أضغاث أحلام

فاروق عطية
2017 / 10 / 29

مع هجمة نزلة البرد القاسية، وصعوبة التنفس مع الكحة الجافة، واضطراري لملازمة الفراش معظم ساعات النهار، وعدم مقدرتي علي كتابة المقال للعدد القادم من الصحيفة. لا أدري إذا كان ما حدث وأرويه لكم هو تخاريف مريض أم أضغاث أحلام. كانت السماء ملبدة بالغيوم كما هي كذلك في معظم أيام الخريف، رأيت حزمة من نور تخترق السحب وتنطلق بسرعة هائلة كأنها سهم موجه إلي حجرة نومي، وحين وصلت إلي زجاج النافذة توقفت للحظات تم اخترقت الزجاج دون أن تكسره أو حتي تحدث صوتا، وفجأة تحولت حزمة الضوء إلي رجل له نفس ملامحي ينتصب أمامي وعلي وجهه ابتسامة عريضة. ألقي عليّ تحية الصباح بصوت حسبته صوتي ينطلق من حنجرتي، نظرت له مليا وراعني شدة الشبه بينه وبيني مع فارق بسيط، لا تكاد العين أن تدركه، هو كصورة لي عندما أشاهد نفسي في المرآة. سألته من أنت فأجابني دون تردد: أنا مثيلك، أعيش علي كوكب ضرألا في الجهه الأخري من سمشلا، إبتسم ثم قال لي آسف نسيت أنكم تتحدثون نفس اللغة لكن بطريقة معكوسة كما أنا وأنت متطابقان لكن بصورة مرآة، أيضا التسميات معكوسة بنفس الطريقة، أنتم تقولون الأرض والشمس ونحن نقول ضرألا و سمشلا، أنت إسمك فاروق وأنا لي نفس الإسم ولكنه معكوس قوراف. ذلك لأن مجموعتنا الشمسية المختفية في الجهة الآخري للشمس مطابقة تماما لمجموعتكم الشمسية (سيس و ترانس) ولها نفس عدد الكواكب وتدور حول نفسها وحول الشمس بنفس سرعة مجموعتكم الشمسية، فقط انضرأ أقصد أرضنا هي صورة مماثلة كصورة في المرآة لأرضكم بها نفس القارات والمحيطات ونفس الدول ونفس اللغات، ومرت بنفس التاريخ والأحداث. أنا أيضا مثلك كنت أعيش في رصم (مصر) ثم انتقلت إلي ادنك، ولدينا ما لديكم من أثار، ونمُرّ بما تمرون به من مشكلات. رئيسنا يسيسلا كان وزيرا للدفاع في حكومة ناوخإلا، أيضا استطاع تخليص البلاد من تجار الدين بعد خروج الملايين تأييدا له، أنا شخصيا أحببته وأطلقت عليه إسم يسيسومحأ نسبة لإسم سومحأ الذي خلص البلاد من سوسكهلا.
سألته قبل أن يسترسل في الحديث: كيف عرفت أن هناك مجموعة شمسية أخري مشابههة وكيف وصلت إلي هنا ببساطة رغم أن ظروفكم كما قلت مشابهة تماما لظروفنا، بمعني أن التقدم العلمي وتكنولوجيا الفضاء بالقطع مماثل لما لدينا ؟؟ قال بعد أن ضحك ضحكة مماثلة لضحكي: قرأت في إحدي المخطوطات القديمة لأحد الفلاسفة أن هناك اضرأ أخري مشابهة، بها حياة مماثلة وبشر يعيشون نفس حياتنا، صدقت وآمنت بكل ما قرأت، وقررت أن أزور أرضكم وألتقي بمثيلي. وأنا لم أستخدم أي وسيلة مواصلات للقدوم، فقط استخدمت قدرات مخي البشري الذي حباني الله به، استخدمت وسيلة التخاطر عن بعد (التليباثي) التي دربت نفسي عليها مدة طويلة من الزمن، متدرجا في المسافات، وأخيرا استطعت أن أصل إليك. حقيقة أنا لست موجودا معك بجسدي، أنا معك الآن بفكري، ولتتحقق من ذلك حاول أن تمسكني أوتلمسني، بالقطع لن تستطيع لأننا نتحادث معا بالتخاطر.
