الفنون والسجون

فاطمة ناعوت
2017 / 11 / 1

الفنون والسجون

فاطمة ناعوت


حينما أُعلن عن موضوع صالوني لشهر أكتوبر: "الفنون والسجون"، ظنّ كثيرٌ من جمهور الصالون، ومقدمي القنوات والصحفيين، أنني سأتكلم عن: "فنون السجون"، أي عن "أدب السجون"، أو "دراما السجون"، أي عن الروايات والقصائد، أو الأفلام والمسلسلات التي تناولت موضوع "السجن". ربما حدث هذا اللبس بسبب أن ضيفة الشرف لهذا الشهر هي الفنانة الجميلة "سميرة أحمد"، ذات المنجز الثري من الأفلام الدرامية والمسلسلات، ومنها ما تناول قضايا خاصة بالسجون.
هنا انتبهت إلى أن عنوان محاضرتي كان مخاتلاً، يحمل غير ما يرمي، وهذا جيدٌ في دنيا الأدب. أن يحمل عنوانٌ، لرواية أو قصيدة أو مقال أو حتى محاضرة، معاني عديدة يفهمها كلُّ متلقٍ وفقَ ما يرى، ووفق خبراته واهتماماته. هنا تصبحُ الجملةُ الأدبية مشعّةً ثريةً متعددة الزوايا، غزيرة الدلالات، وليست أحادية المعنى والدلالة. فالحقيقة إن ذهني كان بعيداً كل البعد عن أدب السجون أو دراما السجون حين فكرتُ في موضوع صالوني، إنما كنت أقصدُ العلاقة "العكسية" “الضدية" بين الفن الرفيع، وبين جدران السجون.
تبدأ العلاقةُ العكسيةُ الضديةُ من أن الفنَّ، كلَّ فنٍّ، هو "حريةٌ". الفنانُ إن لم يكن حرًّا، لن يبدع. وإن لم يكن فنُّه تكسيراً للقيود، ما كان فنّاً. وإذن لا بد أن يكون الفنانُ نفسُه حرّاُ، وأن يقدّم فنّاً حرًّا، ينتصرُ للحرية. حتى وإن كان الفنان مكبّلاً بالسلاسل والأصفاد، فلن يعدم أن تكون روحه حرّةً. وهذا يقودنا إلى فلسفة "الرقص داخل الأغلال"، وهو كتاب للباحث الأمريكي جوشوافو دينستاج، الذي استلهم مادة كتابه من إحدى لوحات جوجان العظيمة. وسبق وتناولتُ ذلك الكتاب بالدراسة والتحليل، وربما يكون موضوع مقال قادم.
لكن ما قصدته في صالوني، هو الحديث عن قيمة الفنون الراقية في بناء الإنسان وبناء المجتمعات. فثمة علاقة طردية مباشرة بين علوّ الفن في مجتمع، وبين مستوى تحضّر مواطنيه. لهذا زار أفلاطون مصر في القرن الرابع قبل الميلاد، ثم وجه كلامه لأبناء الإغريق، قائلاً في كتابه "القوانين": الموسيقى في مصر كاملةٌ متكاملةٌ، وعلى شعب اليونان أن يطّلع على الموسيقى المصرية لما فيها من عناصر جيدة فنية وأخلاقية وتربوية دونًا عن موسيقى الشعوب الأخرى. ثم ختم مقولته بعبارته الشهيرة، أونصيحته لشعبه اليوناني: "علّموا أولادكم الفنون، ثم أغلقوا السجون".  وقصد أفلاطون بهذا أن الجريمة سوف تختفي من المجتمع إن تعاطى أبناؤه كافة ألوان الفنون الراقية من مسرح وشعر وموسيقى ونحت وتشكيل وغير ذلك.
وتلك حقيقة علمية. أثبت العلمُ مؤخراً، ما فطن إليه أفلاطون قبل خمسة وعشرين قرنًا من الزمان. فقد لاحظ علماء الاجتماع أن المجرمين والسفاحين والمتحرشين والغلاظُ والمتطرفين وغيرهم من الخارجين عن ناموس الإنسانية، قلّما يسمعون الموسيقى أو يرتادون المسارح أو دور الأوبرا وغيرها من محافل الفنون الراقية. لهذا تقسو قلوبهم فيلجون عالم الجريمة.
وحاول العلماء تفسير تلك الظاهرة العجيبة في العلاقة العكسية بين تعاطي الفن وبين تعاطي الجريمة، من خلال تشريح ودارسة وظائف المخ البشري. ووصلت النتائج إلى أن الإنصات إلى قطعة موسيقية راقية، أو مشاهدة لوحة فنية مدهشة، أو عمل مسرحي مبهر، يحفّز خلايا فصّ الدماغ الأيمن على العمل. وهذا الفص هو المسؤول عن تحفيز الجانب الرومانسي في الإنسان والحث على الإبداع والحدس والخيال والاختراع. أما النصف الأيسر، وهو الفص الفاعل النشط طوال الوقت، فهو المسؤول عن تحفيز الجانب العملي مثل الحث على تسيير الأمور الحياتية العادية من الحفاظ على الحياة والشعور بالخطر وتنظيم الأمور الغرائزية المعتادة من طعام وشراب ونوم، وغير ذلك. ولهذا فنحن "نستمع" إلى الموسيقى بفصّ أدمغتنا الأيسر، لكننا "نتذوّق" الموسيقى بالفص الأيمن. وهو الفص الأنشط في الإنسان الذي يستخدم اليد اليسرى: الأعسر.
وكما وصل أفلاطون في القرن الرابع قبل الميلاد إلى تلك الحقيقة العلمية المؤكدة، وصل إليها عظيمُ الأدب وليم شكسبير في القرن السابع عشر. وألمح إلى ذلك في مشهد جميل من مسرحية "يوليوس قيصر". كان قيصر يستعرض قائمة الشخصيات المرشحة لخيانته والتآمر ضده بغية اغتياله. فمرّ ببصره فوق اسم "بروتوس"، ربيبه وحبيبه فلم يتوقف كثيرًا. فكان يظن أن ظهره آمنٌ من غيلة صديقه الحبيب، قبل أن يعرف أنه سيكون قاتله. ثم وقعت عيناه على اسم "كاسيوس"، فهتف لنفسه قائلاً: "إن كان عليّ أن أحذر أحدًا، فليس إلا كاسيوس. احذرْ كاسيوس، فإنه لا يحبُّ الموسيقى".

صدق أفلاطون، وصدق شكسبير، وإن خانه حدسُه، وصدق العلمُ، وصدقت من قبلهم جميعا الموسيقى، وصدق الفن الرفيع