الدكتور سهيل إدريس: رمز ثقافي شاخص الحياة الشخصية معين للسرد الروائي

شكيب كاظم
2017 / 10 / 27

فقدت الثقافة العربية والإبداع العربي رموزاً شاخصة ومثابات رصينة خلال شهر شباط من عام 2008 إذ رحل يوم الأحد العاشر منه الناقد المصري المعروف والصحفي رجاء النقاش وفي اليوم الثاني رحل الروائي والقاص العراقي المبدع الرائد فؤاد التكرلي وفي يوم الثلاثاء التاسع عشر منه رحل الأديب الروائي والناشر اللبناني المعروف الدكتور سهيل إدريس الذي كان له شرف التأسيس لمجلة ثقافية ريادية فتحت صدرا رحباً لأقلام المبدعين العرب واعني بها مجلة (الآداب) الرصينة والتي كان النشر فيها يعد بمثابة جواز مرور الى القراء في دنيا العرب كافة كذلك إلى الدوريات والمجلات المصاقبة والمثيلة.
لقد جاء إصدار الآداب ليؤشر نهجا مغايراً لعملية الكتابة والنشر في الوطن العربي إذ بعد ان كانت غالب المجلات تنهج نهجاً كلاسيكياً وتتناول قضايا ليست ذات مساس بحاجات القراء وآمالهم وأهدافهم مثل: مجلة (الرسالة) التي أصدرها الأديب المصري احمد حسن الزيات وكذلك مجلة (الأديب) اللبنانية التي أصدرها البير أديب بجهد شخصي منذ عام 1941 واستمر على رعايتها وإصدارها حتى وفاته عام 1984 مع انها عانت صعوبات في الطبع والتوزيع ابان اشتعال الحرب الأهلية في لبنان في شهر نيسان من عام 1975.
لقد كانت مجلة (الآداب) من المجلات الحديثة المؤمنة بالمشروع النهضوي العربي الذي شهد تصاعداً ومداً منذ بداية العقد الخمسيني من القرن الفارط فكانت واحة لأقلام المبدعين وكما عانت (الأديب) صعوبات النشر والتواصل بسبب الحرب فان هذا الأمر انعكس - كذلك - على (الآداب) فدأبت على اختزال أعدادها حجماً وزمنا، فكنا نطالع الأعداد المزدوجة، فضلاً على تناقص صفحاتها.
ولان اغلب مجلاتنا مرتبطة بأعمار مصدريها بخلاف المجلات والدوريات التي تصدر عن مؤسسات رسمية فها هي (الأديب) تتوقف لرحيل منشئها البير أديب عام 1984 وها هي (الكاتب المصري) التي أصدرها الدكتور طه حسين في الاربعينات تتوقف لأسباب خاصة لتلحقها (الرسالة) للزيات ومن قبلها مجلة (لغة العرب) التي أصدرها الأب انستاس ماري الكرملي في بغداد أثناء العقد الثاني من القرن العشرين فضلا على مجلة (شعر) الحداثية الشعرية التي أصدرها الشاعر اللبناني يوسف الخال مطلع عام 1957 بمؤازرة من الشاعر السوري الحداثي أدونيس وشوقي أبي شقرا وانسي الحاج وفؤاد رفقة وعصام محفوظ وكذلك مجلة (حوار) التي أصدرها الشاعر الفلسطيني توفيق صايغ التي صاحبها الكثير من اللغط والتقولات والاتهامات، ليوقفها صاحبها توفيق صايغ بعد هزيمة عام 1967 والذي سيغادر الحياة في احد المصاعد بإحدى العمارات الشاهقة في مدينة نيويورك وها هو أدونيس يصدر مجلته (مواقف) بعد انفصاله عن جماعة مجلة (شعر) وبعد اكثر من خمس وثلاثين سنة على إصدارها (1969 - 1994) تتوقف مجلة (مواقف) ومجلة (أبو للو) لأحمد زكي ابو شادي، أقول: ولأن اغلب مجلاتنا المعرفية والثقافية مرتبطة بأعمار مصدريها فقد تحسب الدكتور سهيل إدريس، لتقلبات الزمن فأوكل مهمة مواصلة إصدارها إلى نجله الدكتور سماح إدريس، منذ منتصف التسعينات بعد ان انس في نفسه ضعفا أو ما يشبه الضعف وتلك الأيام نداولها بين الناس.
