عبد الناصر والسادات وعادل حسين

مصطفى مجدي الجمال
2017 / 10 / 25

أتحدث اليوم عن كتاب من أهم الكتب التي يجب أن يطلع عليها كل من يتصدى للبحث في التاريخ الاقتصادي- السياسي- الاجتماعي لمصر منذ ثورة يوليو، ورغم أ، مؤلفه قد ارتد بعد كتابته من المعسكر اليساري إلى "الإسلامي" إلا أنه حافل بكثير من المعلومات واتأملات الجديرة بالنقاش.. والمقصود هنا كتاب المرحوم عادل حسين "الاقتصاد المصري من الاستقلال إلي التبعية 1974-1979". يري البعض أن الكتاب لا يمكن أن ينفصل عن كاتبه، بمعني أن تقييم أي عمل فكري أو علمي يرتبط بموقع هذا العمل من مجمل المشروع الفكري للكاتب. ولكن كيف يكون الموقف الصحيح من الكتاب إذا كان الكاتب قد غير مشروعه الفكري وانتماءه السياسي أكثر من مرة؟ هنا ألجأ إلي فقهاء النحو الذين قالوا "إن لكل قاعدة شواذ، والشاذ يحفظ ولا يقاس عليه".

لنأخذ مثلا الشيخ علي عبد الرازق الذي ألف كتابه الخطير عن الخلافة وأصول الحكم في الإسلام، ثم عاد في أخريات أيامه وتنكر في أحاديث صحفية لبعض أفكاره، فهل يدفعنا هذا إلي تجاهل الكتاب برمته، بينما هو يعد من أهم المراجع في موضوعه.

الشئ نفسه يمكن أن يقال عن تحفة طارق البشري عن "الحركة السياسية في مصر 1945-1952" والذي عاد في الطبعة الثانية ليكتب مقدمة مطولة تراجع فيها عن بعض الاستنتاجات المهمة في كتابه، ولكنه كان من الشجاعة واحترام الذات إلي حد أن ترك متن الكتاب علي حاله. فهل يعني اختلافنا مع طارق البشري الآخر أو الثاني أن نقلل من قيمة كتاب لا غني عنه لأي باحث في تاريخ مصر المعاصرة؟ بل لماذا نذهب بعيدا بينما نجد الإمام الشافعي نفسه له أكثر من رأي في المسألة الفقهية الواحدة، ونحن نعلم مدي خطورة الإفتاء؟

خلاصة الرأي عندي أن الكتاب في حد ذاته مستقل نسبيا- وأكرر: نسبيا- عن مجمل مسيرة الكاتب نفسه، بل إنه أيضا يعد وثيقة تاريخية مهمة علي مرحلة من تطور الكاتب فكريا، وهو ما يفيدنا في قراءة خريطته المعرفية في تقلباتها وليس في سكونها المرحلي.

أما سبب هذه المقدمة فهو اعتقادنا بأن كتاب عادل حسين قد تعرض لظلم بيّن نتيجة تغير الانحيازات السياسية لكاتبه "عادل حسين"، حيث انتقل من موقعه اليساري إلي موقع قريب جدا من الحركات الإسلامية السياسية، وخاصة في فترة ترؤسه لتحرير جريدة الشعب الناطقة بلسان حزب العمل الاشتراكي، الإسلامي فيما بعد. . ففرض اليساريون بعدها حالة من الصمت المطبق إزاء كتاب بالغ الأهمية بالنسبة لدراسة عملية استتباع مصر، أي تحويلها إلي دولة تابعة بعد مشروع ثورة يوليو الطموح لتحقيق الاستقلال الاقتصادي والذي تكفلت سياسة الانفتاح الاقتصادي علي يدي السادات بتقويض أهم أسسه. والغريب أيضا أن الإسلاميين الذين تحالفوا مع حزب العمل تجاهلوا كل الإنتاج الفكري السابق لتحالف عادل حسين معهم، خاصة في كتابه هذا الذي يعطي ثورة يوليو حقها في محاولة إنجاز الاستقلال الوطني، بينما كان "عمر التلمساني" المرشد العام الأسبق يعتبر بناء السد العالي وتعيين الخريجين والتأميمات.. من خطايا الثورة!

