يوميات ناب كافكا وعزاء زينب

هاله ابوليل
2017 / 11 / 7

لم أكن أعرف حساسية الناب الشديدة قبل تلك اللحظة والتي بدت لي معدومة الوجود نظرا لأفعاله المشينة التي قام بها و منها سرقة أسناني وملابسي والتحكم بحياتي وحبسي بالبيت بحجة أن الكلب الذي يعض وصاحبه الذي يضع نياشين على أكتافه , يركضان ورائي لأصاب بالسعار .
ولم تكن ضحكتي الإستفزازية على باروكة الشعر المخيفة التي كان يلبسها الناب لسوء صناعة الباروكة المدهشة أو لرأس الناب المدبب الذي كان يبدو ككرة تنس تافهة بل كانت ضحكتي هي أن
هذا الناب يعيش الحياة بكامل الآعيبها و يريدني أن اصدق درامتيكية الحياة المبتعثة في مخيلته ,
يبتدع حضرته الخطط الحربية في التخفي والهروب و كأنه أرهابي قديم بل ويصر على تحويل حياتنا إلى نوع من الدراما الكوميدية والإثارة الحركية
يحبسني في البيت و ينطلق خارجا لكي يكمل حفلة التخفي والهرب والمطاردات بحجة أنه أنا الذي يتعرض للمؤامرة والمطاردة ,
ولا أعرف كيف نبت لهذا الناب الذي نام لسنوات في فمي كل هذا الذكاء الدرامي , لذا جاءت ضحكتي بحجم مقدرته على التمثيل , وعندما شعر بأنه زاد من جرعته في التشويق
جاء غضبه مكافئا لحجم ضحكتي الإستفزازية .
هذه الضحكة الطويلة جدا بطول نهر دجلة والفرات , كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقولون ,
فقد أدار لي الناب ظهره ولم يكلمني منذ ذلك اليوم , وها قد مضت ثلاث ليالي بلياليها و هو صامت , يرتشف قهوته ويلبس ملابسه و يغلق الباب بالمفتاح ويذهب ليمارس حياته خارجا
بدوني وأنا هنا رهين المحبسين محبس السجن بالبيت ومحبس الضجر والملل و الترقب والخوف
وعندما احتججت على هذا التصرف
قال ببرود مفتعل: إنك تمارس حياتك الطبيعية
وفهمت إنه يقصد مادام يمارس حياته فإذا أنا أمارس حياتي
وفهمت أيضا إنه يتمدد على عشب الحديقة وعيناه تسافران في الفضاء الحر الأزرق مثل حالم بريء بالحب أو عازف أوكورديون جوال يتجول في الطرقات يرسل أشجانه إلى الناس بموسيقى الحزن القادم
مقدما لهم وجبة موسيقى كونية لقاء دراهم يلقيها المارون إستحسانا في قبعته المنفوخة مثل رعاة البقر الأمريكي لكي يحظى بوجبة عشاء ساخنة و سيجارة ملتهبة بأشواق رجل ضل طريقه إلى مركز الكون بدون حبيبة ولا وطن ولا ذكريات .
فإذن وعلى ما يبدو علي أنا أيضا أن أتخيل إني أجلس تحت قبة السماء ممددا بملابس الرياضة, على أرض العشب المندى مثله أحصي عدد النجمات التي سأهديها لحبيبتي- التي لا يراها جميلة لأنها تكبرني بالعمر بسنوات عجاف ويوجد على أنفها نمش كثير مزروع بلون أشقر , لم تبدده سنوات عمرها الماضيات . فالفكرة إنه مادام يمارس حياته , فأنا أمارس حياتي
هو حر طليق و أنا سجين محبوس بين جدران باهتة سوى نافذة الله وشرفته تلك التي تجعلني أرى الناس والحيوان والشجر و الحجر ولوحة كبيرة مرسومة بحبر الماضي - بها كل عائلتي التي ماتت , يتقافزون حولي في الأمسيات الباردة ,ليسردوا لي حكم الماضي وتجاربه وكأن ليس لي أي تجارب علي أن ارويها .
يا للبؤس الحاصل .
في الحقيقة أنا لا أفهم فكرته ولا كيفية تناوله لها
هل يفكر بنفس الطعم الذي للزبدة و الفوتشيني و حراق أصبعه عندما يأكلها من المطعم السوري الذي بجانب الناصية هناك , وأنا هنا لا أجد سوى رغيف خبز يابس و جبنة بيضاء تعفن سطحها الخارجي
هل تتشابه حياته السخية بحياتي المتقشفة
هل هذا عدل
اصرخ بالجدران مرة أخرى :" هل هذا عدل !!

