ناب كافكا المخلوع

هاله ابوليل
2017 / 10 / 28

بينما كادت تنفجر رأسه من وجع أسنانه , سمع صوت والدته من الغرفة الأخرى حيث تنتصب لوحة العائلة الكبيرة يقول مبتسما :" أن لا أحد يموت من وجع أسنانه

و يرد الأب الذي كان يحمل صغيره قائلا :" هناك فقط من يموت من الضحك !

وانتشرت بعدها هستيريا الأصوات الضاحكة ,بات الكل يقهقه ويقهقه ويمد لسانه الأحمر القذر بسخرية . كان ثمة تواطأ جماعي للسخرية - لم يعجبني .

الضحكات ملأت الرواق بالبزاق الطري والتصقت بالجدران , فبدا ذلك الرواق مغمسا بالكآبة

ذلك الرواق الذي يصل الغرفة التي أقيم بها والغرفة الأخرى التي تصدر منها الضحكات وبين الحمام الذي لتوه خرج منه وبين شرفة تمتد حتى السماء .

أخرج الأصوات من الشرفة مراعيا أن لا تصيب أحدا من المارة , وأغلق النوافذ كلها بالأباجور الأسود حتى لا تدخل تلك الأصوات من بين الشقوق وتسخر منه مجددا .

حجب الشمس عن غرفته أيضا وجلس في العتمة يعلك ذكرى تلك الأيام وهو يضع دواء على شكل حبوب في جوفه وبعد أن مضى وقت غير طويل لم يشعر فيه بالراحة ولهذا فقط عزم النية على زيارة طبيبته الشابة الرحيمة التي خلعت له ضرسا متمردا كان يغرس أنيابه في اللحم مضطجعا بحركة رجل شرب لتوه كرعة خمر مخمرة ,

في الطريق - حيث تنتظر الحافلة البشر الحفاة , صادفت كلبا مسعورا , امسك بتلابيب ثوبي ولم يتركني الكلب حتى نهش قماش بنطلوني وغرز أنيابه في اللحم - لولا أن سمع الكلب صوت صاحبه يدعوه للكف عن إزعاجي لأحتفظ الكلب بقطعة لحم طازجة . لحم بشري مملح و قمىء وبارد كان سيجعله أكثر بشريه من أقرانه وكان سيموت هو الآخر من الضحك كما ماتت قافلة من سبقوه ممن علكوا اللحم البشري المملح ..

وتساءلت في عقلي بينما الرجل صاحب الكلب يتمتم بكلمات لم أسمعها ولم أترجمها لئلا تثور ثائرتي وأغضب كنت فقط أفكر بالطبيبة التي ستفاجأ من هيئتي المزرية .

كيف ستراني الطبيبة الشابة بمثل هذا البنطلون الممزق.

ولم يكن واردا لدي بعد أن قطعت ثلث المسافة فكرة أن أعود لتغييره , فأنا على بعد دقائق من حيث تقيم الدكتورة في عيادتها .

وكنت قد التحقت بحافلة الحي القديمة المهترئة التي تركت في أذني صوت عجلاتها على الرصيف طيلة يوم كامل . مزيج من فوضى الحطام ومضغ البلاستيك في العجل ممزوجا بتكسير حصى الشوارع .

كأنت السكرتيرة غير موجودة - لذا وجدتني ادلف لغرفة الدكتورة التي ما أن رأتني حتى صرخت بقوة كي أخرج ولم أعرف سر رد فعلها إلا حين وصلت للبيت , .

في الحمام- إنهمرت المياه على جسمي المتعب بغزارة ثم و بعد أن أرغيت الصابون على رأسي , توقفت المياه فجأة .

حاولت أن أرى من مصدر الماء الذي كان منهمرا والصابون يمنع عيناي من الرؤية .

مشيت كي أتفقد أن كانت جميع الحنفيات قد أغلقت , فلم أجد سوى جسمي يتمدد على أرض الحمام و رأسي بالذات يجش على حافة المغطس .

ولا أعرف كم مضى علي من الوقت هناك ممددا في أرض الحمام , فقد استيقظت للتو و وجدت نفسي ما أزال أنز دما من رأسي ومن عضلة فخدي حيث نهشني الكلب , وبقية جسمي مغطى بالصابون اللزج . ولكني على فراشي هذه المرة - حيث الملاءة البيضاء على السرير الأسود , منفوخ الوجه مغطى بدماء حمراء قانية تنز من رأسي.

