كيف اِنهارَت كعكة العائلة؟ -1-

علي دريوسي
2017 / 10 / 31

المقطع الأول
*****
ملاحظة: لا يَتبنَّى مُؤلف هذه الحوارية المُتْعِبة الآراء المنقولة عن شخوصها.
*****

المكان: الطابق الخامس من إحدى الأبنية العالية في مدينة ساحلية سورية.
شخصيات الحوارية:
- عبد الحميد الجدري (أبو صلاح)، عميد مهندس في إدارة التدريب الجامعي، ما زال على رأس عمله.
- منيرة الخنّاق (أم صلاح)، معلمة في المدرسة الثانوية.
- صلاح الجدري، نقيب في الجيش العربي السوري.
- سناء الجدري، طالبة في السنة الأخيرة دراستها في كلية الطب البشري.
- إبراهيم الجدري، طالب جامعي في كلية العلوم الطبيعية.
- بيلسان الجدري، طالبة مدرسة في الثالث الإعدادي.
- ماهر السنجابي، خطيب سناء، طبيب أسنان في عيادة خاصة.
*****

غالباً ما تحزن المرأة في يوم الجمعة، فتقوم الساعة. في هذا اليوم خُلِقَ آدم، أُدخِلَ الجَنَّة، وفيه طُرِدَ منها. في صباح اليوم الأول من العيد، الذي صادف يوم جمعة، لا يختلف ظهور السماء عن اليوم الذي سبق، تماماً كما هو الحال مع بداية اليوم الأول من كل عامٍ جديد. لكن ما يختلف هو أنّ البعض منا يصير من عيدٍ إلى عيد أكثر نضجاً وحكمة ومناعة. وبعيداً عمّا يحدث في العيد من طقوس، ثَمّت أسئلة مصيرية جديرة بإمعان النظر حول علاقة العيد بالموت، علاقة الفقر بالحذاء، الحذاء بالثقافة والسياسة، علاقة الحذاء بالوطن، الوطن بالهروب منه أو إليه، أسئلة عن جدلية الفقر الثقافي-السياسي في الوطن، عن الإيمان والمعرفة، عن الحياة والموت. هل الإيمان على بساطته هو مجرد هروب من المعرفة على تعقيدها وتكثيفها؟ أم هو الطريق السليم إلى المعرفة والنور وراحة النفس؟ هل من الصعب أن يتكامل الإثنان في قلب الإنسان؟ هل للانهيارات علاقة بميكانيكا الحزوز والتَّصَدُّع أم بعلم الاجتماع والسياسة؟ هل نعيش يومنا بشبعٍ روحي وجسدي بما فيه الكفاية، أم أنّنا نعيش بانتظار المستقبل وكأنّ الخلود الأبدي لا التدمير الكامل من ينتظرنا؟
*****

