عشتار الفصول:10688 الشخصية المريضة المزدوجة المعايير تُعيق تقدم المجتمعات المشرقية.

اسحق قومي
2017 / 10 / 25

عشتار الفصول:10688
الشخصية المريضة المزدوجة المعايير تُعيق تقدم المجتمعات المشرقية.

الأصدقاء ،والمعارف ، الذين عشنا معهم دهراً ،وفرقتنا عنهم ،الأزمنة ،والأمكنة، لايحترمون قدراتنا العقلية ، ولا الثقافية، ويرون بأنّ حريتنا يجب أن تنطلق، دوما من أعماقهم، وبأوامرهم ، وإلا فنحن في نظرهم ،وتقديراتهم ،وموازينهم لانفترق عن الستشرقين الأجانب المغرضين ، لا بل ربما اتهمونا بغير ذلك..كما أنهم لا يقدرون حريتنا في اختيار ،ما نراه مناسباً ، سواء أكان فكرياً، أو عقائديا،أو تصويبا لأخطاء شاعت فيما بيننا ،حين كنا معهم نعيش ، سواء بالنسبة للحسب، والنسب، والعشيرة ، والقبيلة، واللغة والحقيقة القومية لنا، وحتى الدينية ،وكانت تلك الحقائق في نظرنا عبارة عن قاعدة ثابتة ، وعلى مايبدو فنحن، لم نكن نمتلك حريتنا ، في وضع أسس وبحث حقيقي لتلك الحقائق ، بل كانت ممارساتنا تنطلق من مبدأ مسايرتهم حتى يرضون علينا ويباركوا لنا انحلالنا في شخصيتهم القومية وربما الدينية أيضا..، وكنا في حالة رهان على موافقتهم ،التي كانوا يريدون منا أن نكون .
وبعد فترة حين أنكشف العديد من الأسرار، والحقائق أمامنا ،من خلال تغربنا ،وبحثنا بحرية تكاد تكون مطلقة ،ورأينا كم كنا على خطأ من أمرنا ، في أمور كثيرة ، ورحنا نصوبها ، وانتقلنا إلى مرحلة المقارنات بين تلك الحقائق ، والحقيقة الأساسية غير المشوهة ،نراهم تثور ثائرتهم ،وتقوم الدنيا ولا تقعد..لابل نراهم ،بدأوا يستهجنون علينا معارفنا الحالية . ويريدون أن يفصلوا مني مايشاؤون . فهؤلاء على ما يعتقده الرأي العلمي الثابت ، والاجتماعي ، ليسوا بأصدقاء بل بأعداء حتى العظم ..
فإنّ أيِّة جماعةٍ ،أو فردٍ ،لايقبلْ بالمتغيرات، التي تطرأ على الشخصية الإنسانية ،لأترابه
تلك المتغيرات الإيجابية ،من خلال نموه، وتدرجه في السنين ،وهو يطور في قدراته وإمكاناته ، ويسعى بأن يكون شخصا متطوراً فكريا وثقافيا، ومعرفيا ،عن الفترة التاريخية التي عاشها مع أولئك الأصدقاء ،وبعد تغربه،حين يزداد علما ،ووضوحاً للفترة التي أسس فيها شخصيته ،وعندما يريد طرح نفسه ،على ما هو عليه الآن تراه، وكأنه لايشبه ذاك الذي عرفه أترابه .
وهنا تبدأ مشكلة الآخر، الذي لايريد أن يقرأ أيّ متغير، في صديق قديم ،على الرغم من أنه هو نفسه قد تغير، لكنه يستهجن، ويرفض ،لابل يبدأ بالكيل، لهذا الصديق بالنميمة ،هذا الصديق القديم الجديد الذي جاء على بعض من الخقائق المغلوطة فصوبها بشكل علمي، وموضوعي سواء أكان مايتعلق بها في شخصيته العامة، أو نسبه، أو حقائق كثيرة مغلوطة، تعلمها على أساس أنها كانت نهائية بالنسبة للمجتمع الذي عاش به ، لكنه يكتشف فيما بعد ،سلبياتها ،ويعرضها بشكلها الصحيح ، فعوضا عن أن يشكره أترابه ومجتمعه القديم ،لكونه حصل على أشياء جديدة توضح لهم الأمور المصوبة ، نراهم على العكس تبدأ الحرب ،والغيرة، والهجاء ، والقذف والتقريع وربما عُقدت مجالس تكفيرية لهذه الشخصية التي تغيرت.وتنقلب من شخصية صديق إلى شخصية عدو وربما أصبح خطيراً ، والسؤال يقول: لماذا؟.
