سيرورة التغيرات الثورية: لبنان وسوريا مثالا

عبدالله عبدالله
2017 / 11 / 2

‎الجذور التاريخية ل الاشتراكية في اوروبا كانت ولا تزال وثيقة الصله ب الفكر الاشتراكي الانساني والذي
‎تحول بفعل نمو طبقة البروليتاريا وظهور الشيوعية الى الديمقراطية الاشتراكية التي وجدت افضل تكوين لها
‎فيما يعرف بالاممية الثانية التي لم يغادرها الشيوعيون بوجه خاص لجهة الفكر الاشتراكي الاصلاحي.

‎البريطانيون تأثروا الى هذا الحد او ذاك بالحركة اي بالفكر (الاشتراكي الانساني )
‎وبظهور لجان الاتصال العمالية في بريطانيا حتى اذا ما جاءت العولمة النيوليبرالية فانها وجدت لدى
‎الديمقراطيين الاشتراكيين والشيوعيين ميدانا مهيئا منذ القرن التاسع عشر للوصول الى تسوية مع هؤلاء.

‎فاذا كان الشيوعيون الفرنسيون والالمان والبريطانيون تخلوا عن قيادة الحركة الشيوعية الاممية وتركوها
‎بين ايدي الحزب الشيوعي في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، فان هذه الاحزاب الشيوعية ساهمت
‎بصورة خصبة في نضال البروليتاريا ونشر الشيوعية والتصدي للامبريالية في جنوب شرق اسيا لكنها كانت
‎عرضة لهزات قوية لدى اجتياح الجيش الاحمر ل هنغاريا و تشيكوسلوفاكيا اللتين تمردتا على السلطة المركزية
‎للحزب الشيوعي السوفياتي في موسكو .

‎شهدت الحركة الشيوعية الاممية اضطرابات مهمة، فقد انهار "الكومنترن " الاممية الثالثة الذي لم يصمد امام النزعات القومية التي كانت تلازم الشعوب اثناء الحرب العالمية الثانية
‎ثم ما لبث ان انهار الكومنترن بدوره نتيجة وفاة الرفيق ستالين بشكل خاص وما رافق ذلك من اصلاحات
‎اقرت في المؤتمر الثاني والعشرين للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي.

‎قامت حركة 23 شباط في سوريا وتحت تاثير الجناح الماركسي بتنحية العجائز
‎وظهرت استراتيجية جديدة مع تكتيكاتها مع هزيمة 5 حزيران والتي تمظهرت على خير وجه في شعارات كمقولة
‎حرب التحرير الشعبية والمجالس العمالية الشعبية في كل مكان.

‎أمام كل هذه العوامل الجديدة التي حملها التاريخ بتحولاته وتغيراته في هذا المسار تعرضت الحركة الشيوعية
‎العربية الى انقسامات ونزاعات داخل صفوفها وارغمها التاريخ على تبني استراتيجيات جديدة شأنها شأن الشيوعيين الاوربيين الذين تبلورت لديهم مواقف سياسية وايديولوجية ترفض مركزية العمل الشيوعي الاممي تحت قيادة واحدة
‎هي قيادة موسكو ل الاحزاب الشيوعية في العالم و رافق ذلك تخلي الشيوعيين الاوربيين عن ديكتاتورية البروليتاريا
‎بدعوى ان المجتمعات الاوربية حبلى بانماط جديدة من نمط ديمقراطي جديد تتخطى من حيث ديمقراطيتها تلك البرجوازيات المهيمنه.
‎ومن مؤرخي الشيوعية الماركسيه في اوربا من يعتقد ان تخلي الشيوعية الاوربية عن الاستراتيجية الطبقية
‎التي سارت جنبا الى جنب مع ظهور تسوية الوفاق التاريخية كانت ب دوافع انتهازية برجوازية متغللة في هذه الاحزاب، ذلك أنّ هذه الاوساط تعتقد ان هذا التلاعب النظري كان بدافع التحالف مع البرجوازية منذ طرح الحزب الشيوعي
‎الايطالي(تولياتي) نظرية تسوية الوفاق التاريخي لتبرير تحالفه مع الكاثوليكيين الديمقراطيين.

