الصين ... مرمى النار الأمريكية

عدنان الصباح
2017 / 10 / 27

اعتاد العالم القطبية المتناحرة او المتحاربة منذ بداية التاريخ الانساني وعادة ما كانت الامبراطوريات الاستعمارية تسعى لبسط نفوذها على اوسع مساحات من الارض في مواجهة الامبراطورية الاخرى الى ان انتقل الصراح الى شكل التحالفات بالمظهر العام والسيطرة القطبية في الجوهر ولعل ابرز ما كان من ذلك هو قطبية امريكا والاتحاد السوفياتي وبعيدا عن الاستعمار المباشر ظلت الدولتان اللتان مثلتا قطبي العالم المتناحر تقود الصراع والاقتتال احيانا بشكل مباشر وغير مباشر على اراضي الغير وكانت الامثلة على ذلك كثيرة ولعل ابرزها كانت حرب فيتنام وظلت الدولتان تسعيان لحماية مصالحهما من خلال حماية حلفائهما ايضا وحتى مصالح هؤلاء الحلفاء الذين شكلوا ظهيرا حقيقيا لكل منهما في كثير من بقاع الارض وقد سمحت ظروف هذا الاستقطاب المتنافر في ظهور مراكز قوى في الكثير من مناطق العالم ولعل ارزها وما يهمنا هو ما ظهر جليا في الوطن العربي فقد مثلت مصر بقيادة جمال عبد الناصر مركزا للتأثير السوفياتي في المنطقة ومثلت السعودية مركزا للتأثير الامريكي وتجلى ذلك في صراعات دامية احيانا قليلة كما هو الحال في اليمن وهادئة في الكثير من الاحيان وانقسم العالم العربي ايضا حول القطبين المتنافسين او حول وكلاء القطبين الاكبر وقد ظلت مصر تلعب دور الحليف للاتحاد السوفياتي حتى غياب عبد الناصر لتنتقل بعد ذلك للعب دور المساند للمركز الامريكي في المنطقة وهي السعودية بينما حلت العراق وسوريا كبديل لمصر في مواجهة المشروع الامبريالي الامريكي في المنطقة.
في نهاية الثمانينات انشغل الاتحاد السوفياتي بقيادة غورباتشوف بصراعاته ومتغيراته الداخلية مما اتاح المجال للإمبريالية الامريكية للتمهيد جيدا لما سياتي فيما بعد من تحول العالم الى عالم القطب الواحد وقبيل الاعلان الرسمي عن تفكك الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي برمته استغلت الولايات المتحدة ذلك بغزو العراق في مطلع العام 1991م وهو ما قدم لها الاثبات النهائي عن وفاة القطب الثاني المناوئ لها ولأطماعها في العالم وجعل من العالم وفي المقدمة العوبة بيد الولايات المتحدة الامريكية واطلق ليدها العنان لتفعل ما تشاء وكانت تجربتها الاولى في العالم العربي بغزو الكويت ليس بصمت عربي فقط بل وبأوسع مشاركة من الدول العربية رغم الرفض الشعبي العارم لذاك الغزو واهدافه وهو ما انتهى بضياع العراق وجعل خيرات البلد نهبا بيد امريكا وشركاتها مع اعطاء الفتات لشركائها حسب اهميتهم وبالتأكيد لم يكن العرب من هؤلاء الشركاء اصحاب لحق الحصول على اي من غنائم العراق وشعبه لتكتشف بعض الدول التي شاركت بتلك الحرب انها راحت ضحية خداع امريكي قذر وفي المقدمة من هذه الدول كانت سوريا التي سرعان ما عادت لموقعها الرئيس كعدو للمصالح الامريكية في المنطقة العربية وكمركز لقوى الثورة المناهضة لإسرائيل وامريكا.
تداعيات الدور الامريكي في عالم القطب الواحد دفعت بأمريكا ليس للاستفراد الآني فقط بل وللبحث عن ابعد حد ممكن لممارسة الاستفراد هذا وهو ما دفع بها الى ايجاد عدو مفترض او بعبع تستخدمه متى شاءت كأداة لتخويف العالم ومبررا لضرب كل قوى الثورة على تلك القاعدة وقد وجدت في بعض ادواتها المفترضة من الوان التدين السياسي ممن كانوا حلفاء لها في افغانستان في معركتها هناك ضد السوفيات ولم يعد يختلف ان احداث 11 سبتمبر كانت اداة امريكية بشكل او بآخر لتبرير الاستغوال على الاسلام ولإجبار العالم على اعتبار الاسلام وجها آخر للإرهاب.