ولن يقف أمام جبروت الزمن في مسيره نحو اللا اين واللا متى اية قوة أو وسامة وشباب وإذ أسس الدكتور سهيل إدريس مجلته (الآداب) فانه اردفها بدار نشر راقية حملت الاسم ذاته (دار الاداب) ساعدته في ادارتها زوجته، الدكتورة عايدة مطرجي إدريس فقدمت للقراء منذ عقود تأسيسها الأولى ترجمات وافية عن الحركات الثقافية الجديدة، وقتذاك مثل: الوجودية فمن خلالها اطلعنا على إبداعات الفيلسوف الفرنسي الوجودي جان بول سارتر او صديقته الكاتبة والروائية سيمون دي بوفوار (1909 - توفيت في 14/4/1980) فضلا على إبداعات البيركامي المقتول بحادث سيارة يوم الجمعة 1/1/1960 وكذلك الروائية فرانسوا ساغان التي اشتهرت بروايتها الجميلة (مرحى يا كآبة) فضلا على إبداعات الكتاب العرب وشعرائهم.
لقد بدأ سهيل إدريس حياته التعليمية في المدارس الدينية ذات القسم الداخلي ولبس العمامة وكان يزهو وهو صغير في الذهاب إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة، وكان أبوه المزواج يرغب في تنشئته نشأة دينية لكنه لا يلبث ان يتمرد على رغبات أبيه، فيغادر المدرسة الدينية نحو المدارس المدنية العامة نازعا الجبة وعمامته متعرضا لسخط أبيه وغضبه، رجل الدين الذي كان يجد في ابنه امتداده الطبيعي، لكنه يخيب ظن ابيه فيه، فبعد ان كان يطرب لوصف الناس له، فضلا على اهله وذويه بـ(الشيخ) وفرحه الشديد وغبطته بان يعتمر العمة ويعتم بها، ويتجلبب بالجبة يباهي الناس، خارجاً من داره الى المسجد ظهر كل يوم جمعة، او ذهابه صباح كل يوم سبت الى مدرسته الدينية، التي لا يعود منها الا ظهر الخميس اضحى يشعر بالحرج وهو يرى الناس ينظرون اليه ولعل خياله الخصب كان يصور له الحال على غير صورة الواقع او اكثر مما هو في واقع الامر اذ كان يحس في نظرات بعضهم اليه هزءاً وسخرية منه، كونه صغيراً على هذا اللباس الديني، الذي هو زي الرجال الكبار مما فصله طويلاً في روايته (الخندق الغميق) التي هي سيرة ذاتية بامتياز لحياة سهيل ادريس منذ الطفولة مرورا بايام الصبا والفتاء والشباب الاول وانتهاء بمغادرته الحياة اللبنانية نحو فرنسة للدراسة ويكمل سهيل ادريس سرده الروائي الذي يقترب من السيرة الذاتية في روايته الجميلة (الحي اللاتيني) التي تصور حياته ايام الدرس في باريس لتشكل ومجموعة من الروايات كتبها عرب درسوا في البلاد الاوروبية صورة من تصادم الثقافات او تلاقحها بدءا برواية (كتاب خالد) للاديب اللبناني الراحل امين الريحاني المكتوبة بالانكليزية اصلا والصادرة عام 1911 وكذلك رواية (عصفور من الشرق) لتوفيق الحكيم و (اديب) لطه حسين و (قنديل ام هاشم) ليحيى حقي و (الدكتور ابراهيم) للاديب العراقي ذي النون ايوب ورواية (السفينة) لجبر ابراهيم جبرا و(الاشجار واغتيال مرزوق) للدكتور عبد الرحمن منيف و(موسم الهجرة الى الشمال) رائعة الروائي السوداني المتوقف عن الابداع والكتابة، اسفاً الطيب صالح، ورواية (قلب على سفر) للاديب العراقي الكبير الدكتور يوسف عز الدين و(شرق وغرب) لفؤاد الشايب ومن هذا اللون من الكتابة الباحثة عن العلاقة بين العرب والغرب كتاب (تخليص الابريز في تلخيص باريز) الذي كتبه رفاعة رافع الطهطاوي عام 1834 وكتابه الاقل شهرة وذيوعاً (مناهج الالباب المصرية في مباهج الاداب العصرية) الصادر عام 1869 وكذلك الجزء الاخير من (حديث عيسى بن هشام) لمحمد بن ابراهيم المويلحي.
