الإله والسياسى..تسييس الإله أم تأليه السياسى

سامى لبيب
2017 / 10 / 29

- الدين والفكرة التى تنتهك إنسانيتنا (91) .

لى رؤية لفكرة الإله تختلف عن رؤية المؤمنين له تتمثل فى أنها فكرة وإبداع بشري محض لم تنشأ من التأمل الخالص للطبيعة بل من مخاض الألم والعجز عن عبور الألم أى لم تأتى فكرة الإله من إنسان جلس على ربوة عالية أخذ يتأمل فى سببية الطبيعة ليخرج بفكرة وجود إله أنتج كل هذه الطبيعة والحياة , بل نشأت فكرة الإله عندما تألم من مظاهر الطبيعة فذهب لربوة عالية يبحث فى كيفية الخروج من ألمه ونتيجة لعجزه وجهله تخيل وجود كيان من مكونات الطبيعة ذاتها مُنتج لهذا الألم ليتوسل له ويقدم القرابين لمنع أذاه .
تتعدد الآلهة بتعدد ظواهر الطبيعة ثم يلجأ الإنسان للعمومية والشمولية بتجميع الآلهة فى واحد لينتاب الفكر الإنسانى التجريد فينتج الصورة الإلهية الحالية فهكذا جاءت فكرة تطور الآلهة لينتج الإنسان وهمه بيده ثم يصدقه ويتماهى فيه .!

لى رؤية إضافية نتاج بحثى فى ماهية فكرة الإله والدين وأراها رؤية مؤثرة ومؤسسة فى تكوين فكرة الإله , فإذا كان الإنسان إبتدع فكرة الإله كرغبة لتجاوز ألمه وعجزه وجهله باحثاً عن مُعين ليراضى هذا المتحكم فى قوى الطبيعة , ولكن الأمور لم تقف عند هذا الحد فهناك رؤية وفلسفة وغايات ومنهج إنسانى يتصور ويتخيل هذا الإله ليرسم ملامح فكرة الإله وتعاطيها مع الإنسان , لأرى الأمور لم تخلو من فكر السياسى فى تشكيل فكرة الإله , فإذا كانت الفكرة بدأت فى البزوغ فلا معنى أن يترك ملامحها فى يد البسطاء ليقفز عليها الأقوياء والساسة فى رسم ملامح شخصية الإله بما يتوافق مع خيالهم وميولهم وأمزجتهم لتخدم فى النهاية مصالحهم ورؤيتهم الأيدلوجية للحكم والهيمنة .. أى ان الساسة صاغوا ورسموا ملامح فكرة الإله الفاعلة على أرض الواقع لينصب الإهتمام برسم سلوكيات ومرامى وغايات وسياسات للإله يريدها من البشر من خلال فلسفة وايدلوجية ومنهج الساسة , ولتتم هذه الأمور بشكل ثقافى عفوى طبيعى فى الغالب وليس بوضع خطة متعمدة لنحظى فى النهاية على فكرة الإله التى رسمها السياسى .
هذا المقال حرى به أن يكون بحثاً مستفيضاً يوثق كل مشهد وتأمل سيكولوجياً وميثولوجياً وتاريخياً وأنثربولوجياً , لأعتبر مقالى هذا بمثابة رؤوس مواضيع تتناول رؤيتى بشكل موجز معتمداً على وعى وذكاء القارئ فى إستقراء المشاهد وتأملها .. دعونا الآن نرى ملامح رسم السياسى لفكرة الإله .