في العقد الاخير سعت امريكا لفرض سيطرتها على العالم العربي بهدفين بعيدين الاول الاتمام على مهمتها لنهب خيرات العرب وثرواتهم وتدمير الوطن العربي وتقسيمه واعادة رسم خارطته وترسيخ كذبتها عن الارهاب الاسلامي الذي ساهم عبر ادوات امريكا في العالم العربي وتحديدا في السعودية ودول الخليج في تسهيل مهمة الامبريالية لنهب خيرات العرب في العراق وليبيا واضعاف دور مصر واشعال النار على اطراف الخليج في اليمن, لكن اللا مدرك ابدا ان عين امريكا الحقيقية موجهة نحو العدو الأخطر وهو الدب الصيني النائم حتى الآن او المنشغل بالتنمية والشأن الداخلي مؤقتا كما تدرك امريكا وتخشى.
حين تنتهي امريكا من مهمة تفتيت العالم العربي واعادة رسم خارطته لما فيه مصلحتها ومصلحة اسرائيل فان المهمة القادمة حتما لقوى الارهاب المتسترة باسم الاسلام عمدا ولصالح اجندة امريكا الاقتصادية السياسية فان المهمة القادمة حتما هي تصدير هؤلاء من شيه القارة العربية الى اشباه القارات في الصين والهند وكوريا وهي القوى التي تخشى امريكا من صحوتها ذات يوم ويلعب المسلمون في تلك الجهات دورا مهما فعدد المسلمين في الصين 120 مليون مسلم بينما يبلغ عددهم اكثر من 200 مليون نسمة الى جانب عشرات الالاف في كوريا كما ان الباكستان تعتبر دولة محور في التواصل مع الهند وباكستان وهي احد المصادر المهمة للمساعدة في تفجير صراعات عرقية ودينية في الهند وباكستان اعتمادا على الاختلافات العرقية والدينية في البلدين وتاريخ الصراعات المتجذر في المنطقة تلك وبالتالي فان احد اهم الاهداف الامريكية ليس الوطن العربي وتقسيمه بل الصين والهند القنبلة الموقوتة في وجه امريكا ومصالحها وما الوطن العربي واحداثه الى مرحلة تدريبية لما هو مصلحة امريكية عظمى بتدمير الهند والصين من الداخل باستخدام بعبع الارهاب الاسلامي.
أمريكا حريصة ان لا تكرر حالة القطبين المتوازيين في العالم كما كان الحال في حالة الاتحاد السوفياتي وهي تعتقد وبحق ان الخطر قد يأتي من ثلاثة احتمالات هي الاسلام كدين وقضية والصين كقوة بشرية وعرق وثقافة تتقدم بسرعة والهند كقوة محتملة شبيهة بحالة الصين لما تحمل ايضا من تراث معادي للاستعمار والامبريالية وهي في سبيل ان تتخلص من احتمالات وصول احداها لدور الفاعل الحقيقي القادر على منع امريكا من تنفيذ اهدافها او القدرة على الحاق الهزيمة بها وبمشاريعها فهي سعت اولا الى ايجاد عدو اقرب الى الهلامية لانعدام العرق الموحد والمكان الموحد والقوة الموحدة وهو الاسلام الذي سعت لتجعل منه عدوا مفترضا قادر على القيام بهذا الدور ضد كل ما هو غير مسلم أيا كان وهذا يطال البوذية والهندوسية في الصين والهند وسيجد العالم نفسه ان داعش العراق والشام قادرة على الظهور في الصين والهند وحتى كوريا عند الضرورة وقد تكون احداث ميانمار المحاذية للصين والقريبة من الهند هي الخطوة الاولى للانتقال بالنار الى صدر الدب الصيني الدافيء حتى الآن وفي سبيل تحييد الجميع فان امريكا على ما يبدو ذهبت حد تقاسم الادوار والتشارك مع روسيا الاتحادية حيث امكن في سبيل تحييدها ايضا.