عندما يعمل مستعمر الأمس علي إطالة عمر النظم الإستبدادية لابد من ثورة شعبية

عبير سويكت
2017 / 11 / 3

عندما يعمل مستعمر الأمس علي إطالة عمر النظم الإستبدادية لابد من ثورة شعبية


بقلم :عبير سويكت

قد يتفق السودانيون أو يختلفوا بصورة عامة، ولكنهم يتفقون جميعاً في رغبتهم الصادقة والقوية في إحداث التغيير فى السودان الذى بات يعاني من حالة غلاء، وتدهور إقتصادي، وصحي، وإجتماعي، وسياسي متمثل في المرض والجوع والبطالة والفساد والإستبداد وترهل النظام و مختلف أشكال المعاناة و الأزمات التي يطول ذكرها .

وقد ضاق الحال بالشعب السوداني شمالاً وشرقا وغربا، وصار غير قادر علي كتم مشاعر تألمه وغضبه وإستياءه من الوضع الحالي، فالأزمة لم تعد فى جبال النوبة ودارفور والنيل الأزرق بل شملت كل أرجاء الوطن، لأن التدهور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي و الثقافي أطاح بالسودان وعم جميع أطرافه.

ولكن كما يقول الشاعر: (وما نيل المطالب بالتمني و لكن تؤخذ الدنيا غلابا ) ، ففي رأي الشخصي العائق الأساسي أمام الشعب السوداني في إحداث تغيير هما محكمة الجنايات الدولية والعالم الخارجى و الإعتماد علي بعض الأحزاب السياسية المعارضة التقليدية في تحقيق هذا التغيير والإصلاح المنتظر.

لا شك في أن تمسك البشير في السلطة و مكثوه فيها أكثر من 28 سنة، و تهيأه للترشح مرة أخرى، ليس فقط بسبب حبه في السلطة و لكن السلطة و الرئاسة أصبحت بالنسبة له حماية في المقام الأول.

علماً بأن سودان اليوم ليس هو سودان الأمس، فبعد إنفصال الجنوب وتدهور وضعه الإقتصادي بصورة كبيرة، في الوقت الذي عجزت فيه أنظمة النظام من إيجاد البديل نسبة لعدم تأهل كوادره، وفقدانهم للمهارات المهنية لأن التعيين عند هؤلاء الملة لا يتم علي أساس المقدرات والمؤهلات، ولكن بناءا علي أسس أخرى منها : تفضيل أهل الثقة والوفاء للنظام على أهل الكفاءة والمقدرة، ثم تعيين أبناء مناطق النزاعات من غير الإستناد علي ذوي الكفاءات فقط من أجل إخماد الأزمة و تسكيت الألسنة ، وهكذا فشلت الإنقاذ بكادرها غير المؤهل من إيجاد حلول إقتصادية اسعافيه لتغطية فقدان عوائد البترول، إضافة إلى أن هذه الكوادر ليس لها أي نشاط علي أرض الواقع بل تكتفي فقط بسرقة الأموال واستثمارها لمصالحها الشخصية أمثال مامون حميده الذي يبغضه الشعب السوداني ويتمنى أن يتم قطع رأسه اليوم قبل غداً.

و حتي العقوبات التي تم رفعها فالجميع يعلم أن الشعب السوداني غير مستفيد من هذا القرار، و المستفيد الأول و الأخير هي الحكومة و إتباعها، فعلي سبيل المثال لا الحصر :المنح الدراسية من المستفيد منها؟ هل هي متاحه لجميع الطلاب؟ لا، طبعاً هذه المنح تعطي فقط للطلبة و المدرسين التابعين للحكومة، و الاختيار لا يكون مبني على مبدأ الكفاءة و القدرات و لكن على مدي ولاء الشخص لهذا النظام و انبطاحه له، و للأسف حتي المعارضين الذين أعلنوا تأييدهم لقرار رفع العقوبات متحججين بأنه تأيد من أجل الشعب ،و في الحقيقة الأمر ليس كذلك، لأنهم يعلمون جيدا أن الشعب السوداني غير مستفيد من هذا القرار و أن هذه الحكومة هي ذات نفسها كانت السبب في فرض هذه العقوبات، و لكن موقف بعض المعارضين الذين حاولوا مساندة هذا القرار متظاهرين بالوطنية و الانحياز للشعب بهدف تسويق نفسهم و كسب الجماهير بعد أن علموا أن أجهزة الدولة الإعلامية لعبت دورها المعتاد في الكذب و التلاعب علي العقول بافهام الشعب أن رفع العقوبات في مصلحته و كل من يعارض هذا القرار فهو عميل من الدرجة الأولى و كاره لما فيه خير هذا البلد، و للأسف أكل الشعب المسكين الطعم ،و حاول بعض المعارضين عدم معاكسة التيار خوفاً على شعبيتهم، و هكذا يتأخر الشعب في خطاه نحو التغيير، و تطول معاناته بسبب إنعدام المصداقية و الشفافية في الخطاب السياسي للحكومة و المعارضة على حد سواء .