لكون الآخر، لايفهم معنى التغيير، والتبدل ،ولايؤمن به ، كونه مبرمج على آلية ثقافية شوفينية...فهو لايقبل التغيير والتبديل والتطور ،سواء أكان في الشكل، أو في المضمون .فهو لايقر ،بأثر الزمن، والخبرات ، والبحوث ،والاجتهاد ، وقدرة العقل على تشكيل منظومة فكرية جديدة ،تقوم على الحقائق ،وليس بالمسايرات تتكوّن المعارف الاجتماعية ،ولو كان هؤلاء الأصدقاء الذين يرفضون التقدم والتطور في محاضرة عن العلم ،والتقدم والتطور، لرأيناهم أول المؤيدين ، والمنافحين الصناديد عن التغير والتطور كمفاهيم مهمة للمجتمع والإنسان ، ويمكن أن يطرحوا أنفسهم على أنهم أئمة الحضارة والتقدم ،وعلى الجميع أن يتبعهم. لكنهم في الحقيقة ليسوا أكثر من مزاودين ،يوهمون الآخرين ،بأنهم أصحاب عقلية منفتحة، ولكنهم قمة الجهالة والجاهلية، والتخلف والعنجهية ،والشوفينية ، إنهم سجناء طوطمية قاتلة، سيدفعون الثمن غاليا.إن عاجلا أم آجلا...إنهم آخر من يحق لهم أن ينتقدوا مفهوم التغير ،والتطور، والتقدم على أساس علمي ثابت ،وليس من خلال طفرة، دون خبرة ومعرفة، ودراية، الكثير منا حين يكون في المجالس، أو في تجمع ما ، تراه مصابا بنشطار في أعماق شخصيته ، يُظهر عكس ما هو عليه. وهذا مريض وخطير..فتجنبوه .ليس التجنب ،وحسب بل يجب أن ،تُسن قوانين خاصة بمن يُعيق حركة التقدم ،ويكون حالة مرضية معدية.يُزري بحركة التطور العلمي والثقافي والبحثي والصناعي والزراعي والتعليمي .لأنّ القوانين الوضعية لا تُعاقب على الجريمة في شكلها المادي ،والمنفذ منها ،وحسب ،بل حتى حين تكون في شكل نية أثناء التخطيط لها من قبل أكثر من واحد ، فإذا كانت النوايا يتم التحقق فيها، فكيف بالذي يكذب على مجتمعه ويُجاهر بعكس حقيقته، هذه الأمور هي أولى أسباب تخلف المجتمعات المشرقية، لكونها تقول بأمرٍ ،وحقيقتها تُخالف ذاك القول .
نعتقد بأن الحاجة الأخلاقية ،والدينية ،والاجتماعية، والوطنية والتربوية.تقوم على الاعتراف بالآخر وبإمكاناته العقلية والفكرية والثقافية ودوره في صنع حركة المجتمع ، وأن نقر له بالحرية فيما يختاره ، وأن تنتقل تلك المجتمعات من الآلية التي ترسخت في شكلها المرضي إلى حالة الانفتاح على العالم وفضاءاته، حتى يستقيم الوضع وإلا سيتبقى تلك المجتمعات في أمراضها، ولن تتعافى حتى لو نزلت جميع الآلهة.....
اسحق قومي
25/10/2017م.
شاعر وكاتب وباحث مستقل يقيش في ألمانيا.