- فكرة إستبدادية تجد هوى السياسى أو قل رسمها السياسى .
الإيمان بالإله حالة من الإمتهان والبشاعة والقسوة المفرطة , فإذا كنا نقبل بمعاقبة السلوكيات الخاطئة فهناك من يعاقبنا على أفكارنا وأحلامنا .. إذا كنا نؤمن فى عصرنا بحرية الفكر والتعبير فهناك من يحرقنا ويعذبنا لأننا تجرأنا على التفكير .. فكلما تأملت فكرة الإله والأديان التى سوقت لها ستجد فكر فاشي إستبدادي مُنتهك لإنسانية الإنسان .
يجب التوقف قليلا للسؤال من أبدع فكرة الإله الذى يعاقب على الأفكار والنوايا والأحلام ؟ هل هو الإله ذاته ؟ لنرد بأن الإله غير موجود وإذا كان موجوداً فهل من المنطقى والمقبول أن يكون إستبدادياً ديكتاتورياً لا يكتفى بمعاقبة السلوك بل يعتنى بمعاقبة الأفكار داخل الدماغ ؟! ولكن الحقيقة أن فكرة الإله فكرة سياسية وصل بها الإجحاف والتسلط أنها لا تقبل مجرد حرية التفكير لذا وجد الإستبداد والظلم مكاناً فى المجتمعات التى إنبطحت لفكرة الإله , لنجد الحكام الذين يحاسبون البشر على أفكارهم وميولهم , ولنسأل هل الإله المُستبد ألهم السياسى نهجه أم أن السياسى هو من رسم ملامح الإله الإستبدادى .؟!

- الإله والبرجماتى .
ألف باء سياسة هى البرجماتية وتعنى الوصول للأهداف والمصالح بأى طريقة ولا يهم التنازل فى سبيل ذلك لنجد أن السلوك الذى يطلبه الإله المُفترض هو سلوك يدفع الإنسان نحو البرجماتية ,فهناك هدف يتمثل فى الجنه وهذا يطلب بذل جهد فى هذا الصدد يتمثل فى العبادة والخضوع والطاعة وعلى الإنسان المثول لهذه الطلبات حتى لو كانت رغماً عنه للوصول للهدف .
لو نظرنا إلى الفلسفة المثالية لفكرة الإله سنحظى على التناقض فهى تطرح فكرة الإله الكامل الغنى الغير خاضع للحاجة والإحتياج , أى أنه لا ينتظر مواقف وسلوك الإنسان , فلن يزيده عبادة البشر له شيئاً , ولن ينقصه إنصرافهم عن عبادته شيئاً , فهو كامل غنى ليس تحت الحاجة , ولكن السياسى جعل الإله تحت الحاجة ( وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون ) لتتغلب منهج وبرجماتية السياسى فى صياغة علاقة الإنسان مع الإله وفق رؤيته فلا توجد علاقة بدون مصلحة وغاية .

- أنت حر ولكن إحذر معتقلاتى .
الله يمنحك حرية الإختيار فأنت حر , لكن لو فعلت ما لا يريده فسيشويك فى الجحيم إلى الأبد!!..لنسأل ماقيمة الحرية إذا كانت ممارستها ستجلب المصائب والألم؟! كما من أبجديات الحرية والإختيار أن توافق و توقع على شروط العقد , فالإنسان لم يختار من البدء خوض هذه التجربة والمقامرة أم لا , كذا لماذا يُفترض في كائن قوي جبار أن يخلق مخلوقاً عنده القدرة على التفكير ثم يطلب منه أن يتصرف بإسلوب يعاكس ما خلقه له , أن يمنحه الحرية وعند ممارسة الإنسان حريته يعاقبه فى جحيمه السرمدى , أن يقهر الإنسان على السير وفق أقداره ومشيئته ثم يحاسبه أنه رضخ رغماً عن أنفه لهذه الأقدار.!
هذا الفكر الإزدواجى هو فكر السياسى الذى رسم ملامح الإله , لتجد الساسة وخصوصاً فى عالمنا العربى البائس أكثر المتحدثين عن الديمقراطية والحريات وعندما يقوم المواطنين بمحاولة التعبير عن أرائهم تجد غضب ومعتقلات الحاكم تنتظرهم , وكما قال السادات : الديمقراطية لها مخالب وأنياب .

- يَسأل ولا يُسأل .
الإله يَسأل ولا يُسأل هو ألف باء إيمان فى علاقة شديدة الإجحاف والإنسحاق والعبودية .. لن تجد صعوبة شديدة فى فهم من أسس ورسم صورة هذه العلاقة وجذورها المستمدة من مجتمع السادة والعبيد , فالسيد يَسأل العبد عما فعله بينما العبد لا يجرؤ أن يَسأل السيد فهكذا كانت فكرة السياسى فهو يتحكم ويسود بوضعية يَسأل ولا يُسأل .
عندما أبدع السياسى رسم ملامح فكرة الإله ووضع رؤيته بيَسأل ولا يُسأل كشكل طبيعى يراه للعلاقة مع الجموع وفق رؤيته ومزاجه وفهمه ’ ليرسخ بيَسأل ولا يُسأل أركان ونظام المجتمع , فنظام يَسأل ولا يُسأل هو النظام السائد والفاعل فى السماء وسيكون فى الأرض أيضاً .