‎جورج مارشيه امين عام الحزب الشيوعي الفرنسي تخلى هو ايضا عن ديكتاتورية البروليتاريا و تبني الديمقراطية
‎الجديدة التي سيتبناها الشيوعيون كي يتحالفوا مع الحزب الاشتراكي الفرنسي " اشتراكيون ديمقراطيون"
‎بقيادة فرنسوا ميتران (البرنامج المشترك)
‎وكان ثالثهم الحزب الشيوعي الاسباني الذي عاد الى الظهور علانية في العام 1975 مع رحيل الجنرال
‎الفاشي فرانكو، هذا الاخير نادى بديمقراطية واسعة للتخلص من تراكمات الديكتاتورية الفرنكوية في المجتمع الاسباني .


‎في هذا الاطار من متغيرات التاريخ ما هو موقف الاحزاب الشيوعية العربية وبوجه خاص
‎الحزب الشيوعي اللبناني من كل هذه التطورات المحملة بتحولات نوعية في مجرى الاحداث دون أن ننسى
‎ان الشيوعية الاوربية ترفض او كانت ترفض مركزية اوروبية كانت ام سوفياتية ام غيرهما
‎في العمل الشيوعي ما دامت ألحّت على الاستقلال الكامل لكل حزب شيوعي اوروبي، فضلا عن استقلالها
‎الحاسم والقاطع عن الحزب الشيوعي السوفياتي.

‎ان الخصوصية الوطنية القومية او الثقافية تغلبت اذا ما تابعنا التحولات الكبرى النوعية التي طرأت على الاحزاب
‎الشيوعية في العالم (الشيوعين العرب والاوربيين ) على الشمولية "الاممية" ليس من جراء دحض و تفنيد
‎الشمولية لدى الشيوعين في العالم وانما من جراء ما طرأ على الشمولية من خلل في الاداء والممارسة، وهذا ما يفسر الأسباب وراء
‎ظهور الشيوعية الاوروبية ودعاة الشيوعية الاوروبية التي وجدت ميدانا خصبا
‎لها في االسبعينيات من القرن الماضي وحتى اليوم لكن هذه الشمولية اوجبت على الاوربيين ما اوجبته على
‎الشيوعيينن العرب
‎فاذا كان الاوربيين منهم برروا تحالفاتهم مع البرجوازية بما في ذلك الاستعمارية منها
‎احيانا باسم الديمقراطية الواسعة المعمول عليها فان العرب منهم برروا تحالفاتهم مع ما يسمونه
‎"البرجوازية الوطنيه" والعسكرتاريا تحت شعارات فضفاضة ك التطور اللاراسمالي الى
‎الاشتراكية وحركة التحرر الوطني .

‎لم يع الحزبان في سوريا ولبنان ان البرجوازية غير قادرة على فك الارتباط والتحرر وذلك
‎نظرا لموقع قيادتهمم البرجوازية وازمتها في الممارسة الثورية ولا سيما انهما لم يستطيعا
‎ادراك تلازم العلاقة بين القومية والشيوعية في الوطن العربي.
‎هذه العلاقة التي جسدتها حركة 23 شباط بقيادة نور الدين الاتاسي، ابراهيم ماخوس، يوسف الزعين وصلاح جديد.

‎في سوريا سلك الحزب الشيوعي طريق اللا راسمالي نحو الاشتراكية وبهذا يكون قد ساهم مباشرة في
‎تبرير الراسمالية وديمومتها
‎وقد لا نجافي الحقيقة اذا قلنا ان الحزب الشيوعي اللبناني لم يتبنى فكر البرجوازية في لبنان وانما تبنى
‎سياستها واحيانا بعض افكارها وذلك من اجل تبرير خياراته السياسية
‎فأضبح حزب البرجوازية الوطنية بامتياز حيث انه كان مدافعا شرسا عن الديمقراطية بافقها الليبرالي