بالحقيقة لم تعط المرآة الجانبية ملامح لوجهي المعتادة , كنت غريبا عن نفسي , فنظرت للمرآة مرة أخرى للتأكد من ملامحي التي لم أعرفها ولم تعرفني ولكني لم آبه بذلك أيا من أكون , فأنا أرقد على سريري بحالة مزرية وليس ثمة من يحضر لي ماءا . كان يوجد بالقرب مني فنجان قهوة أسود تطفو على وجهه ذبابة قميئة . تركت كل الفضاء الحر وغمست نفسها بالكوب , كنت أشعر بالعطش الشديد و حاولت أن أخرج صوتا فلم اسمع شيئا , غمست الذبابة إلى داخل قعر الفنجان و إرتشفته حريصا على أن لا تكون الذبابة من ضمن الخليط الذي دخل جوفي

ولكني في لحظة وجدتها قد علقت في جوفي ولم يبقى في الفنجان سوى رشفة ضئيلة حتى تنزل .

تذكرت أني كنت استحم ولم أفكر بكيفية وصولي للسرير - كان المنزل غارقا بالعتمة وضوء قليل يتسرب بخجل من بين أحد الشقوق , وفجأة وجدت وجه الطبيبة القاسي - الذي كان ينظر لي بقرف واشمئزاز

وجلست أفكر بالسبب الذي جعلها لا تكن احتراما لي .

كان البنطلون الممزق مرميا على الأرض و تذكرت الكلب وهجومه الشرس وصاحبه الذي لم اسمع منه شيئا سوى أنه كان يهددني لسبب ما أجهله .

مددت يدي لأحركها يمنة ويسرة ولكي أرى أن كان ثمة عطب أصابها , فإذا بها وبلمحة البرق تصيب كوب القهوة الذي بقيت فيه رشفة وحيدة مدت لونها على كل أرضية الغرفة فأصبحت الغرفة بنية قانية كئيبة .

تدحرج الكوب مرات عدة واختفى كقطع صغيرة في أركان الغرفة .

وضعت الوسادة على رأسي لأمنع نزيف الرأس الذي اغرق وجهي و بدأت أتحسس الجرح الحار الذي كان ينبض بدفق متتابع ومن ثم مر أصبعي الصغير على جرح عميق أحدثته حافة المغطس الحاد . يا للهول

ما كل هذه المصائب التي تقع فوق رأسي .

زحزحت جسدي عن شرشف السرير الذي تحتي فسقط أرضا و سقطت معه على الأرض وكأني قطعة هشة لا وزن لها ولا غبار , هكذا سقطت بلا خجل , فشعرت بوخز في يدي - لقد شقت قطعة زجاج صغيرة من الكوب المكسور يدي و بينما كانت أصابعي تبعد قطع الزجاج المنثور , وجدتني اضحك وتذكرت أبي الذي قال صوته ساخرا

:" هناك من يموت من الضحك يا بني , فبدأت أقهقه حتى نسيت ألم الزجاجة التي اخترقت لحمي وانسابت تجري ببطء قاتل في لحمي .

لا اعرف كيف ضحكت وفجأة وبينما كنت امسك الملاءة بفمي و حاولت أن اقطع منها شريطا صغيرا بأسناني , تذكرت وجع السن الذي جعلني أمر بكل تلك الفوضى في يومي هذا وإذا بناب محدب قميء يسقط من فمي

أمسكته بيد ترتعش و وضعته على ناصية الطاولة وأخذت أحشو مكانه نتف الملاءة التي ملئت بالدم و جعلته على الجرح الجديد بعد أن غطيته بأوراق المحارم , ثم بالملاءة نفسها عملت لفافة قماش حول رأسي عدة مرات لأمنع تدفق الدم الذي كان ينز من جبهتي في حين أن قطعة الزجاج تأخذ طريقها و تغوص بلحمي مجددا وأنا أتتبع سير مرورها و وقوفها في شريان الدم .

فجأة شهقت كانت عيناي تحدقان برعب بالناب الذي سقط من فمي , تتبعت سقوطه فرأيته يتحرك ثم ينتصب على قدميه ويقف أمامي صغيرا .

