لم تشتعل لتُطيحَ بهم. الإخوانُ الإرهابيون مَن أعني. كأنني أتذكّر اليومَ نفسَ ما قاله أحدُ أعضاء حزب النور المظلم، أيام حكم العياط، عن فنّ الباليه الراقي، مُلقٍيًا غُثاءه: “الباليه فنُّ العُراة"!!! يومها هاتفتني صديقتي الباليرينا النحيلة وسألتني باكيةً: "هو احنا فعلا لما بنرقص باليه بنكون مثيرات للشهوات؟" فأجبتها: "لا يا صديقتي، أنتنّ كالفراشات التي تثير الزهورَ فتُطلق الشذا من حولنا، وتنثرُ الجمال والعطر." أولئك الوثنيون هم السبب وراء إحجام طلاب كليات "الفنون الجميلة" عن دخول قسم النحت. فانظر وتأمل كم نحاتًا مدهشًا، خسرتهم مصرُ، كان يمكن أن يحصدوا لمصر الجوائزَ الدولية في مسابقات العالم المتحضر!
أما "بجماليون"، فمن الظلم البيّن أن نعقد مقارنةً بينه وبين عُبّاد الحجر والرخام. على الأقل لأن بجماليون نحّاتٌ عظيم، حتى وإن كان ابنًا لأسطورة فنية تشيرُ إلى خلق الحياة من العدم. أما أولئك فهم أبناء الأساطير الوثنية، الذين لم يخفقوا فقط في تقديم شيئًا عظيمًا للإنسانية، إنما يعملون على هدم ما قدّمه العظماءُ للإنسانية، من فنون عظيمة، عابرة للأزمان والأمكنة، هي فقط، التي صنعت حضارة الدول المتحضرة، وجعلتها في مصافّ العالم الأول، ذاك الذي ننظرُ إليه بحسرة، ونتأسّى على حالنا بين عبدةِ الأوثان.
يا مَن رزقكم اللهُ بإنجاب البنات: علّموا بناتكم فنَّ الباليه. علّموهنّ أن يكُنّ فراشاتٍ رشيقاتٍ تصفعُ بأجنحتها الملونة وجوهَ الغربان الذين يكرهون الجمالَ، ويشتهون مضاجعةَ التماثيل.