و من جانب آخر نجد أن إصرار البشير البقاء في السلطة و في هذا النظام المتهالك ،الضعيف سياسياً، و اقتصادياً و قوته فقط في جهاز أمنه الإستبدادي، ناتج عن خوف البشير على نفسه، لذلك حتى و إن أصبحت الدولة مفلسة بعد أن تم نهبها و استنزاف مواردها، و صارت تعاني الكثير من الأزمات الإقتصادية والقبلية التي صعب حلها، فاستمرارية التمسك بالحكم هو الخوف من مصير محكمة الجنايات الدولية بعد أن تراكمت التهم على عاتق الرئيس و من تحالف معه، بعد أن عملت المعارضه بشكل نشط على ترويج أزمات السودان خارجياً وبذلك وجد البشير نفسه مطلوباً دولياً، فتمسك بالسلطة حماية لنفسه من المصير المجهول ويسانده على ذلك العديد من طاقمه الحكومي المتورطين بشكل أو بأخر ومطلوبين دولياً مثله ، وتطاردهم تهم خطيرة وكبيرة.

بالإضافة إلى أن الكثير من أبناء مناطق الهامش المساندين له نسبة لتورطهم فى قضايا الفساد والإفساد، وحسب إفادة ثلاثة أشخاص وهم مصادر مسؤولة من أبناء الهامش: أن المؤسف فى الأمر معظم جرائم الإبادة الجماعية، والقتل، والإغتصاب التي تمت في مناطق الهامش، تمت على أيدى جنود البشير من أبناء الهامش الذين تكون عادة قياداتهم العلية من الشماليين حسب ما ذكروه لى،و لهذه الأسباب مجتمعة فالبشير، وطاقمه، وأبناء مناطق الهامش المتورطين جميعهم حريصين علي البقاء في السلطة خوفاً من مصير محكمة الجنايات.

و لهذه الأسباب فإن المظاهرات و بعض النشاطات التي تقوم بها المعارضة خارجياً، بالإضافة إلى التواجد الإعلامي الإلكتروني لن يهز شعره منهم، لكن كما يقول المثل الشعبي: (العيار الذي لا يصيب يدوش)، لذا يجب الإستمرار في النشاط السياسي للمعارضة مع الحرص على التجديد في الطرق المستخدمة.

الأمر الثاني هو تواطؤ المجتمع الدولي ومساندته لحكومة الإنقاذ لمصالحه الشخصية، فالمجتمع الدولي بما فيهم أمريكا على وجه التحديد يفضل تواجد حكومة مثل الإنقاذ ليسهل استنزاف السودان والرضوخ لرغباته فيما يخص تنفيذ أجندتهم، لأنه يسهل جداً الضغط على حكومة ملوثة مثل حكومة الإنقاذ، مستعملين كروت محكمة الجنايات وجرائم مناطق الهامش لكي ترضخ لمطالبهم، لذلك استمرار حكومة الإنقاذ بالنسبة لهذه الجهات مهم جداً حتى تستمر هى بالضغط علي النظام مستخدمة العصا الغليظة المعروفة والمتمثله في العقوبات التي تم رفعها الآن،و قائمة الدول الراعية للإرهاب، و تبقي أيضاً الورقة الرابحة( المحكمة الجنائية)، و هكذا يكون النظام مجبراً على تغيير مساره السياسي لضمان إرضاء جهات بعينها، والدليل على ذلك تغير مواقف الحكومة تجاه إيران وإسرائيل وحماس وحتى مع زعيم المعارضة في جنوب السودان رياك مشار، و محاولة الحكومة تحسين علاقاتها مع حكومة الجنوب، و هذا يدل على أن النظام الحالي مستعد لتغيير مواقفه و فعل أي شئ للبقاء على هذا العرش، لذلك نرى تبدل كبير في مواقف الحكومة، و لهذا السبب فالمجتمع الدولي سيفعل ما بوسعه لبقائها لأنه يعلم جيداً أن جاء الشعب بأي ثورة وتحققت إرادته في المجئ بحكومة ديمقراطية من اختيار الشعب، وطنية نزيهة لا غبار عليها وليس لها أي ماضي ملوث فسيصعب على المجتمع الخارجي تنفيذ اجندته عبرها، أو حتى الضغط عليها.