- مشروع التمايز والفوقية وسيلة تكوين الهوية .
الفكر الايمانى الدينى هو مُنتج من منتجات السياسى , بمعنى هو وسيلته ونظريته التى يسقطها على الدين مطالباً الإنخراط فى مشروعه , موظفاً فكرة الإله لإرساء أيدلوجيته ونظامه وحكمه , فعلى سبيل المثال هناك مفارقة غريبة فى الإيمان بالإله , فمهما آمنت بالإله كخالق عظيم فأنت كافر ما لم تؤمن بالإله مع محمد أو يسوع أو موسى ولتضيق الدوائر داخل الدين الواحد لتُكَفر وتَلفظ إيمان المذهب الآخر كما فى الإسلام والمسيحية , لتصل الأمور أن هناك 72 فرقة من المسلمين فى النار وهناك فرقة واحدة ناجية حسب قول محمد .
قبل أن نحلل هذا المشهد نسأل عن موقف وفكر الإله إذا كان موجوداً وما الذى يهمه ؟ أليس إيمان البشر به كخالق واحد متفرد هو كل المعنى والمغزى أم أنه لن يقبل الإيمان به إلا مرتهناً بالإنتساب لخليقه من خليقته محمد أو يسوع أو موسى .!
هنا الإيمان فكر السياسى بخلق الهوية المتفردة التى لا يشاركها أحد بغية التمايز والتعالى الفوقى والعنصرية من خلال إحتكار الإله فى صورة معينة , وبذا يتمكن السياسى من تسريب فكرة التمايز والأفضلية الدينية أو القومية لدى الأتباع على الأجناس الأخرى فيضمن الولاء والتبعية والإنخراط فى مشروعه بحماس .

- توحيد الإله أم توحيد السياسى .. التوحيد كتعبير عن إقصاء المنافس لدى السياسى .
شهدت الإنسانية تعدد وتنوع شديد للآلهه وفى تصورى أن هذا التنوع مفيد لتطور الإنسان الحضارى والفكرى بقبول فكرة التنوع والتعايش السلمى بين كافة المؤمنين , لتأتى مرحلة التوحيد بدمج الآلهة فى واحد وتفرد الإله الواحد بالهيمنة لتكون هذه رغبة السياسى فى إحتكار السلطة والتفرد بها , وقد شهد التاريخ أول محاولة للتوحيد قبل الأديان التى يقال عنها توحيدية على يد "إخناتون" ليتجلى لنا بوضوح فكرة السياسى فى حسم صراعاته والتفرد بالحكم والولاء بسحق كافة الولاءات الأخرى لتنتقل فكرة التوحيد بعد ذلك إلى أديان وعقائد شتى .
المنطق الذى يقدمونه لتفسير الإله الواحد هو منطق السياسى , فيزعمون لو تعددت الآلهة لتنازعوا وتناحروا على السلطة ليستقى هذا المشهد من صراع الملوك والساسة على الحكم , ليغفلون منطق أن تلك الآلهة وعوالم الميتافزيقا بفرض وجودها لن يخضعوا لمنطق البشر وصراعاتهم , فهكذا فكرة الإله الواحد تعبير عن الإستبداد والهيمنة والإقصاء ليس من منظور الإله بالطبع بل ممن إختلق فكرة الإله ورسمه سياسياً لتمرير رغبته فى الهيمنة والسيادة والتفرد , ليستحضر السياسى هنا منهجه وفكره لنصرة فكرة التوحيد بغية التفرد بالسلطة والحكم والولاء .