‎لم يسع الحزبان في مسار عملهم الى ادراج فكر التغيير الثوري في تطلع مستقبلي ل النضال من
‎اجل الاشتراكية
‎قد كا الحزب في لبنان وفيا لطبيعته الطبقية متبنيا خيار دولة المؤسسات والقانون.
‎جبهة القتال والمواجهه كانت سوريا ولبنان مما ادت الى احتفاظ النظام البعثي في سوريا برصيد اهله
‎فيما بعد الى استعماله بوجه الغليان الجماهيري في سوريا .
‎وعلى مسرح هذه الجبهه وجهت الحركة التصحيحية بقيادة حافظ الاسد ضربة قاضية للتحرر الوطني
‎والحركه الاشتراكية و حركة التحرر الوطني الفلسطيني مما ترك ساحة العمل السياسي العربي بين
‎ايدي ال سعود لا سيما بعد وفاة عبد الناصر .
‎اعتبر الشيوعيون السوريون بوجه خاص تشكيل الجبهة الوطنية التقدمية بقيادة حافظ الاس تجسيدا
‎للديمقراطية والمواجهه وقد تحاشوا بعناد لا يضاهى كل ما من شانه تشويه العلاقة الحميمية
‎ما بين الحزب الشيوعي و حافظ الاسد.
‎اما على المستوى اللبناني ساند الحزب الشيوعي تقريبا كل الانتفاضات التي قامت بها الجماهير العربية
‎في تونس والبحرين الا في سوريا. سعى الحزب الشيوعي باكرا الى مساندة النظام على قاعدة تفكيك
‎كل العوامل التي من الممكن ان تدفع بالحزب الى مواجهه النظام في سوريا غلى قاعدة مواجهته
‎النظام اللبناني و تحمل هذه المسؤولية التاريخية.

‎في سيرورة بناء الاحزاب الثورية نحن محكومون بمواجهة المشروع الامبريالي المعولم حتى لو ادى الامر
‎الى التصادم معها فكريا وسياسيا وايضا جسديا
‎ان مركزية الصراع مع الراسمالية – المعولمة تعبر عن نفسها في ساحات مواجهة عنيفة اخذة طابع الحروب
‎والصراعات العالمية التي تبشر بتداعي الجسم الراسمالي المعولم واعادة اظهار ملامح الصراع الطبقي
‎حيث من الممكن ان يبرز عربيا و عالميا ليس بين طبقة ضد طبقة وانما بين جماهير ضد سلطات
‎وبالتالي من الطبيعي والمنطقي ان يفرز هذا الطرح احزابا ثورية
‎ان وحدة النضال وامميته ستتيحان الفرص الجدية لانطلاق حركة ثورية عالمية تتجاوز الحدود
‎الاقليمية وتكون عاملا اساسيا في لجم منطق الراسمال العالمي الإمبريالي.
‎ان المنطق الثوري السليم يقوم على التحليل العلمي الموضوعي ل ظروف وشروط النضال وعلى التحليل الواقعي
‎للاوضاع الملموسة والتي هي في تطور مستمر .
‎هنا لا بد من الاشارة الى ان محاربة العولمة النيوليبرالية تقف على راس المهام السياسية للشيوعيين .
‎ان اساليب الرأسمال الامبريالي تعزز انتشار الفوضى الاقتصادية و تولد الظروف الموضوعية للتبعية المطلقة
‎وتجعل الدول مؤسسة لنقل الثروات الى الى الاغنياء وتغذي الفئات المرتبطة بالراسمال الامبريالي وادواته .
‎لقد فرضت العولمة على الدول القومية دون قيد او شرط خدمة الراسمال العالمي-المعولم وتامين مصالح الشركات
‎المتعددة الجنسية

‎ان الثورة المطلوبة يجب ان تكون معادية للراسمالية-المعولمة ونحن نواجه اليوم حكومة العولمة التي تختار وتعين
‎ممثليها ل تنفيذ سياساتها ولانها تحمل سمات الشركات العابرة ل القارات تتحكم ب مصائر البشر
‎لذا فان مواجهتها والانتصار عليها لن يتم الا عبر ثورة اممية ومستمرة.
‎وكذلك يجب ان يعي المناضلون اينما تواجوا انهم لن يستطيعوا كسر هذه السلطة او تلك الا عبر ربط نضالاتهم
‎بكافة الساحات من اجل تحقيق النصر والا فان اية ثورة سيكون مآلها الفشل والهزيمة
‎وسيبقى الكفاح المسلح افضل واجدى وسيلة ل تفجير الصراع الطبقي
‎وممارسة الشعب ل الديمقراطية عبر جميع اشكال المجالسية الممكنة