حوار «باريس5»

عبد الحسين شعبان
2017 / 11 / 1


بمناسبة مرور 25 عاماً على انطلاق مسيرة مركز الدراسات العربي- الأوروبي الذي مقرّه باريس التأم الحوار الخامس هذا العام في العاصمة الفرنسية، وكان خُصّص هذه المرّة لتقويم مسيرة المركز، وبحث دور مراكز الدراسات والأبحاث في صنع القرار، وجدوى ذلك في العلاقات العربية- الأوروبية، وكان ذلك هو العنوان الأول لحوار «باريس5».
أما العنوان الثاني الذي طبع أعمال المؤتمر ودارت حوله حوارات مكثفة، فقد توزّع على ثلاث جلسات، إضافة إلى جلسة الافتتاح، واشتمل على الإرهاب الدولي وتحدّياته، وسبل مجابهته على المستوى العربي والأوروبي، بل وعلى المستوى الدولي، حيث بحث المؤتمر دور الحركات التكفيرية الإرهابية والعنفية، ودور وسائل الإعلام الإيجابي والسلبي، ابتداء من شبكات التواصل الاجتماعي وصولاً إلى الطفرة الرقمية (الديجيتال) في ظل العولمة والثورة العلمية التقنية وتكنولوجيا الإعلام.
وخُصّصت جلسة خاصة للأمن المائي والغذائي والتحدّيات التي تواجه المنطقة العربية - الإسلامية على هذا الصعيد، خصوصاً في ظل محاولات «إسرائيل» تهويد القدس وقضم الأراضي بعد تقطيعها والاستيلاء على مصادر المياه، فضلاً عن دول الإقليم. وناقش المؤتمر مستقبل العلاقات العربية - الأوروبية، والأطماع الخارجية التي تواجه دول الخليج العربي، ولاسيّما من دول الإقليم، خصوصاً إيران. وكان من الأمور التي بحثها المؤتمر ثلاثية التعصّب والتطرّف والعنف الذي يتخذ شكلاً أبعد من ذلك، وأوسع منه، حين يكون شاملاً وعشوائياً ليصل إلى الإرهاب الدولي.
وحين ينتقل التعصّب من التنظير إلى التنفيذ، تكون هناك علاقة بين السبب والنتيجة، وبين العلّة والمعلول، مثلما هي العلاقة بين البذرة والشجرة على حد تعبير المهاتما غاندي، فكل متعصّب يمكن أن يكون متطرّفاً إذا حاول وضع الفكرة برسم الاستحقاق، وهكذا يصبح المشهد عنفياً، فالمتطرّف في حبّه وفي كرهه هو متعصّب، وإذا كان العنف يعرف الضحية، فإن الإرهاب لا يعرفها، بل يضرب عشوائياً.
العنف يخضع للقانون الجنائي الوطني. أما الإرهاب فإنه يخضع للقانون الدولي، خصوصاً إذا كانت الارتكابات ضد الإنسانية وشكلاً من أشكال الإبادة الجماعية، إضافة إلى جرائم الحرب، وجرائم العدوان، وإنْ كان كلاهما يستهدف الآخر، المختلف، الخصم، الذي يصل إلى درجة العدو، الذي يستحق الإلغاء والإقصاء والتهميش، حسب التبريرات التي تقوم عليها الحركات الإرهابية التكفيرية.
ولكي تتم مواجهة العنف والإرهاب لا بدّ من معالجة أسباب التعصّب والتطرّف، والأمر يحتاج إلى جهد كبير على الجبهة الفكرية أولاً، وقبل كل شيء، بالترافق مع جميع الجبهات ولاسيّما الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والدينية والتربوية والأخلاقية، الأمر الذي يقتضي ممارسة سياسية طويلة الأمد، ومتدرّجة للقضاء على الفقر وتقليص التفاوت الطبقي بين المتخومين والمحرومين، إضافة على تهيئة التربة للإقرار والاعتراف بالآخر وقبول التنوّع والتعدّدية على أساس قيم التسامح والتعايش السلمي بين البشر.
كما يحتاج الأمر إلى عمل مستمر ودؤوب لإعادة النظر في المناهج الدراسية ووسائل وأساليب التعليم، بدءًا من تنقيتها من كل ما له علاقة بالكراهية وازدراء الآخر، وصولاً إلى عصرنتها، كما يتطلّب تغيير الكثير من القوانين والأنظمة الدستورية والقضائية ووسائل إنفاذ القانون، الذي ينبغي أن يطبّق على الجميع، وهو مثل الموت الذي لا يستثني أحداً، حسب تعبير مونتسكيو.
وتلعب الجبهة الإعلامية دوراً مزدوجاً سلبياً وإيجابياً، فالإعلام في ظل العولمة وثورة الاتصالات والمواصلات سلاح ذو حدين، إنْ أحسنت استخدامه كانت نتائجه جيدة، والعكس صحيح أيضاً، إضافة إلى الجبهة الأمنية التي تحتاج إلى الوقاية والحماية والرعاية، فردياً وجماعياً، لردع الإرهاب وتجفيف منابعه، ولاسيّما الفكرية والمالية. ويمكن للمجتمع المدني أن يلعب دوراً تعبوياً بصفته شريكاً للدولة على هذا الصعيد.
الإرهاب ظاهرة راهنة وإنْ كانت جذورها عميقة وتاريخية، لكن ما نطلق عليه الإرهاب الدولي أصبح عابراً للحدود والقارات، وهو بلا دين ولا قومية ولا لغة ولا وطن، إنه عالمي ومعولم بامتياز.
وإذا كانت مراكز الأبحاث قد لعبت دوراً في الماضي، فإن دورها أخذ يتّسع في العصر الراهن، لاسيّما مع ظهور ما سمّي بتروست الأدمغة، أو «مجمّع العقول» الذي عمل مع الرئيس جون كيندي في محاربة الشيوعية، ابتداء من كيسنجر، ومروراً ببريجنسكي، ومادلين أولبرايت، وكوندوليزا رايس، وستيفن هادلي، وسوزان رايس، وغيرهم، لكنه للأسف فإن الفكر الاستشاري لا يزال ضعيفاً في عالمنا العربي والإسلامي، الذي يحتاج إلى إيلاء اهتمام أكبر به، وبمراكز الأبحاث والدراسات، سواء على صعيد مكافحة الإرهاب، أو على السير في درب التنمية بجميع حقولها.
إن وجود مراكز الأبحاث هو دليل لتقدّم الدول وضمان لتوسيع دائرة اتخاذ القرار أو المشاركة فيه، علماً بأن عملها لم يعد مقتصراً على الدراسات الأكاديمية والنظرية، بل امتدّ إلى الجوانب العملية، وإن أصحاب القرار بدؤوا يأخذون بالعديد من معطياتها، لاسيّما في ظلّ التخصّصات والتنافس الاقتصادي، والابتكار، والإبداع، والتقارير والدراسات، والكتب والمقاطع الإعلامية التي تبثها، والتحاليل والاقتراحات والبدائل والتوقعات، وفي ظروف التكنولوجيا والعولمة، بحيث أصبح بعضها شريكاً لتدريب الكوادر والحفاظ على دبلوماسية المصالح ورعاية المفاوضات وتقديم المبادرات.