فجأة أصبح الناب ينمو وينمو وتضخمت قدماه اللواتي كن مغروسات في أعمق أعماق جذور فمي واستطالتا وأصبحتا قدمين هائلتين ترتديان بنطلون ممزق .

أصبح الناب رجلا , يرتدي قميص أبيض ناصع البياض و يلف قطعة قماش نظيفة حول رأسي , بدلا من تلك التي مزقتها من شرشف السرير الخاص بي .

طالبني الناب أن اذهب للتبول .

في سري قلت من هذا - الذي يأمرني !! فليذهب للجحيم هو وعائلته ..

قلت له وأنا أراه يتطاول و يمد يده لصفعي

:" أن الماء مقطوع

ولكنه عاد وهو يجحرني بعيناه الضيقتان قائلا :" أن الماء غير مقطوع .

وغاب لمدة قصيرة في المطبخ , أرسلت عيوني وراءه , خرجتا من محجرهما وتتبعتاه حيث وقف أمام مرآة الحمام
كانت تراقبانه فرأيته يفرك أسنانه بالخل.

وتعجبت وأنا أراه يسخر مني وكأنه يقول :ابعد جواسيسك فرجعت عيناي الى محجرهما وإدعتا النوم .

في حين كانت أصابعي تتحسس مكان الناب الفارغ , فدعوته بلطف للعودة إلى فمي ولكنه رفض .

كيف استطال وتحول لشخص يلقي الأوامر ويضع كرافه فوسفورية حول عنقه , وقميص ناصع البياض .

دخل الغرفة من جديد وقد ارتدى قبعة , فبدا ضئيلا و قميئا وهو يتحدث عن المؤتمر العالمي الذي فاته بسببي فشعرت بالرثاء لحاله .

كنت أراه قزما رغم ضخامته ولا يراني جديرا بالإحترام .

ولكنه فجأة حدق بملامحي قائلا أنه رآني في زمن فائت . فجلس على كرسي مقابلي يحدق بي

و يتذكر وفجأة نظر لساعته بقلق .

وعندما وجدني مازلت في الفراش كشر عن أنيابه , فرأيت أسناني الصفراء جميعها في فم الناب الضخم .

فتعجبت وبحركة خاطفة تأكدت من وجود أسناني في فمي فلم أجدها .لقد سرق اللص كل ما أملك - حتى ملابسي التي كان يرتديها .

دهشت كيف تسنى لهذا الناب أن يسرق أسناني وملابسي , رفعت نحوه رأسا حائرة فوجدته يمد لي يدا وهو يقول بحسم وإصرار:" اغتسل من الصابون, سنخرج معا في مشوار قصير .

أمسكت بيده وأنا خائف فوجدت يدا رخوة تشدني كان الماء يسيل بغزارة على أرض الحمام .

دسست رأسي تحت الماء فانهمر شلال الماء الصاخب يزعج أذني فخرجت كل الأصوات المغمسة بحصى الشوارع ورائحة الزفتة الكريهة وقمامة الطريق , خرجت جميعها للشارع و ثم شعرت بوخز يؤلمني وأنا أرى الزجاجة التي غرزت حوافها بلحمي تخرج بملقط حديدي . ثم خرجت الذبابة التي دخلت جوفي بعد أن فردت أجنحتها الرقيقة في وجهي تاركة إياي أغرق برائحة رذاذ قهوتها الباردة التي كانت تستحم به .

وعادت الأصوات الضاحكة من خلال الجدار التي تنتصب فوقه لوحة للعائلة منصوبة في وسط الجدار - يوجد بها صبي صغير يحمله والده وهو يكشف عن أسنان صفراء أنهكها سيجار السنين الفائتة .

ثم دخلت الضحكات مجددا إلى رأسي , وانتشر الضوء مرة أخرى بالشقة حيث الرواق الذي يفصل غرفتي بغرفة اللوحة - التي يوجد بها صغير يحمل على الأكتاف .

وصوت الأب يقول ساخرا

هناك كثير من البشر يموتون من الضحك يا ولدي

وصوت الأم يرد عليه

لا أحد يموت من وجع الأسنان يا ولدي

سوى الحمقى .