إني لأعجبُ كيف يمكنُ أن يخونَ الخائنون!

فاطمة ناعوت
2017 / 10 / 29

اللهم اربطْ على قلوب الثكالى أمهات الأبطال، شهداء مصر من أبناء الشرطة، الذين ذهبوا عنّا إلى فردوس الله، في كمين الواحات.  اللهم أحسِنْ عزاءَ مصرَ برحمتك وعوّضها خيرًا فيمن فقدتْ من أنبل وأكرم أبنائها ممن سهرت عليهم مصرُ سنواتٍ حتى تعلّمهم وتدرّبهم على العمليات القتالية الخاصة ليحموا حِماها ويذودوا عن ثراها. وبعد، آن وقتُ الالتفاف حول الوطن ونبذ أيّة مذهبياتٍ وطوائفَ وعنصرياتٍ وتكتلات. آن وقتُ أن نجتمع حول حروف ثلاثة شريفة ليس لنا ملاذٌ إلا بين حضنها الذي لا نعرف لنا حضنًا غيرَه: مصر. آن وقتُ أن يتركَ كلٌّ منّا أحزانَه الخاصة جانبًا، ونجتمع لنحيط بقلب مصر قبل أن يخفُت، لا سمح اللهُ ولا قدّر، فتخفُت معه قلوبُنا، ونموت.
وبعد. “إنّي لأعجَبُ كيف يمكن أن يخونَ الخائنون!/ أيخونُ إنسانٌ بلادَه؟/ إنْ خانَ معنى أن يكون/ فكيف يمكنُ أن يكون؟!”
وجدتُ تلك الأبياتُ، لـ "بدر شاكر السيّاب"، تحفرُ حروفَها في ثنايا قلبي جاريةً مجرى الدم، وأنا أقرأ عن الضابط الذي رجّحت مصادر أمنية تورطه في العملية الإرهابية الأخيرة، جعلها اللهُ أخيرةً. الضابط السابق، الذي فُصِل من القوات المصرية، لينضمّ لتنظيم أنصار بيت المقدس الإرهابي، ثم تنظيم داعش الوحشي. ذلك العميل الذي استغلّ معرفته بمداخل ومخارج الطرق الجبلية الوعرة، وخبرته في استخدام الأسلحة، التي علمته مصرُ الطيبةُ كيف يحملها ليحميها مع رفاقه، لكنه صار شوكةً في خصرها، حين سلّم عشرات من جنود مصر النبلاء إلى حتفهم، لتخسرهم مصرُ وتدمى قلوب أمهاتهم الحزانى، وقلوبنا! كيف أمكنه أن يكوّن خليةً إرهابية حقودة على الأرض الكريمة التي أنجبتهم، فراحوا يُهرّبون الأسلحة والذخائر والنواسف من حدود ليبيا إلى داخل أرض مصر الشريفة، فيكونون نبتةَ عارٍ لا يستحقون شرف الانتساب للجميلة أم التاريخ حاضنة الدنيا؟!
تصفه التقاريرُ الأمنيةُ بأنه يُعدُّ من أخطر العناصر الإرهابية، بعد التحاقه بالقوات الخاصة، الصاعقة، كفرد تأمين عقب تخرجه، وثارت حوله الشبهات، حين وبّخ ببذيء القول قارئَ قرآن في أحد المساجد التي كان يصلي بها بسبب خطأ في التلاوة. ثم فُصل من القوات المسلحة المصرية بعد محاكمة عسكرية إثر تحريضه المباشر ضد الجيش المصري. وسرعان ما كوَّن خلية إرهابية تضم مجموعة من التكفيريين، بينهم أربعة من ضباط الشرطة المفصولين من الخدمة لعلاقاتهم المشبوهة بالإخوان والجماعات التكفيرية. ثم رصدت الأجهزة الأمنية سفره لتركيا عام 2013، ثم تسلله عبر الحدود إلى سوريا، وتلقيه تدريبات حول "تصنيع المواد المتفجرة والعمليات القتالية"، ليشارك في عدة عمليات إرهابية، منها مذبحة كمين الفرافرة في يوليو 2014، ومذبحة العريش الثالثة في فبراير 2015، واشتراكه في اعتصام رابعة المسلّح، وغيرها.
هذا الخائن، إن ثبت تورطه في تلك المذبحة الآثمة، سوف تتم محاكمته ومعاقبته بما يليق، ولكن، كيف لنا أن نعاقب الشامتين في دم أبناء مصر المختبئين كالجرذان في تركيا وقطر؟! هل أقل من أن يُحرَموا من شرف هائل لا يستحقونه، هو شرف الانتساب لمصر، ولنا بالتبعية كمصريين، بكل أسف؟ إني أشعرُ بالعار أن يحمل أولئك الخونة ذات الجنسية الكريمة التي أحملُها ويحملُها أطفالي، ثم أطفالُ أطفالي حين يرون نورَ الحياة كمصريين نبلاء!
أوجه سؤالي إلى القضاء المصري وإلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وإلى كلّ صنّاع القرار في بلادي، وإلى تشريع بلادي وصائغي قوانينها: "ألم يئن الأوانُ بعد لتُسقطوا الجنسيةَ المصرية الشريفة عن الشامتين في دماء جنود مصر النبيلة؟!" إني لأتساءل: من أيّ دنس قُدّت أرواحُ أولئك الحاقدين على مصر من أبناء مصر، بكل أسفٍ أقولها؟! من أية عفونةٍ صيغت قلوبُهم وألسنهم التي تفرز القيح في حق مصر كل صباح وكل مساء؟! ثم سؤالاً أوجّه للأزهر: “ألم يحِن الحينُ ليكون خطابكم أكثر تحديدًا وحسمًا بشأن التكفيريين والدواعش الذين يملأون جنبات مصر على منابرها وشاشاتها وشوارعها وإعلامها؟!”
وفي الأخير، أرسل حبي واحترامي والتحية الراقية لإحدى أيقونات مصر النبيلة. الفنانة الجميلة، الوطنية النبيلة د. إيناس عبد الدايم، التي قررت إلغاء حفلات "دولة الأوبر"ا ثلاثة أيام كاملة، بما في ذلك حفلتها الصولو الخاصة، التي ننتظرها شهورًا طوالا، حدادًا على شهداء مصر النبلاء. شكرًا لكل نبيل يحمل اسم بلادي وعزاءً طيبًا يا مصر.