ثم أردف استكمالا لحديثه قبل أن أقاطعه: أحببت الرئيس قبل أن أكتشف أننا يا صديقي كنا مغفلين في الثورتين التين قمنا بهما، وظننت أنني أحد المؤثرين في الثورة الأولي لما كتبته من مقالات ضد كرابم وضد خطته لتوريث الحكم لنجله لامج، كما اكتشفت أننا كنا مغفلين في الثورة الثانية أيضا، وأننا قد استُغلِلنا استغلالا مخططا في كلا الثورتين، من اكيرمأ و ليئارسإ في الثورة الأولي للتخلص من كرابم لحساب عملائهم نيملسملا ناوخإلا، وفي الثورة الثانية من الدولة العميقة للتخلص من نيملسملا ناوخإلا لعودة حكم جنرالات الجيش مرة أخري. ورغم ذلك أيدناه للتخلص من تجار الدين، لكنه للأسف استبدل "ناوخإلا"بمن هم أشد وأعتي مكرا وإرهابا "نييفلسلا" الذين بفتاويهم وتعاليمهم لتلامذتهم وخطبهم في الجوامع التي أتاحتها لهم الدولة امتلأت البلاد بالإرهاب ضد الجيش والشرطة وضد شركاء الوطن "طابقألا".
قلت له مؤمّنا علي كلامه: نعم أحببناه وتمنيبا أن يكون المخلّص للعبور من الدولة الدينية إلي للدولة المدنية العلمانية التي يتساوي الجميع فيها في الحقوق والواجبات دون النظر للدين أو اللون أوالجنس كما ينص الدستور، وما زلنا نأمل في عودته إلي صف الشعب الذي أيده وأثيت للعالم أن ما قام به ليث انقلابا بل تلبية لمطالب شعبية عارمة. كنا نأمل أن يعيد مكانة مصر الدولية ورفاهيتها المفقودة. كنا نأمل أن يعيد النظر في الخطة التعليمية العقيمة التي امتلأت بالفساد ونجاح الفاشلين علي حساب النابهين، وجامعات مترهلة لا تهتم بالبحث العلمي ويتخرج منها مزيد من الجهلة والغير مثقفين وإحداها تخرّج الإرهابيين. كنا نأمل أن يقضي علي المرض بتطوير المستشفيات وتحقيق العدالة الدوائية وتغيير منظومة التأمين الصحي. كنا نأمل أن يحافظ علي تراب الوطن الذي تركه لنا الأجداد كاملا ولا يتركه للأبناء والأحفاد منقوصا. لكنه بدل أن يسلك طريق إرضاء الشعب سلك طريق إرضاء مملكة الصحراء وأعوانها الوهابيين السلفيين. وبدلا من تنمية موارد الدولة لتحقيق الحياة الكريمة للطبقة الوسطي والطبقة الدنيا الكادحة، أصرّ علي إضافة تفريعة جديدة لقناة السويس موهما الناس بأنها قناة جديدة، وامتص مدخرات الغلابة طمعا في الفائدة الكبيرة (20%) وهو يعلم أن التجارة العالمية في كساد مستمر وأن دخل القنال في انخفاض مطرد، وبدلا من أن يسترد الغلابة مدخراتهم بفائدتها الكبيرة خسروا أكثر من 50% من قيمتها لانخفاض الجنيه المصري أمام العملات القوية. وبدلا من الحفاظ علي تراب الوطن تحدي التاريخ والجغرافيا والمنطق ومبدأ السيادة وتنازل عن تيران وصنافير الجزيرتين المصريتين رغم الحجج الدامغة التي اقتنع بها القضاء بكل درجاته، وأهداها لمن لا يستحق. وسار في طريق بعثرة الدخل القومي في بناء مدن ذات أبراج تخدم الطبقة العليا وتهدر أموال الشعب ناظرا لتمجيد إسمه كباني العاصمة الإدارية الجديدة التي لا حاجة ملحة لها آنيا كحاجتنا لتطوير السكك الحديدية ومنظومة المزلقانات لوقف نزيف الدم المستمر دون توقف من حوادث القطارات.