## في فهم التبعية
بدأ عادل حسين تأليف كتابه بعد أحداث يناير 1977 وانتهي منه في أوائل 1981، ونشرته دار المستقبل العربي في العام التالي. والكتاب مكون من جزأين في أكثر من 1100 صفحة من التحليل الاقتصادي المدقق. ولعل واحدة من أهم الأفكار الواردة في الكتاب يمكن استخلاصها من العنوان نفسه، وكثيرا ما "يقرأ الكتاب من عنوانه"! فهو يري أن السنوات الخمس محل الدراسة قد انطوت علي تحولات شديدة الكثافة من الاستقلال إلي التبعية، وليس من الاشتراكية إلي الرأسمالية، وكأنه يؤكد أن ما كان قبل الانفتاح لم يكن اشتراكية، وأن ما جاء بعده ليس رأسمالية وفقط، وإنما الرأسمالية التابعة تحديدا..

يري عادل حسين أن "التبعية العضوية" تتيح لقوي الاستعمار الجديد التحكم عن بعد في سياسة واقتصاد البلد التابع دون الحاجة إلي "مندوب سام" يصدر الأوامر النافذة. ومع ذلك فهو لا يستبعد اللجوء إلي التآمر والأوامر في لحظات تاريخية بعينها. ويقول "ليست القضية أن تقام صناعة ثقيلة أو لا تقام، القضية هي مجمل النسق الذي يعمل القطاع العام أو تعمل التنمية الصناعية في إطار تفاعلاته". ويقول في عبارة محكمة "إن خصوم النظام الناصري لم يكونوا أصحاب أنساق رأسمالية، فهذا شرف لا يجوز لهم أن ينالوه، إنهم أصحاب نسق تابع. والارتداد عن النسق الناصري لم يكن أيضا عودة إلي الرأسمالية، ولكنه عودة إلي التبعية".. ويقدم كتاب عادل حسين عرضا مسهبا لآليات فرض التبعية من الخارج، مثل وكالة التنمية الأمريكية وصندوق النقد والبنك الدولي والشركات المتعدية الجنسيات والمصارف العالمية.. وكيف قامت بهجوم منسق لتفكيك قاعدة الإنتاج الوطني في الزراعة والصناعة وكذلك القطاع المصرفي.

## هل كان النموذج الناصري تابعا هو الآخر؟
من أهم فصول الكتاب تلك التي تناقش مشكلة الدين الخارجي. وفي الحقيقة أن الأبواق الصحفية التي أطلقها السادات لتشويه التجربة الناصرية قد تعاونت مع اقتصاديين وأساتذة جامعات ليبراليين في اتهام نموذج التنمية الناصري بأنه كان تابعا هو الآخر لبلدان المعسكر الشرقي. وقد دحض عادل حسين هذا الحديث ببراعة واقتدار بحثي.. فعن أي تبعية يتحدثون إذا كانت صادرات مصر للبلدان الشرقية قد بلغت 60% من إجمالي صادراتنا عام 69/1970، أما وارداتنا من هذه البلدان فلم تزد عن 34%. وإذا قارنا هذا بالبلدان الغربية سنجد أن صادراتنا إليها بلغت 18% فقط بينما بلغت الواردات منها 46%. أما ديون مصر للاتحاد السوفيتي فلم تزد عن 28% من إجمالي ديونها عام 1971. فضلا عن تنازل الاتحاد السوفيتي عن ديون الأسلحة التي استخدمت في حرب اليمن والتي فقدت في حرب 1967 ..

ويسجل عادل حسين أيضا أن معظم القروض السوفيتية توجهت للأنشطة الإنتاجية، ففي الفترة من 66/1970 بلغ إجمالي القروض السوفيتية ما يعادل 445 مليون دولار خصص 96.5% منها للصناعة الثقيلة والطاقة الكهربية. كما كان أغلب هذه القروض طويلة الأجل تتراوح مدتها بين 7 و14 سنة بفائدة بسيطة 2.5% وتسدد الأقساط بعد فترات سماح طويلة قد تصل إلي عشرة أعوام. وفي حالات كثيرة كان يتم سداد الدين في صورة بضائع من إنتاج المشروعات المصرية المبنية بهذه القروض. ويضيف عادل حسين أيضا أن متوسطات أسعار صادراتنا للاتحاد السوفيتي كانت أعلي بنسب تتراوح بين 10% و 30% عن متوسطات أسعار صادراتنا لبقية بلدان العالم، أما متوسطات أسعار وارداتنا منه فكانت أقل بنسب تتراوح بين 1.2% و 20.2%.

وفي الواقع- وهذه الملاحظة لنا نحن- أن النظام الناصري نجح في استغلال هامش المناورة بين القطبين الأعظم في فترة الحرب الباردة، كما نجح في الترويج لقيمة مصر الاستراتيجية من أجل إنجاز برنامجه في التنمية المستقلة. يكفي مثلا أن يذكرنا عادل حسين بالسد العالي ومجمع الحديد والصلب ومجمع الألمونيوم، وبأن يذكر المعلومة المهمة التالية، وهي أن مصر ظلت حتي عام 1971 تحصل علي 20% من إجمالي المعونة الاقتصادية والفنية السوفيتية للبلدان النامية.