بالإضافة إلى أن رئيس أمريكا الجديد و قد سبق و قولتها ،هو رأسمالي من الطراز الأول وعنصريته تجاه الأفارقة قد أظهرها بشكل كبير في اتهامه لبعض الشباب اليافعين من الزنوج الأمريكان باغتصاب المرأه البيضاء وشنه لحملة إعلامية ضدهم وحتى بعد أن تمت تبرئتهم لم يقدم أي اعتذار، و كذلك مضايقاته اللفظيه العنصريه تجاه أوباما، فكل هذا يثبت أنه لن يتردد في الاستثمار بقضايا مناطق الهامش من دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق مع الحكومة والمقايضه والبيع والشراء في مثل هذه القضايا لتحقيق مصالحه وارباحه، فهو رجل أعمال رأسمالي لا يعرف إلا لغة المال ولا يؤمن بالمبادئ ولا الأخلاق ولا الإنسانية ، وتاريخه يشهده له بذلك.

لذلك إذا أراد الشعب التغيير فهو الوحيد القادر على إسقاط هذا النظام الإستبدادي، لهذا لابد له من التوحد من أجل ثورة عارمة، و عمل موحد بين المعارضة الداخلية و الخارجية، لأن ما تعجز عن فعله المعارضة الداخلية بسبب القيود الأمنية الديكتاتورية، المعارضة الخارجية قادرة على تنفيذه و العكس، و من أجل عمل موحد بين المعارضة الداخلية و الخارجية لا بد من تواجد الثقة، و أن تكون الأولوية للقضية الوطنية و ليس صراع حول القيادة و السلطة و الهيمنة.

و أن أراد الشعب التغيير الفعلي عليه أن يتوقف عن الحلم فقط بغد أفضل ، و يبدأ بالعمل الفعلي، و أن لا يعتمد على قيادات معينة في تقرير مصيره، فالشعب هو الذي يعاني، اذن هو الذي يحدد متى يضع حد لهذه المعاناة، فالشعب السوداني ليس بحاجة لانتظار إشارة الانطلاق من أي شخص، و لا بحاجة إلى أن يخرج اتباع أي حزب الي تحريره، فكما تمكن سابقاً من تحرير نفسه من الإستعمار الخارجي، فهو أيضا قادر على تحرير نفسه من هذا الاستعمار المحلي ، الذي تصر جهات خارجية و داخلية علي فرضه تنفيذاً لاجندتهم و حفاظاً على مصالحهم .

يتوجب علي أبناء الشعب السوداني التوحد و العمل سويا، و عدم الإصغاء الي حكومة الفساد التي تعمل على تفرقتهم من أجل أن تسود، و علي المواطن ان يحكم عقله و لا يستمع إلى أكاذيب النظام التي يصوبها إتجاه كل من يرفع شعار الثورة من أجل التغيير.

لا بد من التحرك دون إنتظار مساندة الأحزاب التقليدية أو العالم الخارجى، و يجب أن تشكل قيادة واعية حكيمة حتى لا تسرق الثورة نتيجة لغياب القيادة الحكيمة مما يعجل بعودة الديكتاتورية والشمولية مرة أخرى .

عبير سويكت
ناشطة سياسية و كاتبة صحفية
3/11/2017