هذا ما قاله الشيخ لأبي

محمد الذهبي
2017 / 11 / 6

هذا ما قاله الشيخ لأبي
محمد الذهبي
كنت صغيرا وكنت انزوي دائما في مجالس الكبار لأسمع ما يقولون، كان ترتيبي مع اخوتي الرقم (احد عشر)، لم اسبق سوى الاخير الذي يصغرني باربع سنوات، لي من الاخوات ستٌ ولي من الاخوان خمسة كنت سادسهم، طرق الباب فهرعت بحسب القاعدة بأن صغير القوم خادمهم، ففتحته ووجدت عمامة بيضاء وشيخاً بدت ملامحه جميلة ومرتاحة، لم يمسه التعب كما مس والدي ، دخل الشيخ وجلبت له الشاي وجلست استمع الى حديثه، فبعد ان اورد كما من الاحاديث بان البنات هنَّ جُنة من النار، اي انهن حاجز منها اذا ماتزوجن بعمر صغير، وربين تربية مستقيمة، بعمري ذاك لم ادرك سوى اربعٍ من اخواتي فالأثنتين الكبيرتين كن قد تزوجن قبل ولادتي، قال الشيخ لأبي، وبحسب مارواه من حديث ان الفتاة اذا حاضت ببيت ابيها، فسوف يساءلُ مساءلةً كبيرة يوم القيامة، وبعد فترة زمنية بسيطة تفرقن اخواتي، تزوجن بسرعة، وانا لم اكتم حنيني الى احداهن، وبكيت بعد ان تزوجت بكاء مراً، كانت تعطف عليّ اكثر من امي، وكانت تنتظرني قرب المدرسة لتحملني على ظهرها، فالمسافة من المدرسة الى البيت كانت طويلة جدا، حرصت ان اذهب صباح اليوم التالي لأراها واقيم منذ ذلك الوقت نصيحة الشيخ، فعدت وانا العنه واسبه واصرخ وامي قريبة مني: ( كلها امن الشيخ، هوه خلّاها اتروح)، حاولت ان تقنعني بالصمت لاننا في طريق عام، وان الفتاة بيتها الحقيقي بيت زوجها، ولكنني كنت اثور كالبركان بين آونة واخرى، جاء مساء اليوم التالي، جلست بمفردي قرب الفانوس النفطي، وتذكرت ( رشاد البر) الذي نجلبه انا واختي يوميا من الأراضي الشاسعة قربنا، كانت قمة في الحنان، مالت الشمس قليلاً فهرعت تمسكني من يدي: ( يلّه محمد راح اتصير دنيه اغروب).
لم اعتد على فراقها، وكنت اجبر امي بالذهاب اليها تقريبا في الأسبوع ثلاث أو أربع مرات، وكل مرة اعود ثائراً وانا العن الشيخ (كلها امن الشيخ)، حتى اشتريت دراجة هوائية، فصار الطريق سهلاً، وكنت الزائر الدائم حتى اعتدت فراقها اخيرا ، انا متأكد ان شيخ الجامع زرع بذهن والدي مفهوما خاطئاً، وان ضحيته كانت واضحة للعيان، الحرمان من المدرسة للبنات، وتزويجهن بسن مبكرة جدا، وعذري في هذا الامر انني كنت صغيراً، لكنني لم اجد العذر لمايقوم به النواب حاليا باعادة عجلة الحياة الى الخلف، فانت حين تزوج الفتاة بسن مبكرة ستصادر اولاً حقها في التعليم، وتصادر حقها في اختيار شريك حياتها، فاما ان يكون وديعا فتكون قد سلمت الجرة، واما ان يكون متعبا فيتعب العائلة جميعها، وعلى اختلاف مراحل الحياة سوف تنهمك العائلة بمشاكل لا اول لها ولا آخر، لا اريد لشيخ الجامع الذي نصح والدي ان يجلس في البرلمان ثانية وينصح النواب بالتصويت على تزويج القاصرات، ولا اريده ان يكون سببا في تعاسة فتيات العراق، كما اراه في زينب ابنة جارنا، تزوجت صغيرة، وهي الآن تسحب جيشا من الاطفال وتبدو في العقد الخامس وهي بعد لم تتجاوز الخامسة والعشرين من العمر، تذكرتها وهي طالبة صغيرة بشرائطها البيضاء، وانا انظر الى اطفالها تصطحبهم الى بيت ابيها بمنتهى الاهمال والتعب، اطفال متسخون ومرضى وام متعبة وهي بعد صغيرة، هذه لبنة المجتمع الذي تريدون بناءه ايها السادة، كلما نظرت الى زينب لعنت شيخ الجامع الذي نصح أبي.