الثقافوية / اسئلة سارتر

سلام كاظم فرج
2017 / 11 / 8

سؤال سارتر ما الأدب؟؟ يثير جملة من التحفظات ويؤسس لمنظومة من القيم الجديدة تصب في صالح اليسارالعالمي.. الادب عند سارتر لايكون ادبا ان لم يكن ملتزما بقضية الحرية . وكل أجوبة سارتر انما هي جوابه على سؤاله هذا.. وكل إجابات المفكرين الذين عاصروه والذين سبقوه والذين أتوا بعده انما هي جواب لسؤاله الخالد هذا.. غرامشي يرى ان مهمة المثقف الأولى ان يكون مثقفا عضويا.. وبهذا ينبغي ان نميز بين المثقف العضوي والمثقف اللاعضوي.. تتسع المساحة في معرفة معنى المثقف العضوي.. لتشمل الاديب والمفكر والسياسي والمعلم والصحفي والعامل والفلاح وكل من يقرأ ويكتب بشرط ان تكون ثقافته ينبوعا لتكريس النضال صوب الحرية..وصوب منظومة تعمل من اجل الانسان ومستقبل الانسان,, فليس كل مثقف مثقفا عضويا.. بل ان هناك جمهرة من المثقفين يكرسون كتاباتهم وجهدهم من اجل دفع عجلة التقدم الإنساني الى وراء. ويخلقون العقبات بوجه من يسعى لخلق كتلة تاريخية فاعلة تنهض بالبشرية صوب مرافيء العدالة الاجتماعية والصدق والحب والجمال والارتقاء.. ان المراحل الحيوانية التي مرت بها البشرية احتاجت الى مثقفين عضويين وفي مختلف العصور كانوا مجاهدين حقيقيين ومناضلين اشداء من اجل رفعة الانسان.. ولكي نعرف المثقفين العضويين وفق ازمنتهم وعصورهم علينا ان نحاكم عصرهم قبل محاكمتهم لنرى هل كانوا دافعين جيدين لعجلة الرحلة صوب الحرية الى امام ام معرقلين لها.. سارتر يتناول الحاضر والمستقبل.. وغرامشي يتناول الحاضر والمستقبل.. وحده ماركس وزميله انجلز من تناولا الماضي من اجل المستقبل.. ومن خلالهما عرفنا ما تعنيه المادية التاريخية وجوهر حراك التاريخ الإنساني . من خلال فهم العلاقة بين وسائل الإنتاج واساليبه وبين الأفكار التي تتبلور وتتطور لتؤسس حقبة جديدة.(تطور وسائل وأساليب الإنتاج . يقابله تطور المعرفة الإنسانية ). وعليه ان نقد الماضي من خلال ما وصل اليه الحاضر ينم عن جهل مطبق بأصول رسالة المثقف العضوي..ومن يفعل ذلك يشبه الولد الذي يطلب مصروفا هائلا دون ان يعلم شيئا عن الجهد الذي بذله ابواه من اجل الحصول على كمية المال الذي بين أيديهم او الولد الذي يستنكف من ميراث اجداده دون ان يعي انه ما وصل لهذا لولا أولئك المكافحين من اجل الغد..رولان بارت الناقد الماركسي أسس لمفهوم رائع في نقد الادب والكتابة والقراءة عموما.. هنا ينبغي ان نتعرف على معنى ومدلولات ما عناه رولان بارت في كتابه ( الكتابة عند درجة الصفر..).. وكتابه هذارأيت فيه ردودا تقدمية جدا لسؤال سارتر.. وشرحا يختلف فيه اختلافا جذريا مع سارت رغم اتفاقهما على الهدف الرئيس الحرية.. سارتر الوجودي وكل الماركسيين المتحمسين للتجربة السوفيتية بنكهتها الستالينية يرون ان الادب لايكون ادبا ان لم يكن ملتزما بقضايا الشعوب والنضال ضد الامبريالية.. من هنا شاع الصراع بين فريقين مهمين.. فريق يساري يرى ان الفن من اجل الحياة . وفريق يميني يرى ان الفن من اجل الفن.. رولان بارت اليساري ورغم اتفاقه على ان الادب والفن من اجل الانسان لكنه ميز بين أنواع من الادب والفن والقراءة.. وابتكر نظرية في النقد عظيمة,, تلك هي الكتابة عند درجة الصفر.. بمعنى ان من حقك ان تكتب من اجل الانسان.. ولكن ما هي قدراتك ومواهبك وعبقريتك. ما هي حدود امكانياتك لكي تكون روائيا او شاعرا او فيلسوفا.. من حقك ان تكتب فالحرية هي المعيار في رسالة كل اليساريين.. لكن هل تكفي الحرية وحدها.. لمنحك لقب المفكر او الشاعر او الاديب او المترجم؟؟ وضع بارت معايير لتقويم الكتابة تبدأ من الكتابة عند درجة الصفر وتنهي عند اعلى درجات الابداع في الادب والفن.. ان تكتب مثلا.. الشعب يحتاج الى الخبز والحرية. ويحتاج الى التعليم والرعاية الصحية. فأنت كاتب ثوري وتقدمي لكنك ما زلت في مرحلة الصفر في الكتابة.. ويمكنك ان تكتشف المسافة بينك وبين غيرك عندما تقرأ لدستوفسكي او تقرأ قصيدة لشيلر او عملا لشكسبير.. بمعنى لا يكفي ان يكون الشاعر ثوريا لكي نطوبه شاعرا كبيرا.. فالإبداع لا يعرفه الا النقاد الكبار. رامبو الذي توفي في منتصف العشرينيات من عمره.. احدث ثورة في الشعر الفرنسي لانه مبدع.. تقييم الكتابة وفق رولان بارت يشبه الدوائر التي يحدثها سقوط حجر في الماء.. هناك مستويات مختلفة في التقييم تبدأ من الدائرة صفر لتنتهي الى عمق الدوائر الأخرى... عالم اللسانيات التوسير... يفرق بين مفهومين في الكتابة او القراءة او النطق.. هناك مسافة متوازية القطبين بين اللغة والكلام.. اللغة شيء يمكن دراسته بصورة مستقلة.. في حين ان الكلام لايوفر إمكانية لذلك.. فالحكي غير متجانس في حين ان اللغة اكتسبت تجانسا عبر عصور تشكلها وانتقالها من محاولات الحكي الى منظومة متفق عليها عند مجموعة بشرية ما.. ومن خلال ذلك نستطيع ان نتعرف على اقتراب كاتب ما من امساكه بنواصي لغة ما.. من عدمه..الكاتب الذي يعرف لغة ما..غير لغته الاصلية يحتاج ان ينفق كل عمره لمعرفة أعماق تلك الدوائر كلها التي تحدث عنها رولان بارت.. من اجل ذلك قيل ان ترجمة الشعر خيانة. وترجمة القرآن خيانة.. نحتاج الى مترجم عبقري يعرف كل زوايا لغته ومنعطفاتها الصلبة والرخوة.. إضافة الى معرفته باللغة المترجم اليها وكل زوايا تلك اللغة التي استضافته وكل منعطفاتها الرخوة والصلبة..

الترجمة ليست سلق بيض.. سيما ان كنت مترجما لكتاب خطير مثل القران الكريم..