الاستفتاء الكردستاني في اللحظة الكاتالونية

عبد الحسين شعبان
2017 / 10 / 31


تداخلت الورقتان الكردية والكاتالونية ، فبعد الاستفتاء الكردستاني 25 سبتمبر /أيلول المنصرم، جاء الاستفتاء الكاتالوني في الأول من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، وكلاهما كانا تحت عنوان " الاستقلال" وتكوين دولة .
وحسبما يبدو فإن السيناريو العراقي- الكردستاني كان سريعاً لدرجة إن قوات الشرطة الاتحادية وقوات الحشد الشعبي تحرّكت باتجاه كركوك، واضطرّت قوات البيشمركة إلى الانسحاب من مواقعها، وقالت إنه انسحاب تكتيكي، لأنها لا تريد قتالاً مع الجيش الذي حاربنا معه ضد داعش. وحمّل رئيس وزراء إقليم كردستان ناجيرفان البارزاني، القائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي مسؤولية اندلاع الحرب، وناشد المجتمع الدولي للتدخل لمنع الحرب. وكانت قوات البيشمركة قد قالت إنها تلقّت إنذاراً من القوات الاتحادية .
ويأتي هذا التطور بعد تحرّك نفطي بين بغداد وأنقرة، حيث تستعد الحكومة العراقية لتأهيل خطوط نقل النفط إلى ميناء جيهان التركي عبر محافظتي صلاح الدين ونينوى في خطوة يظهر منها أنها تتفادى نقل النفط عبر إقليم كردستان.
وقبل ذلك تقدّمت الحكومة العراقية بطلب رسمي إلى طهران وأنقرة لإيقاف جميع التعاملات التجارية مع إقليم كردستان، وخصوصاً المتعلقة بتصدير النفط ومع إن مطالبات متعدّدة باستعادة حقول كركوك من جانب الحكومة العراقية، إلا أن الغموض لا يزال يكتنف الموقف بخصوص الوسيلة التي ستتبعها لأعادة سيطرتها بعد أن وضعت قوات البيشمركة اليد عليها إثر احتلال داعش للموصل في 10 يونيو/حزيران 2014.
وكانت الحكومة العراقية قد طالبت عقب إعلان نتائج الاستفتاء الكردستاني، تسليم المطارات والمواقع الحدودية للسلطة الإتحادية، وهي التي ظلّت تحت إدارة إقليم كردستان، وتذهب وارداتها إليه، في حين أن الدستور العراقي النافذ لعام 2005 يقرّر عائديتها للسلطة الاتحادية.
كما قرّر المجلس الوزاري للأمن الوطني الذي يترأسه حيدر العبادي إخضاع شبكات الاتصالات للهواتف النقّالة لسلطة الحكومة الاتحادية، ونقل مقرّاتها من كردستان إلى بغداد ، ضمن سلسلة الإجراءات التي باشرت بغداد باتخاذها لثني إربيل من المضي في خطتها الانفصالية عبر إجراء استفتاء بالضد من الدستور والسلطة الاتحادية كما تقول.
جدير بالذكر إن شركات الاتصالات الثلاثة المتمثّلة بـ "كورك تليكوم وآسيا سيل وزين العراق" لم تأخذ إجازة لممارسة عملها من وزارة الاتصالات، بل عملت خلال الفترة المنصرمة بإجازة من هيئة الإعلام والاتصالات الاتحادية. وكانت وزارة الاتصالات قد أعلنت أنها هيّأت البنى التحتية للربط البيني للعراق مع الدول المجاورة في جميع خدمات الانترنيت. وكشف مصدر مسؤول باسم وزارة الاتصالات، أن لدى العراق 8 منافذ لتوفير الانترنيت، في إشارة إلى أن بغداد سوف لا تتأثر في حال قطعت كردستان خط الانترنيت الواصل عبر منفذ ابراهيم الخليل من تركيا، كإحدى أوراق الضغط.
وفي تطوّر آخر قرّر القضاء العراقي ملاحقة المسؤولين عن تنظيم الاستفتاء، بتوقيف رئيس مفوضية الانتخابات في إقليم كردستان وأعضائها، الذين أشرفوا على إجراء الاستفتاء بعد أن تقدّم مجلس الأمن الوطني بشكوى ضدّها على خلفية إجراء الاستفتاء خلافاً لقرار المحكمة الاتحادية العليا.