فضلا على هاتين الروايتين (الخندق الغميق) والتي يستوحي فيها سهيل ادريس حياته ايام الدراسة في الكلية الشرعية ببيروت 1937 - 1941 و(الحي اللاتيني) التي كانت حياته ايام الدرس في باريس معيناً له في سرده الروائي، وتنتهي بعودته الى عاصمة بلاده بيروت حائزاً على الدكتوراه اما روايته الثالثة (اصابعنا التي تحترق)، التي اصدرها عام 1962 فتصور حياته بعد عودته الى بيروت وتاسيسه لمجلة (الاداب) ومواصلة اصدارها والتي يطلق عليها في الرواية اسم (الفكر الجديد) وحبه لالهام واقترانه بها ومعابثات من اراد المعابثة والمشاكسة كما انها رصد لحيوات العديد من مبدعي لبنان وشعرائه ومفكريه: رئيف خوري وسعيد تقي الدين وعايدة مطرجي ادريس والشاعر سعيد عقل والشاعر السوري نزار قباني وان هو حاول جاهداً التورية والابتعاد، قدر المستطاع عن ان تكون روايته تسجيلاً او اقتراباً من الرواية التوثيقية او الوثائقية، ويظل ادريس يحمل الاسم ذاته في اعماله الروائية، (سامي) فضلا على رواياته الثلاث تلك فانه نشر الجزء الاول من مذكراته؛ سيرته الذاتية التي لم يستطع تاطيرها في ضمن سرده الروائي ذاك، اسماها (ذكريات الادب والحب) صدرت الطبعة الثانية منها سنة 2002 عن دار الاداب، ويبدو انه لم يتمها لان اصدار المجلة والاشراف على دار الاداب كان ياخذ جل وقته ان لم نقل كله كذلك نشر رسالته للدكتوراه والموسومة بـ(الرواية العربية الحديثة من 1900 الى 1950 والتاثيرات الاجنبية فيها).
لم يقف جهد الدكتور سهيل ادريس عند كتابة الروايات الثلاث وسيرته الذاتية ومذكراته فضلا على رسالته للدكتوراه، بل كتب وهو الاديب الشفيف مرهف الحسن عديد القصص القصيرة ضمتها مجاميع قصصية ثلاث هي الاخرى، هذه الاقاصيص التي اسماها ادريس اقاصيص اولى اعاد نشرها مجتمعة عن داره، دار الاداب لاول مرة سنة 1970.
واعاد نشرها مرة اخرى عام 2000 واشتملت على المجموعات القصصية (اشواق) المنشورة اول مرة عام 1947 و(نيران وثلوج) 1948 و(كلهن نساء) 1949 وهي تمثل كتاباته القصصية ايام الدراسة في فرنسة، وكانت هذه المجاميع تعاني ضعفا في البناء القصصي، وكنت اتمنى عليه لو لم يعمد الى نشرها ثانية، وان يتركها ثاوية في الاماكن التي نشرت فيها اول مرة، لكن هو الانسان وحبه لما يكتب، وشغفه به يدفعه لجمع هذه البدايات ونشرها حتى اذا مرت السنوات وهدأت النفوس وجد انها لم تضف الى رصيده الابداعي ان لم اقل انها اكلت من جرفه وهذا هو سهيل ادريس يسوق بين يدي اعادة نشر نصوصه القصصية هذه تسويغه لنشرها فيقول (تذكرت تلك المجموعات الاولى التي نسيها القراء وكدت انساها معهم فخطر لي ان اعيد نشرها ولكني اذ رجعت اليها اقرأها من جديد، احسست بعدم الرضى عنها وحكمت بانها لا تمثلني بَعْدُ بيد اني توقفت عند مضمون هذه العبارة: (لا تمثلني بعد اذن فقد كانت تمثلني من قبل وفي فترة من انتاجي فهل يحق لي ان اسقطها من حساب التطور الفني الذي مر به هذا الانتاج؟ انني ابتسم الان لدى قراءتي كثيرا من هذه الاقاصيص الاولى فتنشأ لدي القناعة بانني لا التمس المعاذير اذا حكمت بانها من انتاج الشباب الاول الذي يفتقر الى النضج الحياتي والنضج الفني جميعاً...).