اسمع صوت أمي تهرول إلى المطبخ , فأركض حيث ركضت ثم أجدها في الصورة قد تخاصمت مع أبي وتركت لوحته وجلست في لوحة أخرى وهي تحمل أبنتها سلوى – الطفلة الأولى التي أنجبتها في بداية زواجها ولها معزة عظيمة في قلبها كما كانت دوما تبوح بذلك لتثير غيرتنا .
كانت سلوى اختنا البكر وكانت تكبرني بعشرين سنة و لكنها في الصورة فتاة شقراء ذات وجه طويل وقد كبرت وتزوجت من شاب سوري كان يدرس بجامعة بغداد كطالب مبتعث من حزب البعث , تزوج من أختي بمباركة من أبي الذي كان رئيسا للحزب المشترك بين البلدين خلال سنوات دراسته وعندما أنهى التدريس أخذها إلى الشام حيث سكنت في الشام القديمة , وأنجبت أربعا من الصبيان و ثلاثا من البنات الجميلات موسومات بجمال خاص يليق بجمال بنات الشام و ملامحهن الدقيقة – الناعمة , جميعهن متن في قذيفة سقطت فوق بيت أحداهن , وكن قد لجأن لبيتها البعيد خوفا من القصف .
أما أختي زينب التي فجعت بموت بناتها الثلاث , فقد ماتت في قارب لاجئين على شواطىء ايطاليا , حيث أقنعها أحد أولادها بالهرب معه و ماتوا في قارب مطاطي غير مؤهل للإبحار
وهكذا سمعت صوت أمي تولول وتنوح بعد أن خرج الناب وتركنا وحدنا . قائلة :ط لقد تأخرنا كثيرا علينا أن نقول للجميع كيف ماتت زينب !
وجدتها قد حملت طفلتها الصغيرة زينب و اقامت لها بيت للعزاء و طالبتني باحترام بيت الأجر , فجلست أوزع القهوة السادة و التمر على المعزين الذين كانوا يفدون إلى بيتنا من ثقوب المفتاح , وكنت أجلس صامتا بين المعزين الذين كان أغلبهم من نساء متشحات بالسواد , كنت أبدل شريط القرآن كلما انتهى المرتل من تلاوة سورة البقرة , وفي كل مرة اسمع الأيات التي تحرض على ضرب النساء و اهجروهن بالمضاجع والمطلقات والمطلقين والزاني والزانية ,والنساء يطالعنني من وراء أغطيتهن المنسدلة على وجوههن ,ويبتسمن لي خفية .
و كأنه لا يوجد في القرآن سورا جميلة سوى سورة البقرة التي فيها التهديد والوعيد , فقررت بعد انتهاء مراسم العزاء تجهيز أشرطة قرآن لا تباع إلا لدور العزاء و لا يوجد بها سوى سورة الرحمن مكررة
وبأي الآء ربكما تسبحان .

ها قد مضت ثلاث أيام وانتهى بيت الأجر وخرج المعزين واعتزلت والدتي في غرفتها حزنا على ابنتها التي ماتت في عرض البحر وقد التهمها حوت كبير تاركا قاربا مطاطيا غير مؤهل يبحر لوحده في عرض البحر
كان سيأخذها بعيدا عن الحرب الدائرة في الشام والتي نجهل فيها قاتلنا أو عدونا فعندما يختلط عليك الأمر و لا تعرف من القاتل و من المقتول و من الشهيد ومن المجرم
فأنت في حرب أهلية ظالمة وغير عادلة هدفها بالنهاية الجلوس على الكرسي أو التمسك بالكرسي وبالنهاية يموت الكثير من الأبرياء من اجل عروش الكراسي .
وهكذا فقدنا إبنتنا الكبيرة و بقيت أمي المكلومة تنوح وتبكي غربتها منذ سنوات النكبة التي أردت والديها على شواطىء عكا و لجأت للعراق مع عمها وأولاده , حيث كبرت وتزوجت والدي الذي مات بدوره في حرب غزو "العاهرة بابل التي كانوا يريدون لها أن تشرب كأس الزؤام كما يوصي تلمودهم والعهد القديم المقدس .
في الحقيقة كان قرار والدتي فجائيا وهي تجهز الكراسي والتمر والماء والقهوة لفتح بيت العزاء لإبنتنا زينب التي ماتت منذ ثلاث سنوات . فما الذي جعلها تتذكر موت زينب , وفي هذا التوقيت بالذات .