- تمرير فكرة أن صاحب البلوى والمصيبة هو صاحب الحل .
شوف ربنا حنين أد إيه .. شوف ربنا رحيم أد إيه .. كلام يدل على عقلية إيمانية لا تفكر , فالرحمة والحنان جاءت من صاحب البلوى والمصيبة , فإذا كانت البلايا والمصائب من خارج الإله لنجده يتدخل برحمته وحنانه ليدفعها عنا فهنا يحق القول أنه حنون وطيوب ورحوم , أما إذا كانت البلايا والمصائب منه فلامعنى للإمتنان لحنانه ورأفته وطيبته .. عندما نرى المؤمن يحمد الله حينما يصيبة الضرر والبلاء فتجد أب يحمد الله بعدما فقد إبنه , بينما الطبيعى أن يلعنه على المصيبة التى أصابته طالما الإله المسئول عنها وفق مشيئته وقدره .. أرى قصة الحمد هذه لها فوائدها ومضارها , ففائدتها تكمن فى عدم المعاندة أمام المصيبة طالما التصدى للمصيبة لن يُجدى , ولكن الضرر يكون فى هكذا نهج المؤمن بالإستسلام والإنسحاق دوماً عند أى مصيبة .!
تخدم تلك الفكرة الدعائية السياسى بتجميل حكمه فهو يتدخل لإنقاذ شعبه بالرغم أن سياساته سبب الأزمات والبلايا ليحظى على الإنسحاق والإستسلام من الرعية .

- الإله المستبد العادل لخدمة السياسى المستبد العادل .
يتم الترويج لفكرة السياسى المستبد الديكتاتورى ولكنه عادل بعدما رسم السياسى صورة الإله المستبد العادل , فالميثولوجيا الدينية حافلة بمشاهد عديدة للإله المستبد الديكتاتورى المتفرد بقراراته فهو من فرض نظامه وقوانينه وشرائعه على البشر , ولا يقبل أى معارضة وجدال لأحكامه وقراراته حتى ولو كانت فكرية , ورغماً عن كل هذا فهناك إصرار وإلحاح شديد أن الإله عادل كسمة مميزة له , ومن هنا تم صياغة نهج المستبد العادل الذى صاغه السياسى ليخدم تفرده وليستخدم كافة الساسة هذه الرؤية فى الحكم والتفرد , فمازلنا نشهد حتى الآن قبول وخضوع لفكرة السياسى الديكتاتورى العادل , ومن هنا أتصور أن شيوع الديمقراطية والحريات ستضعف فكرة وجود إله .

- بزوغ وتمرير وقبول المازوخية والسادية .
الإيمان بالإله ينتهك إنسانيتنا ويشوه قيمنا وفكرنا ونفسيتنا فلن نكون أخلاقيين بدون الأب الديكتاتور , فنحن مجبرون على محبة كيان نخاف منه لتجتمع السادية والمازوخية فى آن واحد ليتمرغ الإنسان فى حالة دونية من مازوخية تستمتع بالإنبطاح والذل والتماهى فى كيان سادى يبث الخوف والفزع وليعيش أجواء محبته فى نفس الوقت ! , ومن هنا نفهم لماذا تتمرغ شعوبنا تحت نعال من يذلها ويقهرها لتعيش أجواء الحب من خلال الإحتفاء به وبموكبه وبعيد ميلاده والبكاء والنحيب على رحيله , لنعاود السؤال هل فكرة الإله شوهت المجتمعات الإنسانية أم أن الساسة رسموا صورة الإله الجبار المُحب لينالوا الحب والرهبة ..أتصور أن الساسة والأقوياء رسموا تلك الصورة للإله بشكل عفوى ليتشرعن وجودهم فى هذه الحالة .

- تمرير بشاعة العقاب وقسوته .
نُسلم بمشهد غضب وإنتقام الإله الرهيب فنتقبل عقلياً ونفسياً عقاب لا نهائى على أخطاء محدودة , فالعقاب الإلهى المُفترض هو عقاب لانهائى غير محدود زمنياً على أخطاء بشرية مُفترضة مُحددة ومَحدودة زمانياً , ومن هنا تقبلنا التعسف والظلم المُفرط من حكامنا ومستبدينا فهناك نموذج فى الفكر لمن ينتقم ويعاقب بإفراط على أخطاء محددة .

