هل تذكرون الدكتور محمود عزب؟

فاطمة ناعوت
2017 / 11 / 3

هل تذكرون الدكتور محمود عزب؟


لا أدري لماذا تذكّرت ذلك الرجل النبيل، حين أرسل لي إمامُ مسجد "فاطمة الزهراء" بالبحر الأحمر، يطلب مني عمل أي شيء يُحسّن الصورة السيئة التي أخذها مسيحيو مصر، والعالم، عن المسلمين عمومًا، وعن رجال الدين الإسلامي على وجه الخصوص. إمام ذلك المسجد اسمه الشيخ "محمد خليل جاد"، وسوف أفردُ له مقالا مستقلا الأسبوع القادم بإذن الله، حتى تندهشوا معي مما يفعل من أجل نُصرة الإسلام عن طريق إشاعة المحبة والتوادّ والتراحم، لغير المسلمين.
وأما بطل مقالي اليوم، النبيل الذي تذكّرته، وإن لم أنسه يومًا، فهو العظيم د. محمود عزب، أستاذ الحضارات الإسلامية واللغات السامية، ومستشار شيخ الأزهر السابق لشؤون الحوار بين الأديان. هذا الرجل الموسوعي النظيف الذي درس اللغات الآرمية والسريانية والحبشية وحصل على الدكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية، وعمل استاذًا بها. أدرك الرجلُ بفطنته أن ما ينقص العرب هو "ثقافة الحوار"، لهذا كان حلمه أن يقدم "فقه الحوار" كمادة مستقلّة تُدرَّس ليس فقط في جامعات مصر، بل كذلك في مدارسها؛ حتى تكون جزءًا من التركيبة الذهنية للطالب المصري، فينشأ صحيحًا معافى يعرف كيف يحاور ويختلف، ولا يكره، ولا يختصم، ولا يقتل. تقدّم الرجلُ بذلك المشروع الثري المحترم لشيخ الأزهر د. أحمد الطيب، ولكن بالطبع، مات المشروعُ مع موت الرجل النبيل!
في ربيع 2003، كانت المرةَ الأولى التي أقفُ فيها على خشبة مسرح فرنسي لألقي قصائدي. شعرتُ بشيء من الرهبة أمام جمهور "معهد العالم العربي" في باريس. لكن الله أرسل لي يدًا حانية تُصافحني قبل صعودي إلى المنصّة وتشدُّ من أزري وتشجعني، ثم تقول لي بعدما أنتهي: “أحسنتِ!”
كانت اليدُ المصافِحةُ: مصريةً مثقفةً. وكانت الكلماتُ: داعمةً طيبة غمرتني بالثقة والاطمئنان. كانت يدَ رجلٍ عظيم فكرًا وروحًا. فقيهٌ إسلاميٌّ أزهري، وفيلسوفٌ رفيع الطراز. حاملُ مشعل تنويريّ، تسلّمه من أساتذته: محمد عبده، ومَن سبقه من تنويريين وصولاً إلى نجم التنوير الإسلامي "الوليد بن رشد".
صافحني بحنوّ الأستاذ على ابنةٍ جاءت من حقل العلم والهندسة، إلى حقل الآداب والشِّعر، تحمل قلقًا من الإخفاق الذي يلازم تحويل المسارات. ابتسم وقال: “سوف تُبهرين الجميع بقصائدك وإلقائك ولُغتك العربية الرصينة. اتركي قلقَك هنا، وارتقي المنصّة واثقةً، ففي سَلّتك عراقةُ بلادك، مصر.” وارتقيتُ المنصّة وقرأت قصائدي وصفّق الجمهور، وعيناي مثبتتان صوب ذلك الرجل النبيل الذي كان الملاك الحارس لي في باريس، مثلما هو الحصنُ الحامي لكل مصريٍّ ومصرية يزوران فرنسا للعلم أو العمل. بعد نزولي عن المنصّة صافحني مجددًا وقدّم لي ابنته الجميلة "لما" قائلا: “أتمنى أن أرى ابنتي مثلك.”
هو الدكتور محمود عزب، أستاذ كرسي بجامعة الأزهر، ومعهد اللغات الشرقية في باريس، ومستشار شيخ الأزهر.
يقول التاريخُ إن هذا النبيل قد رحل في يونيو 2014، وأقول: لا لم يرحل! إنما اختار أن ينتقل من العيش بيننا إلى العيش داخل أفكارنا. ومَن يعش في الأفكار لا يرحل. لأن عائشَ الأفكار عابرٌ للزمان وعابرٌ للمكان.
لا عجب أن يُحفر اسمُه في ذاكرتي وذاكرة مصر، فقد كان نصيرَ التنوير وإعمال العقل والتظلل بمظلّة الإنسانية. ولا عجب في أن شيّع جثمان ذاك الأزهريّ النبيل قساوسةٌ ورهبانٌ وملايين من أقباط مصر المسيحيين؛ فقد كان رائدًا في حوار الأديان والتقريب بين فكر المسلم وفكر المسيحي وإشاعة روح التآخي الحق بينهما. ولا عجب في أن تحزن نساءُ مصر جميعهن على سفره للسماء؛ فقد أحبَّ المرأةَ واحترمها فقدّس أمَّه وبجّل زوجته واحترم ابنتيه. ولا عجب في أن تطلبَ مصرُ من المصريين أن يحملوا المشعلَ الهائل الذي تركه لنا كتراث عزيز لا ينفد؛ فقد أحبَّ مصرَ بكل جوارحه وأشاع في جنباتها النورَ والتحضر. أستاذي الكبير، نمْ ملءَ جفونك على شواردها، فجميعنا تلامذتك وحاملو مشعلك، الذي لن يخبو.