وستسهم هذه الخطوة في تعقيد الأمور على نحو شديد، خصوصاً وإن المستهدف بها هو الجهة السياسية المنظّمة وليس الجهة التنفيذية والإدارة الفنية، إذْ أن الذي قرّر إجراء الاستفتاء هو رئيس الإقليم والحزب الديمقراطي الكردستاني ومعه قوى سياسية أساسية تشكل غالبية القوى السياسية الكردية، مع معارضة كتلة التغيير "كوران" والجماعة الإسلامية، وتململ بعض قيادات الاتحاد الوطني الكردستاني الذي كان يقوده الرئيس الراحل جلال الطالباني، وكان ردّ الفعل إزاء خطوة بغداد هو إسقاط اسم "العراق" من اسم "مجلس القيادة السياسية الكردستاني".
وعلى الرغم من تأكيد الطرفين: الاتحادي والكردستاني أن ليس في نيتهما الدخول في حرب، إلّا أن تطوّر الأوضاع على الجبهة العسكرية ، ينذر باحتمال صدامات أو احتكاكات بينهما، خصوصاً بعد أن أغلق البيشمركة الطريق بين إربيل والموصل لعدّة ساعات، وتهديد مسؤول الحشد الشعبي هادي العامري البيشمركة بأن عليهم الانسحاب من مناطق سيطرت عليها في ظروف استثنائية.
وكانت كردستان قد دعت إلى الحوار لحل المشكلات العالقة، لكنّ بغداد ظلّت مصرّة على إلغاء نتائج الاستفتاء وعدم الاعتراف بشرعيته قبل أي حوار، على الرغم من أن الطرفين يحاولان التعكّز على الدستور، فإن هذا الأخير كان مصدر نزاع بسبب الألغام والالتباسات التي يحتوي عليها، وهو ما يثير اختلافات وتفسيرات وتأويلات متناقضة ومتضاربة ومتنافرة، بما فيها الاختلاف حول المادة 140 من الدستور الدائم، المنقولة من المادة 58 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية.
وتقضي هذه المادة المختلف عليها وعلى تفسيرها وتطبيقها، والمتعلقة بالمناطق المتنازع عليها وخصوصاً كركوك، بأن يتم تطبيع العلاقات فيها، ثم إجراء إحصاء سكّاني، وبعد ذلك إجراء استفتاء عام، وهو الأمر الذي ظلّ مسكوتاً عنه طوال الفترة الماضية وحيث يتم إلقاء اللوم من جانب كل طرف على الآخر، وبعد سيطرة داعش على الموصل، تقدّمت قوات البيشمركة لوضع اليد على حقول النفط في كركوك وفتح خط إلى الحدود التركية وقامت بتصدير النفط خارج رقابة وإشراف السلطة الاتحادية التي لجأت بعد ذلك إلى معاقبة الإقليم بقطع رواتب البيشمركة وحجب حصة كردستان البالغة 17% من ميزانية الدولة العراقية، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه لأزمة مركّبة ومستمرّة، بل أصبحت معتّقة منذ عقود من الزمان وأدّت هذه الأخيرة إلى انعدام الثقة وسرّعت في التفكير بتحقيق " الحلم الكردي" بإقامة الدولة المستقلة، حيث اعتقدت قيادة الإقليم إن "اللحظة التاريخية" قد حانت وآن الأوان لتصبح أمراً واقعاً، وهكذا سيتم الاعتراف بالأمر الواقع.
وقد تحتاج المسألة إلى بعض الوقت لاستكمال الاعترافات وامتصاص موجة ردود الأفعال، ولاسيّما من جانب دول الإقليم. وكانت مثل هذه القراءة سائدة في أوساط الإقليم، وربما كان بعضها يستند إلى وعود أو تقديرات لمستشارين لدى الإقليم، بعضهم عمل في الدبلوماسية الغربية في العراق أو الدول المجاورة لسنوات غير قليلة.