- أولى الأمر .
وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولى الأمر منكم آية قرانية لو تناولناها بالقول أطيعوا أولى الأمر منكم وأطيعوا الرسول وأطيعوا الله فلن يحدث خلل بالآية وفقا لقواعد اللغة , فالواو حرف عطف لا يفيد الأسبقية والترتيب .. لكن دعنا من هذا فمن كتب هذه الآية هو السياسى الذى يعتنى بالخضوع والطاعة وليس لديه أى مشكلة من طاعة الإله طالما سيترسخ مفهوم الطاعة لأولى الأمر فهكذا السياسة الفاعل والراسم الحقيقى لملامح فكرة الإله .
إذا ساورك الشك فى طرحى فلتسأل نفسك ماعلاقة طاعة الإله والخضوع له بطاعة أولى الأمر ليأخذ هذه الحصانة التى يطلبها السياسى , فلن يُجدى القول بأن طاعة أولى الأمر مرهونة بطاعة الله فكيف تعرف ذلك ؟ كما أنه من السهولة تصوير السياسى وهو يصلى ويحج ولا بأس من أن تتزين جبهته بزبيبة ويرفق مع خطابه آية وحديث .

- يُحاسب ولا يَحاسب .
يُحاسب ولا يَحاسب رغبة السياسى ولا مانع ان تكون رغبة الإله المُفترض .. فالسياسى يروج من خلال بطانته من الكهنه والشيوخ ليبرر تفرده وتسلطه وديكتاتوريته بالقول : ان الاله يُحاسب ولا يَحاسب ليمرر تبريراً لهذا القول أن الإنسان لا يحاسب الله مثلما هو ملتزم بقانون البلد الذي يعيش فيه وليس له السلطة أن يجادل ويغير كيفما شاء , ليتم تمرير فكرة أن هناك من يُحاسب ولا يخضع للحساب لتجد حضور فكرى ثقافى تسمح للسياسى بالتفرد دون محاسبة ومسائلة .
نسأل من أين جاء الإستسلام لقانون البلد والعجز عن تغيير السلطة فى شعوب العالم الثالث ؟ فهل نشأ العجز والإستسلام من فكرة اللاهوت حيث كان الملك هو الاله أم أن الفكر اللاهوتى إقتبس هذه الرؤية والنهج من الشأن الإجتماعى السياسى ؟.. هناك جدلية ما فى هذا المشهد فمن إخترع فكرة الإله القوى الذى لا يُحاسب هو السياسى كرغبة منه فى تمرير فكر ونموذج سياسى يبتغيه خارج الحساب , ومن هنا تبنى الفكر السياسى فكرة الإله الذى لا يُحاسب ترسيخاً لفكرة السياسى خارج الحساب .!

- الأخلاق هى فلسفة السياسى .
من الأخطاء الشائعة مفهومنا عن الأخلاق فإرتبطت فكرة الأخلاق بالثواب والعقاب , والحرام والحلال , بينما الأخلاق فى مفهومها الحقيقى بعيد عن هذه الرؤية والفوبيا , فالأخلاق تعنى السلوك الطيب الذى ينتج تعايش سلمى ودود بين البشر.
فكرة الأخلاق فى مفهومها الدينى هو إنتاج الساسة فهم يتعاملون بسياسة العصا والجزرة , الترغيب والترهيب ,حتى يخطو البشر فى منظومة حديدية تفقد السلوك الطيب معناه فداء أدلجة البشر فى منظومة أخلاقية ترضى الساسة والأقوياء .. حان الوقت أن يرتقى الإنسان ليمارس سلوك بعيد عن العصا والجزرة .

- لا سلوك طيب خارج منظومة السياسى والدولة .
هناك فكر غريب تُصدره الأديان وهو أنك لو تعاطفت مع الفقير كونه إنسان يُعانى لتتوسم أن تخرجه من معاناته فقد فقدت ثواب الإله , فيجب أن تساعد الفقير ليس لكونه إنسان يعانى بل لمراضاة الإله .. هذه فكرة سياسية يراد تصديرها فأنت تعمل بكل طاقتك وجهدك لأجل السيد الحاكم والدولة وليس من أجل مجتمع انسانى متعاطف متحضر مثلا , فلتنظر لمراضاة الحاكم وهو من سيتولى المسئولية فى العناية , فلا تخلق من ذاتك مشروع رعاية واعتناء .!