تعجب الناب أيضا من مراسم العزاء التي فتحت في البيت ولكنه بقي صامتا وغاضبا منذ تلك الضحكة الإستفزازية , لا يكلمني ولا ينظر بوجهي وكأني شخص لا وجود له ,عديم الفائدة وهلامي و بدون ظل على الأرض .
وأن بدت حركاته غير مبالية . مما جعلني أذهب إلى صورة العائلة - على الجدار البارد الذي كان ينبض حزنا على موت أختي زينب , وأحدق بذكرى العائلة التي مات كل أفرادها
ولم يبق سواي وحيدا يكلم نفسه مثل كافكا في عزلته .

وكأن أبي قد شعر بحزني فإذا به ينتصب شامخا - في الصورة واقفا بشموخ جندي محارب شجاع لم يمت في فراشه مثل النساء بل استشهد في الحرب كما كان يتمنى دوما
موجها كلامه للناب المنزعج من فوضى البيت وكأنه شخص كامل الأهلية وكامل العضوية في نسبه لشجرة عائلتنا - مما جعلني أخاف من أن يثبت نفسه كعضو في أسرتنا
نحتفل بعيد ميلاده و عيد زواجه و نقيم له بيت للعزاء عند موته .
قال الجنرال المحارب للناب الضئيل بحزم أن يكف عن التذمر متابعا بحكمة محارب قديم يجيد إلقاء الوصايا الوجودية .

,دماء كثيرة تراق على عشب هذا الوطن ولا أحد يترحم عليها , فعدونا منا و فينا و كل واحد فينا يعشعش عدوه بداخله ويتغذى من أحقاده .
هو عدو لنفسه , بجهله و أنانيته , وعدو لغيره بحقده وغيرته وظلمه وطغيانه .
وبالنهاية نحن نخلق الأعداء لأنفسنا لنشعر بقيمة ذواتنا المفككة .
فلا بد لك من عدو لكي تقول " انظر .أخيرا, لقد هزمنا أعداءنا وإسترحنا , ثم لا ننفك نبحث عن عدو جديد لنمارس عليه لعبة الشجاعة الوهمية
نعم
نحن نحتاج لعبارات مثل تلك لنشيّد مملكتنا الوهمية من القوة والشجاعة التي نفتقدها .
كنت أنظر للناب الذي سقط من فمي واستطال وصار بحجم برميل دائري يدور بي و يدور و يدور و يريد أن يودي بي إلى حافة الهاوية , حيث مصيرنا المحتوم بالسقوط الأزلي .
وأقول بسري : هذا عدوي - الذي خلقته لنفسي لكي أدافع عن وجودي المزري في برميل القذارة الذي يسمى الحياة .
يا الهي , ما ارخص الإنسان عندما يكون عدوه هو ذاته الناقصة .
يبحث عن عدو مفترض ليكتمل
رمقني الناب بنظرة حيرى , وكان مصرا على أن أرى نظرته تلك , عينان صغيرتان غائمتان مليئتان بالثقوب , وإن لم افهم مغزى تلك النظرة
و لكني عرفت إنه يقرأ أفكاري - كالعادة -و يحللها .

كان والدي مازال يقف في الساحة مستعرضا مهاراته الخطابية
ثم إستدار ناحيتي بوجهه المدور المنفوخ بأنف متضخم مثل بقية رجالات بغداد المشهورة
إستدار برتبة جنرال نسي ضحكته في جيب معطفه قائلا :"

لا عليك ياولدي بما فعلته أمك , لقد فعلت عين الصواب و إبنتنا زينب تستحق جنازة تليق بموتها .
فالأمهات - و إن كنت لا أؤمن بمقولة الجنة التي تحت قدميها , فقد مر علي نساء ساقطات , تخجل جهنم من إستضافتهن في حريقها , ولكني يا ولدي
أؤمن بحقيقتين كل واحدة منها راسخة البنيان في عظم الأمهات و لا يمكن نكرانها
الحقيقة الأولى :" أن الأمهات لا يمكن لهن نسيان ذكرى أولادهن الذين ماتوا ودفنوا في القبر مهما مر عليهن الحول والدهر , فكيف تنسى الأمهات أولادهن ممن لا قبر له يضمه مثل أختك زينب التي ذهبت طعاما للأسماك .
والحقيقة الثانية أن النساء لا يمكن لهن نسيان من ظلمهن في الحياة . وسكت وكأنه ينتظر ردا .
وعلى ما يبدو أن والدتي كانت تتسمع لكلمات زوجها الصادقة , وخاصة إنه ظلمها في كثير من الأوقات , فزاد نحيبها وعويلها , مما جعل أبي يخجل من بكاءها المرير
ويختفي من الصورة .