هز قوراف رأسه موافقا علي ما قلت وأضاف: أكثر من أيدوه داخليا بخروجهم علي بكرة أبيهم بالملايين هم "طبقألا"المسيحيين في 30 يونيو، وهم من قاموا دائما باستقباله والهتاف له في زياراته الخارجية، وقوفا ضد مؤامرات "ناوخإلا"ومحاولاتهم الدنيئة لتشويه صورته واتهامه بالانقلاب علي الشرعية، وكانت مكافأتهم كجزاء "رامنس"وتُركوا نهبا لتجار الدين يقتلون وينهبون ويحرقون مزارعهم وديارهم ودور عبادتهم ويهجرون عائلاتهم لأتفه الأسباب.
قلت له: إن ما حدث منذ أيام (الجمعة 20 أكتوبر) من تعرض قوات للشرطة لعملية إرهابية هي الأعنف منذ شهور كثيرة في منطقة الواحات البحرية بالجيزة عند الكيلو 135، أوقعت الكثير من الضحايا ما بين شهيد وجريح، حيث كانت قوة أمنية كبيرة تابعة لمديرية أمن الجيزة، متوجة إلى الواحات البحرية بعد ورود أنباء لقوات الداخلية عن تواجد عناصر إرهابية مختبئة هناك. وهناك نعتيم حول عدد الشهداء والجرحي، تصرح بعض مصادر الداخلية بأن الأعداد قليلة لا تتجاوز 16 شهيدا بينخم 11 ضابطا وعشرة جرحي بينما تذكر مصادر أخري بأن الأعداد كبيرة دون ذكر أرقام، بينما تذكر قناة الخنزيرة أرقام تصل إلي الـ 50 من الشهداء وأكثر من الجرحي وأن الإرهابيين استطاعوا أسر عدد من الضباط وعشرات من الجنود وتوجهوا بهم إلي ليبيا، وبالقطع نحن لا نصدق بيانات وشماتات قناة الخنزيرة لكننا نطلب إطلاع الشعب علي الحقيقة كاملة دون تهويل أوتقليل، وأفاد المتحدث الرئاسي، إلى أن الرئيس السيسي وجّه ببذل أقصى الجهد لملاحقة العناصر الإرهابية التي ارتكبت الحادث، وتكثيف الجهود الأمنية والعسكرية لتأمين حدود البلاد من محاولات الاختراق، مؤكداً بأن الدولة ستواصل مواجهة الإرهاب ومن يموله ويقف وراءه بكل قوة وحسم وفاعلية، حتى القضاء عليه، وعدم السماح بتحقيق أهداف الإرهاب في التأثير على الروح المعنوية للشعب المصري.
قال مثيلي: هذا الحدث الرهيب سيؤدي بالرئيس لأحد طريقين، أحدهما أن يستمر في مهادنة "ناوخالا" و "نييفلسلا"فيزداد سعيرهم وتقع البلاد في الكثير من الحوادث الإرهابية تؤدي لمزيد من تدهور شعبيته، ويحجم الشعب عن انتخابه في التصويت علي الفترة الثانية. قد يقول البعض إذا لم ينتخب الرئيس ستعود البلاد تحت حكم "ناوخالا"وما به من إرهاب، أقول لهم الإرهاب في كلتا الحالين موجود والله يفعل ما يريد. والطريق الثاني أن يعتبر الرئس هذا الحدث المأسوي المفتاح السحري لزيادة شعبيته، بالضرب بيد من حديد علي منظّري الإرهاب والمحرضين عليه، ويكون ذلك بتفعيل الدستور الذي يمنع تكوين أحزاب علي أساس ديني ويتخلص من كل مشايخ "نييفلسلا"وغلق منابرهم، ويوقف مهزلة استمرار رؤوس قيادات "ناوخالا"بالسجون مرفهون منعمون حتي قُضوا علي أعداد كبيرة من البط والأوز المصري، ويأمر بإعدام من صدرت له أحكام بالإعدام فورا، ومحاكمة من لم بحاكم أمام محاكم عسكرية ناجزة. ويأمر بوقف تدريس المناهج التي تمجد الإرهاب وتدعو إليه في كتب التراث المعروفة والتي قتلت نقاشا وبحثا.
فجأة استأذن مثيلي في الرحيل ومال عليّ ليقبّل جبهتي فأحسست ييرودة شديدة مكان قُبلته فاستيقظت لأجد إبنتي تضع منديلا مبللا بماء مثلج علي جبهتي لتخفيض درجة حرارتي.