- المعرفة ملفوظة لدى السياسى والإله .
لاحظ أسطورة شجرة معرفة الخير والشر لتصدر فهماً بالنفور من المعرفة , ولتدرك أن فلسفة الدين هو التنفير من المعرفة .. وفى فهم أخر يقال أن آدم لم يطيع الإله ولم يرضخ لأمره فلا تختلف شيئا عن سابقتها ففى ثنايا هذه الرؤية التنفير والتقبيح لمن لا يرضخ ولا يطيع بدون نقاش.
توقف وتأمل قليلا فلا يوجد إله حتى يُحذر من المعرفة ولو وجد فرضاً هذا الإله فهل تتصور أن المعرفة تزعجه لتثير غضبه , فكيف ينتهج الإنسان الحياة التى يريدها الإله لو لم يعرف الفرق بين الخير والشر , لتكون الإجابة الباهتة المتهافتة أن معرفة الخير والشر تتم عبر لوائح يُصدرها الإله وماعلى الإنسان سوى الطاعة والتنفيذ .. فألا ترى أن هذا السرد هو فكر وفلسفة الساسة فى إقرار المعرفة التى يريدونها وعزل البشر عن المعرفة الحرة بل وصل الحال بالساسة إلى سياسة تجهيل الشعب وإبقاءه جاهلاً , فالمعرفة ستعطى نتائج وخيمة .

- وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ .
هذه الآية حجر الزاوية فى الإيمان بالرغم أن الضوء لا يقع عليها كثيرا .. فإذا كان السياسى رسم للأنبياء والكهنه الخطوط العريضة لرؤيته ومنهجه المُبتغى لكنه فى هذه الآية تدخل بشكل فج فى صياغة النص ليمرر رؤيته الطبقية بالرغم أن هذه الرؤية ستثير الغبار على فكرة الإله وعدله .
لنا أن نسأل ما الحكمة فى إنساب هذه الآية إلى إله فهى تنال من حكمته وعدله لتجعل الإله ذو تفكير طبقى , فإذا كان الإله يُقيم إختبار للبشر فألف باء إختبار أن يمنح الجميع فرص وظروف متساوية فلا يضع إنسان فى ظروف قاهرة ويطلب منه سلوك كمن عاش فى ظروف مريحة أى أن فكرة وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لا تتوافق مع العدل والحكمة الإلهية المُفترضة لكنها ستجد القبول والحماس من الطبقات المهيمنة , ومن هنا نتحسس أن السياسى الطبقى صاغ ورسم فكرة الإله لخدمة مصالحه .

- الإله مُقسم الأرزاق لخدمة الفكر السياسى الطبقى .
على نفس هذه الشاكلة تأتى فكرة الإله مُوزع ومُقسم الأرزاق فأراد لهذا أن يكون غنى وذاك فقيراً لتكون هذه الفكرة رؤية السياسى الطبقى الذى يريد تخدير جموع الفقراء والمحتاجين ليرضوا بحالهم ولا يقلبوا الطاولة على الأغنياء , فهكذا هى رؤية ومشيئة الإله الرازق لتحصين الأغنياء من ثورة الفقراء , ليبدع السياسى فكرتين الأولى تخديرية فالإله سيشمل الفقراء برعايته فى الجنه فلا إنحياز للأغنياء ولا إقصاء للفقراء ليجد الفقير تعزيته فى الجنه الموعودة , والفكرة الثانية تخديرية أيضا تعتمد على إلقاء الفتات والمعونة والمساعدة من الأغنياء للفقراء .

