صراعُ الخير والشر … عند أجدادنا

فاطمة ناعوت
2017 / 10 / 31

صراعُ الخير والشر … عند أجدادنا
الصراعُ الأبديّ بين الخير والشر فوق هذه الأرض، لا يُحسَم لصالح الخير طوال الوقت، كما تقول معظمُ الأفلام العربية، والكثير من الأفلام الأمريكية، وجميعُ الأفلام الهندية. إنما يتناوبُ الخيرُ والشرُّ الانتصارَ والهزيمة، كما يؤكد لنا الواقعُ المُرّ الذي نحياه.
فكّر المصريُّ القديم في هذا الأمر وكان عليه أن يُقدّم تفسيرًا مقبولا لهذا السؤال الوجودي الإشكالي الهائل: لماذا لا ينتصرُ الخيرُ دائمًا، كما يفترضُ المنطقُ والفطرة السليمة، وكما تزعمُ قيمُ الفضيلة والجمال؟
ابتكر الجدُّ المصريُّ تبريرًا معقولا لتلك المسألة، وأودعه في كتاب الأساطير التي آمن بها أجدادُنا. تقول الميثولوجيا المصرية إن الإله "تحوت"، إله الحكمة عند الفراعين، هو المسؤول عن إدارة معركة الصراع الأزلي بين قوى الخير وقوي الشر، فوق الأرض. ولكن "تحوت" يدير تلك المباراة، لا ليُعلن المنتصرَ في نهايتها، إنما وظيفته أن يجعل تلك المباراة دائرة أبدية، لا تضع أوزارها، فلا تنتهي بفوز ولا بهزيمة. واجبه الأساسي هو الإبقاء على المعركة دون نهاية؛ لهذا يساعد بحياد الطرفَ المغلوبَ حتى تقوى شوكتُه ويغلب. فإن استقوى المغلوبُ وصار غالبًا، ساعد "تحوت" الطرفَ المغلوب الآخر حتى يقوى ويصير غالبًا، وهكذا إلى الأبد، حتى يظلَّ الصراعُ دائرًا دون نهاية محسومة لصالح الخير أو لصالح الشر. وهكذا استمر، ويستمرُّ، وسوف يستمر الصراعُ بين الجمال والقبح، بين الخير والشر، بين الحق والضلال فوق الأرض، حتى يستردّ اللهُ مملكَته وتعودُ كلُّ نفس إلى مُصوِّرها، فتعرف كلُّ يدٍ ما قدمت من حَسَن، ومن سيء.
الأسبوع الماضي، يوم 11 سبتمبر، خرجتُ في كروز نيلية جميلة مع الأصدقاء، لكي نحتفل بإله "الحكمة" (تحوت)، العالِم العظيم، الذي ابتكر أول وأقدم تقويم تأريخي عرفته البشرية. ولهذا كرّمه أجدادنا المصريون فجعلوا اسمه شهرًا يقفُ على رأس شهور التقويم المصري القبطي.
لم يكن تحوت عالمَ فلك وحسب، بل كان أستاذًا في الرياضيات والحساب والألسنيات، وهو مبتكر الأبجدية الهيروغليفية التي دوّنت وخلّدت حضارتنا الثرية القديمة، لهذا يُعرف "تحوت" كذلك بإله (القلم). كرّمه المصريون القدامى ونصّبوه إلهًا للحكمة والمعرفة في الميثولوجيا المصرية، تقديرًا لعلمه الموسوعي الغزير. وتُصوره الجدارياتُ الفرعونية بجسم إنسان ورأس طائر "أبو منجل". ويكون بهذا هو النظيرَ الذكوري للإلهة "ماعت" ربّة العدالة في أدبياتنا المصرية.
شهر: "تحوت"، الذي تحوّر مع الزمن إلى: "توت"، هو أول شهور السنة المصرية القديمة، التي احتفلنا ببدايتها منذ أيام لندخل العام 6259 على التقويم المصري القبطي. ذلك التقويم الذي يحفظه عن ظهر قلب كلُّ فلاح مصري راهن؛ لأنه يحسب مواعيد غرس بذوره في الأرض ومواعيد حصاده، وفق تلك الشهور الثلاثة عشر: توت (تحوت)، بابه (حابي)، هاتور (حتحور)، كيهك (كا-حر-كا)، طوبة (تا-ويت/ طيبة)، أمشير (مشير)، برمهات (بر-إم-حات)، برمودة (رع-نينت)، بشنس (خنسو/ القمر)، بؤونة (با-أوني)، أبيب (عبيب)، مسرى (مس-رع/ مصر)، نسئ (أبد-كوجي/ شهر صغير) وهو الشهر القصير الذي يضبط السنة القمرية مع السنة الشمسية. وأطلق المصريون القدامى على رأس السنة القبطية المصرية اسم "عيد النيروز". وأصله اللغوي مُشتقٌّ من الكلمة المصرية القديمة: ني-يارؤو، وتعني: (الأنهار). لأن شهر (توت/ تحوت )، بداية العام، يتوافق مع موعد اكتمال فيضان النيل (حابي) وهو أصل الحضارة والحياة عند المصريين القدامى.
أما سبب تحوّر الكلمة المصرية: ني-يارؤو، إلى "النيروز"، فيعود إلى الإغريق الذين دخلوا مصر مُحتلّين عام 323 ق.م. وكعادة الإغريق اللغوية في إضافة حرف (س) إلى أسماء الأعلام، فقد أضافوا للكلمة القبطية "ني-يارؤو" حرف: (س)، فتحولت إلى: (نيروس)، التي تحوّر نطقُها مع مرور الوقت إلى: (نيروز). عام مصري قبطي جديد سعيد على مصر والعالم أجمع. آمون/ آمين.