وإذا كان الاستفتاء أمراً واقعاً، فإن تنفيذه يحتاج إلى طائفة من الإجراءات لا تستطيع كردستان أن تتّخذها بمفردها وهي تتعلّق بجوانب عملية أولها موقف السلطة الاتحادية الرافض، إضافة إلى قضايا تتعلّق بالحدود والنفط والعملة والمواصلات والجنسية والاعتراف الدولي وغير ذلك
كما أن غياب الوحدة الوطنية الكردستانية أضعف من مواقف قيادة الإقليم، فكتلة التغيير "كوران" والجماعة الإسلامية وبعض أوساط الاتحاد الوطني الكردستاني، قرروا إعادة نوابهم إلى البرلمان العراقي ، ووافق الاتحاد الوطني الكردستاني على استبدال محافظ كركوك المُقال، نجم الدين كريم، الذي كان سبباً مباشراً في تأزيم الوضع، خصوصاً بتعليماته لرفع العلم الكردي رسمياً فوق كركوك، وهو ما لقي احتجاجات واسعة من سكانها الآخرين من التركمان والعرب.
ولعل الخريطة الكردية تغيّرت كثيراً ، فلم تعد حكراً على قوتين رئيستين هما الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، بل هناك قوى جديدة مؤثرة ظهرت على سطحها، سواء كتلة كوران "التغيير" أو الجماعة الإسلامية، وهاتان المجموعتان لديهما ثقلاً في البرلمان الكردستاني والعراقي، وإن كان البرلمان الكردستاني معطّلاً منذ أكثر من عامين ورئيسه ممنوعاً من دخول إربيل بقرار من رئيس الإقليم بسبب تناقض المواقف السياسية، إضافة إلى ذلك إن برهم صالح وهو نائب الأمين العام للاتحاد الوطني الكردستاني أسس حزباً جديداً، وهو ينوي دخول الانتخابات الكردستانية والعراقية بقائمة مستقلة ويطمح في منافسة القوتين الأساستين اللتين بدأتا تفقدان بعضاً من جمهورهما، وزاد في ذلك أزمة الاستفتاء وملحقها الأزمة الاقتصادية مع بغداد وداخل الاقليم بشكل خاص.
كنت أراقب الاستفتاء الكاتالوني وردود الفعل الإسبانية، وذلك في إطار مقارنة لما يجري في كردستان، فساعة إعلان النتائج في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، أي بعد أقل من اسبوع على الاستفتاء الكردي، بدأت ردود الفعل تتصاعد، وكان الجميع مشدوداً لخطاب كارليس بوتشيمون يوم 9 اكتوبر الذي قال فيه " أنا أقبل تفويض الشعب لكي تصبح كاتالونيا جمهورية مستقلة"، ولكنه استدرك بطلب من البرلمان " تعليق إعلان الاستقلال من أجل بدء حوار في الأسابيع المقبلة".
لقد أثارت اللحظة الكاتالونية مخاوف دول الاتحاد الأوروبي التي سارعت للاعلان، بأن استقلال كاتالونيا لا يعني قبولها أوتوماتيكياً في الاتحاد الأوروبي الذي تقرّر دوله الـ 28 قبولها من عدمه، واضعة تحذيرات شديدة بمراعاة قرار مدريد، التي اعتبرت هذه الخطوة خروجاً على شرعيتها الدستورية، وكانت المحكمة الدستورية الإسبانية قد قضت بأن جميع الخطوات التي يتخذها إقليم كاتالونيا نحو الاستقلال غير قانونية وبالتالي فهي باطلة، وهو ما كان البرلمان العراقي قد قرّره وكذلك المحكمة الاتحادية العليا، كما إن دول الإقليم ولاسيما تركيا وإيران وسوريا كانت أشدّ رفضاً للقرار الكردي بشأن الإنفصال، لما له من تداعيات مباشرة على أكرادها ، بل إنها هدّدت بالتدخل لمنعه بالوسائل المختلفة.
وأياً كانت الحلول التي سيتم التوصّل إليها، في الحاضر أو في المستقبل،بالوسائل السلمية أو بغيرها ، فإن ذلك لن يجعل مسألة الهوّية تتراجع أو تضمحل، بل إنها تزداد اشتعالاً، وقد برزت هذه المسألة على نحو حاد بعد انهيار الكتلة الاشتراكية في أوروبا الشرقية أواخر الثمانينات، لدرجة إن مجموعات سكانية ثقافية مختلفة بدأت تفكّر في كيانيات خاصة لها، وهكذا كانت نهاية عهد الحرب الباردة والصراع الآيديولوجي العالمي، بداية لانبعاث موضوع الهوّيات، بما به من إيجابيات في التعبير عن مكبوتات ورغبات في إعلان الخصوصية، وبما عليه من سلبيات وهي كثيرة تتعلّق بتفتت الدولة الوطنية وانقسامها، ولاسيّما في منطقتنا العربية والإسلامية.