استيقظتْ بيلسان من النوم متأخرةً قليلاً على غير العادة. إنّه أول أيام العيد. فتحت النافذة لتهوية غرفة الجلوس المفتوحة على المطبخ. انهمرت زخات رصاص. أغلقتها بسرعةٍ وابتعدت عن مجال الرؤية. استندت إلى الحائط خائفة، قالت بحزنٍ: لا وقت للإنسان في هذا البلد، كي يسأل من أين تأتي الرصاصة؟
عانقتها أمها، مسحت بكف يدهاعلى ظهرها وهمست: لا تخافي يا صغيرتي، لعلها جِنازة جديدة.
أجابت الشابة التي لم تتجاوز الخامسة عشر من العمر: وكأنّهم يتقصدون إحضار المساكين في العيد، يا أمي.
الأم: العيد كرأس السنة ليس إلّا معبر تهريب للمشاكل المتراكمة من عامٍ إلى آخر.
بيلسان: لقد اشتقت لأخي صلاح، متى يرسلونه لنا في إجازة؟ سأقيده هذه المرة، سأمنعه من مغادرتنا.
تمتمت الأم: سأقبّل بوطه العسكري، سأزرع فيه الحبق ليشمه الناس.
وصلت أختها الأكبر منها بعشر سنوات إلى المطبخ وصاحت بانشراحٍ: من قال أننا سننام في مغارة؟
قالت الأم: لم نتكلم عن الكهوف والمغاور، ولّ زمن السخرية، توقفي عنها.
قالت الصغيرة: بل نتكلم عن الشهيد والجِنازة، يا أُستاذة سناء.
قالت سناء باستفزازٍ ضاحكة: ألم تقولي أنك صرت علمانية؟
ردّت الصغيرة: نعم، وسأبقى!
سناء: إذنْ تعلمي أنّه على العلماني أنْ يُبدع مصطلحات لغوية مرادفة لكلمات شهيد واستِشهاد من أجل ممارسة العلمانية قولاً وفعلاً، بل ينبغي عليه محاربتها وإخراجها من الاستهلاك اليومي، أو بالحد الأدنى أن يبتعد مسافة كافية منها.
قالت الأم: سامحك الله يا سناء، أنت تنتقصين من كرامة وإنسانية من قُتِلوا في سبيل الوطن أو المبدأ!
سناء: لا، ولا بأي شكل من الأشكال، هذا فقط دعوة لإمعان التفكير بمحتوى الكلمة، مدى منطقيتها، والهدف المُراد من استخدامها، لأجل إنقاذ البعض من الهبوط إلى رومانسية السلوك الماسوخي.
الأم: ثم أنَّ العلمانية يا ابنتي، وأنت سيدة العارفين، لا تعني أن يكون الإنسان كافراً. هناك من هو علماني ومسلم أو مسيحي أو يهودي بالوقت نفسه. إذا مات شخص عزيز لا نستطيع أن نقول لجماعته: لروحه السلام، بل سنقول حتماً: الله يرحمه.
وحين تسألنا طفلة: لماذا ينبغي عليها أن تذهب إلى المدرسة؟ أو لماذا يجب عليها أنْ تأكل طعام إفطارها وأنْ تشرب الحليب كل يوم؟ عندها قد يكون الجوابُ، بطبيعةِ الحالِ، غايةً في البساطة! لكن عندما تسألنا الطفلة ذاتها: لماذا تبكي معظم الأمهات؟ لماذا تموت الجدات؟ لماذا لا يعود معظم الآباء إلى المنزل في المساء؟ لماذا هم علينا غاضبون؟ لماذا ينبت الشوك على نبات الصبّار؟ هنا، تصبح كلمة لماذا، المفردة الأكثر صعوبة في اللغات كلها، طبعاً إذا لم تُحشر مفردة الله في الجواب!
قالت بيلسان: أشعر بالاختناق، باللاجدوى، أشعر ببشاعة الحياة، لم أعد أطيق صبراً.
أجابت سناء: كل شيء في الحياة يستحق الإعجاب، في كل شيء ثمت جمال من نوع ما. ثم أردفت هازئة: تعلن شركات رامي و بمباركة من خطيب المسجد الكبير عن افتتاح فروعٍ لها في المناطق غير المحتلة لبيع الورود ونباتات الزينة المستوردة والمستنبتة في الأبواط والخُوَذ الروسية.
هنا دخل الأب إلى الغرفة بمزاجه الرائق، قادماً من غرفة مكتبه، يحمل في يده كتاباً. وضع الكتاب الذي يقرأه على الطاولة. عانق الزوجة وابنته الصغيرة سويةً، ثم سأل عن قهوته.
قال: ما أطيب هذه الرائحة. هل تحضِّرين لنا كعكة العيد يا رفيقة دربي؟
أجابت أم صلاح: صارت تقريباً جاهزة، والفضل يعود إلى مساعدة بيلسان لي.
قال الأب: أدامك الله فوق رؤوسنا جميعاً يا حبيبتنا أم صلاح.
ثم توجه بالحديث إلى الصغيرة بيلسان بسيلٍ من الأسئلة: ما الأمر معك؟ لماذا تأخرت بالنوم؟ هل أنت مريضة؟ لا تنسي أنك هذه السنة، في الصف التاسع، يعني شهادة، النشاط ضروري. وضحك بصوتٍ عالٍ.
اندفعت الشابة إلى غرفتها وكأنّ مَسّاً قد أصابَها. ذُهِلَ الجميع لحركتها المفاجئة.
*****

تناولت سناء الكتاب، فتحته على الصفحة حيث وضع الأب بين طياته قلم رصاص، وقرأت بعينيها:
فلْتتوقَّفْ أيها العامل في ورشة ميكانيكة عن تصنيع أنابيب المياه وأواني الطهي وآلات الموسيقى النحاسية، ولتبدأ فوراً بتصنيع الأحذية العسكرية والخوذات الفولاذية والمدافع الرشاشة.
توقَّفْ أيها المدير عن إنتاج مسحوق الكاكاو والمعجنات، باشر فوراً بإنتاج وبيع مسحوق ملح البارود ومعجنات الديناميت والمواد المتفجرة!
إبدأي أيتها المحاسبة في محلٍ أو العاملة في ورشة خياطة بحشو القنابل وتركيب مَناظير الرؤية على بنادق القنص السريع!
اخترعْ أيها البيولوجي أشكال موت جديدة لمحاربة الحياة!
توقف أيها الشاعر عن كتابة أغاني الحب، اكتبْ أناشيد الكراهية!
وثّقْ أيها الطبيب في تقريرك أن حالة مرضاك لا تعيقهم عن الاشتراك بالحرب وأنّهم صالحون للسوق!
أنجبن أيُّتها الأمهات الأطفال ليصبحوا ممرضين في مشافي الحروب وجنوداً وقوداً لمعارك جديدة!
أيها الطيبون، إذا أُعطيتم واحداً من الأوامر أعلاه، عندها لا يوجد إلا شيء واحد تستطيعون فعله: قولوا بصوتٍ عالٍ: لا، لا للحرب، لا نريد تنفيذ الأوامر!
*****
يتبع في المقطع الثاني.