- السياسى والعسكرى والإله .
أنظر للصلاة والطقوس الدينية فستجد مجموعة من الحركات الجسدية والتمتمات المصاحبة لها تتم بصرامة وروتين شديد , وعندما تسأل عن جدوى هذه الحركات فلن تجد لها معنى ومغزى , بل ستجد إنزعاج شديد من سؤال ماذا لو كانت الصلاة ناقصة أو زائدة ركعه فلماذا تُبطل الصلاة وكأن الإله المُفترض جالس يعد الركعات .!
من أنتج الطقوس هم الكهنه بإيعاز من السياسى , فالسياسى يريد تجييش البشر وقولبتهم فى نظام حديدى يطلب فيه الترويض مشترطاً عدم التفكير والمعارضة .
لنأخذ مثال مبدئى وحاضر لدى كافة الجيوش , عندما يؤمر الجنود بممارسة طوابير صارمة بدون تفكير مع النهر من مناقشتها بغية شل فكر الجندى فما عليه سوى تنفيذ الاوامر , كالطوابير المملة السخيفة التى يؤمر فيها الوقوف "صفا" أو "إنتباه" أو "تحية العلم" لنسأل ما جدوى هذه الطوابير العبثية وهل تفيد فى القتال والحروب ؟!
فى الحقيقة هى مفيدة من منطلق ترويض وتجييش الجندى وبرمجته ونزع أى تفكير فيه وذلك لينفذ الأوامر بلا جدال , فقمة الانبطاح والبرمجة أن يمارس الانسان أداء حركى بدون تفكير .. هكذا الحال فى الصلاة فعليك أداء بعض الحركات بصرامة وبدون تفكير فما الفائدة من هذا ؟ فى حالة الجيش ستتعلم أن تنفذ الأوامر بلا جدال فحين ستؤمر بالقتال ستنفذ , وفى حالة الصلاة والطقوس فسيتم برمجتك وترويضك على عدم التفكير ونزع العقل المفكر من الفعل والجدال ليتم تعبئة دماغك بعد ذلك بكل الخرافات والغيبيات بسهولة وبدون ممانعة .

- أديان الأغنياء والفقراء إنتاج السياسى أيضا .
شهد التطور الإنسانى أديان الأغنياء والأقوياء فقط , وأديان الفقراء والاقوياء , فهناك أديان بدائية إعتنت بتعظيم وتمجيد الأقوياء مع نفى شراكة الفقراء لتؤدلج المجتمعات على الخضوع لهم وليستأثر الأغنياء بكل الحياة , ولكن يكتشف البعض أهمية أديان الأغنياء والفقراء معاً وذلك بإشراك الفقراء والضعفاء لدعم سيادة الأقوياء والحيلولة دون الثورة وقلب الطاولة .
فكرة العالم الآخر والخلود كانت حكراً على الأقوياء ليرى بعض الأذكياء أن هذا أنانية مُفرطة بالإستيلاء على الحياة فى الدنيا والآخرة لتنشأ أديان الفقراء والأقوياء , فتسمح للفقراء بالحياة الآخرة والخلود لتخفف من بشاعة الأنانية والتمايز الفوقى كما تسمح فى الوقت ذاته بتخدير الفقراء تحت دعوى التعويض فى السماء , ولترسخ هيمنة الأقوياء بقفازات حريرية فلن ينال الضعيف الحياة الآخرة والخلود مالم يخضع للأقوياء ولا يتذمر , ومن هنا تكون أديان الفقراء والأغنياء فكر ذكى من السياسى الذى يخشى من الثورة وقلب الطاولة .

- سر تعاسة الإنسانية .
إن سبب تعاسة الإنسان أنه إستسلم دوما في كل حياته ليستمع للمعلم أو للكاهن أو لشخص يخبره كيف يخرى وكيف يمسح مؤخرته وكيف يتبول جالساً وليس واقفاً وأهمية تقبيل يد الكاهن بتقديس والتمسح بالأيقونات المقدسة , فهذا كل ما يأمله السياسى بخلق العجز عن التصرف الحر ليُصدر هذه السلوكيات والنواهى من خلال الدين أو مؤسسته السياسية .
عندما ينسحق الإنسان لكل التوجيهات الدقيقة منبطحاً أمامها بلا تفكير وبلا قدرة على أن يكون حراً فحينئذ يسحتق كل ما يعانيه .. حان الوقت التخلص من السياسى وأقنعته .

دمتم بخير.
- "من كل حسب طاقته لكل حسب حاجته " - أمل الإنسانية القادم فى عالم متحرر من الأنانية والظلم والجشع .