واذا كان ادريس قد نشر بمحض ارادته هذه المجموعات القصصية الثلاث وسوغ لنفسه نشرها فان ورثة المبدع الكبير الدكتور عبد الرحمن منيف الذي تسلل اليه الموت خلسة يوم السبت 24/ من كانون الثاني /2004 قد اساءوا لذكراه بنشرهم رواية (ام النذور) التي كتبها منيف عام 1970 والتي تمثل كتاباته الاولى او اول ما كتب ولو كان يتوسم فيها خيراً لنشرها في حياته مع انه بدأ حياته الابداعية بعمله الروائي الجميل (الاشجار واغتيال مرزوق) الصادرة عام 1974.
لقد استغرق ادريس العمل في الترجمة وادارة المجلة (مجلة الاداب) فضلا عن مهمات اعمال دار الاداب اقول: لقد استغرقه العمل واكل وقته لذا كانت الثمرة الابداعية قليلة ثلاث روايات وثلاث مجموعات قصصية، فضلا على رسالته للدكتوراه والجزء الاول من سيرته الذاتية وهو نتاج قليل قياساً بالعقود الستة التي امضاها ادريس في دنيا الحرف والكتابة مما يؤكد ضرورة التفرغ للمبدعين والكتاب واضعين في الحسبان ان الكتابة في عالمنا العربي لا يمكن الاعتماد على مردوداتها المالية في ما يقيم الاود أو العيش على العكس من كتاب اوربة والغرب فلقد اكل العمل المتواصل في الترجمة عيني المبدع العراقي المغترب غائب طعمة فرمان وبصرهما العمل المتواصل في دار التقدم بموسكو للترجمة الى العربية اكل نظره ولو كان تفرغ للكتابة والابداع لقدم لنا نتاجاً روائياً ثراً هذا الفرمان الغائب عن تربة العراق. من جهة اخرى كثيراً ما ناقشت اصدقائي من الكتاب والادباء عن اسباب شغفهم بالمنصب الاداري، وركضهم وراء وجاهة المنصب وبهارجه الذي ياكل من جرف الابداع والكتابة فالادب والمعرفة: قراءة وكتابة وحياة تقترب من حيوات الزهاد والنساك والمتصوفة، وادارة الظهر للحياة ويهرجها الزائل، وصولا لما هو ابقى في الذاكرة، ذاكرة القراء وقراطيس الكتابة ومدادها وكثيراً ما اضع امام ناظري عالم الاجتماع والعمران والتاريخ، ولي الدين ابا زيد عبد الرحمن بن خلدون الذي كان به شغف لا يحد للجاه والمنصب، ماذا كان سيقدم للتراث العربي والانساني لو قصر حياته على التاليف والكتابة؟ هو الذي فرغ نفسه بعض الوقت فكتب لنا المقدمة فضلا على كتابه ذائع الصيت (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في اخبار العرب والعجم والبربر ومن والاهم من ذوي السلطان الاكبر) ومذكراته او سيرته الذاتية الموسومة بـ(التعريف بابن خلدون ورحلته شرقاً وغرباً) الذي قام بتحقيقه محمد بن تاويت الطنجي.
ترى لو اخذ ابن خلدون بنصيحة ذلك الفيلسوف الروماني لوشيوس انايوس سنيكا: قل كلمتك وامش، ولو لم ينشغل بامور الحياة وسفسافها، وموقفه من الغازي تيمورلنك لارض العرب ودمشق خاصة وتملقه له، ماذا كان سيقدم للعقل العربي والإنساني؟!