الحداثة والدين وتمايز مجالات القيمة

أشرف حسن منصور
2017 / 11 / 9


تقوم الحداثة على مبادئ كثيرة متنوعة، ومن أهمها مبدأ تمايز مجالات القيمة Value Differentiation. يعني هذا المبدأ أن يكون لكل مجال قيمي استقلاله الذاتي وحدوده التي يتحرك داخلها، بحيث لا يتعدى على المجالات القيمية الأخرى ولا يحكم عليها، ولا يستخدم قيمه للحكم على مجال آخر. هذه المجالات القيمية هي السياسة، والأخلاق، والاقتصاد، والدين، والفن، والعلم. كل مجال من هذه المجالات له قيمه الحاكمة له، ولا نستطيع أن نحكم عليه بقيم لا تنتمي لمجاله، وفي حالة حدوث ذلك تختلط القيم ببعضها ويفسد حكمنا عليها ويصير غير موضوعي.
وعندما نتخذ من القيم الداخلية لمجال ما مبدأ للحكم عليه، نكون قد صنعنا من هذه القيم الداخلية معايير للقياس Norms داخل هذا المجال الواحد. فمجال الاقتصاد مستقل بقيمه، مثل الكفاءة في استخدام الموارد وتوفير أكبر قدر من السلع مما هو متاح من موارد، وتنمية القدرة الإنتاجية لشعب ما...إلخ؛ وبالتالي فلا نستطيع الحكم على الاقتصاد بمعايير السياسة أو الدين أو الأخلاق أو الفن، بل نحكم عليه بمعاييره هو والمستمدة من قيمه هو. وكذلك الحال بالنسبة للسياسة، إذ يجب أن نحكم عليها بمعيار النجاح والفشل السياسي، أو الكفاءة وعدم الكفاءة السياسية، ولا نحكم عليها بمعايير من خارجها، مثل المعايير الاقتصادية أو الجمالية أو غيرها. وفي المجال العلمي لا يمكن لنا أن نحكم على النظريات العلمية بمنطق لا ينتمي للعلم، مثل المنطق الديني أو الأخلاقي أو السياسي أو الاقتصادي؛ وسبب مواجهة الكنيسة للعلماء في بداية عصر الحداثة أن الكنيسة كانت تحكم على العلم بمنطق الدين، ومن هنا يأتي التكفير، وهذا هو ما عانى منه كوبرنيقوس وجاليليو، وما عانى منه علم التشريح في بدايته من جراء تحريم الكنيسة لتشريح الجثث بدعوى قداسة جسم الميت.
كذلك لا يمكن الحكم بمنطق الدين على الفلسفة ولا يمكن الحكم على الفلسفة بمنطق الدين، وهذا هو ما حاول ابن رشد إثباته في كتابه "فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال"، إذ قام بأول محاولة للفصل بين المجال القيمي للدين والمجال القيمي للفلسفة بمعايير مستمدة من داخل كل مجال، ودافع عن استقلال الدين داخل مجاله واستقلال الفلسفة داخل مجالها، وبذلك كان ابن رشد إرهاصة للحداثة، لكن إرهاصة مجهضة.
وكذلك الحال بالنسبة للفن، فلا يمكن الحكم على الفن بمنطق الدين، ونضعه في ثنائية الحلال والحرام أو الكفر والإيمان، لأننا بذلك نقحم على المجال الفني معايير ليست منه ولا تنتمي إليه، بل معايير الفن هي الجمال والاتساق الداخلي والانسجام والقدرة التعبيرية...إلخ. وسبب تكفير الإسلاميين للفن أو لبعض الأعمال الفنية هو أنهم لا يستطيعون تبني مبدأ تمايز مجالات القيمة، لأنه مبدأ حداثي عن جدارة، في حين أن الإسلاميين لم يمروا بمرحلة الحداثة من الأصل. كما يرجع السبب في توسع المنطق الديني وتغلغله في كل ثنايا الثقافة واحتلاله لمساحات متزايدة الاتساع من المجال العام إلى أن مبدأ تمايز القيم لم ينجح في الترسخ في مجتمعاتنا، من جراء فشل عمليات التحديث، وعدم المرور بمرحلة الحداثة من الأصل.
كما يستند مبدأ الفصل بين الدين والسياسة أو الدين والدولة على مبدأ تمايز مجالات القيمة، وبدون الفصل بين المجال القيمي للدين والمجال القيمي للسياسة لن يكون الفصل بين الدين والدولة ممكناً. والفصل الأول بين المجالات القيمية هو الشرط المسبق والضروري للفصل بين الدين والدولة. فلا يمكننا أن نطالب بالفصل بين الدين والدولة إلا بناء على حركة ثقافية واسعة وعميقة، تقوم بتفعيل مبدأ التمايز القيمي من أسفل، أي من المجال الثقافي والفكري والفني والعلمي، قبل أن ننقلها إلى المجال الأعلى وهو المجال السياسي.