(ملحوظة ثانية: هذا نفسه هو الاتحاد السوفيتي الذي تعرض لحالة غير عادية من الجحود من جانب نظام السادات، إلي حد التواطؤ مع المخابرات الأمريكية والسعودية للقتال ضده في أفغانستان، وهي الممارسات التي تركت آثارا سلبية جدا حتي الآن في نفوس المواطنين الروس العاديين).

## لماذا كان الارتداد سهلا؟
طرح عادل حسين هذا السؤال الحرج في خاتمة كتابه. وبدأ في الإجابة بتأكيد وقوع مقاومة علي مستوي الشارع (وصلت ذروتها في يناير 1977)، ومقاومة علي مستوي البيروقراطيين والتكنوقراطيين الوطنيين في جهاز الدولة. ولكنه يعود ليعرب عن دهشته "لاقتلاع الثورة الناصرية من جذورها دون مقاومة ضارية من القوي التي عبرت الثورة عن مطامحها القومية أو المصلحية المباشرة". ونحن بدورنا نتضامن معه في هذه الدهشة.. ويبدأ عادل حسين بالاعتراف بوجود سلبيات كثيرة في بنية الناصرية وممارساتها، ولكنه لا يتطرق إلي تحليل هذه السلبيات، وإنما يؤكد علي ما يراه نقطة الضعف الرئيسية في البنية الناصرية، ألا وهي "الصدع الخطير في قمة السلطة بين عبد الناصر وقيادة القوات المسلحة قبل 1967، ويشير إلي أن تردد عبد الناصر في حسم هذا الصراع أدي أيضا إلي تفاقم أوجه القصور في جميع المجالات الأخري.

ثم يؤكد المؤلف أيضا علي الدور الخطير الذي لعبه الإعلام والسادات شخصيا «في تشكيك الناس في كل المسلمات، في الذاكرة، في التاريخ الذي عاشوه، وفي التجارب التي لمسوها ورأوها».. ومع ذلك فإن هذا الدور السياسي والتضليلي لم يكن ليكفي وحده لتفسير تصفية الناصرية بهذه السهولة. ومن ثم يصل إلي الإجابة الرئيسية علي السؤال والتي تتلخص في المال النفطي، وبالأحري الانتقال غير المنظم لقوة العمل المصرية سعيا وراء المال النفطي، والذي أصبح جزءا من "التحلل العام في جسد الأمة العربية ومقاومته".

## ملاحظتان أخيرتان
أرجو أن يلتمس القارئ العذر لنا، فلا يمكن التصدي بالتفصيل لكتاب بهذا الحجم والمليء بالكثير جدا من الأرقام والمعلومات والتأريخ للتطور الجدلي للأحداث واللمحات الذكية والرؤي الخاصة بصاحبها.. ولكننا لا نستطيع إنهاء هذه المقالة دون الدعوة إلي إعادة قراءة هذا الكتاب المهم دون الوقوع تحت وطأة الخصومات السياسية والحزبية مع مؤلفه الذي انتقل إلي دار الحق. كما نود أن نبدي الملاحظتين التاليتين:-

أولا: اتسم الكتاب بالتحليل الاقتصادي بالدرجة الأولي مع وضع هذا التحليل في السياق السياسي، وبدرجة أقل في السياق الثقافي. أما السياق الاجتماعي، أي أوضاع الطبقات وتناقضاتها وحراكها وتقلبها... فلم يلق الاهتمام الكافي من الكاتب. ولعل هذا كان وراء عجزه عن تفسير انهيار مقاومة النظام الناصري بحالة الانتقال الطبقي لما تسمي برجوازية الدولة إلي معسكر الثورة المضادة. فقد استخدمت هذه الطبقة جهاز الدولة (في غيبة المشاركة الشعبية) لتحقيق تراكمها الرأسمالي الأولي عبر آليات عديدة منها الفساد بالطبع. وبمرور الوقت وزيادة التراكم تحولت هذه الطبقة مصلحيا ووجدانيا إلي مهادنة (وحتي مصاهرة) الطبقات التي سبق وأن تضررت من الثورة، وكذلك مهادنة القوي الاستعمارية والاحتكارات الرأسمالية في الخارج.

ونتيجة لهذا التحول استطاع التحالف الطبقي الجديد استخدام نفس آليات الناصرية (من مصادرة للحريات وقمع للفئات الشعبية وبخاصة الحرمان من حق التنظيم المستقل..) في فرض تحولات الارتداد والثورة المضادة. وهو ما لقي الترحيب أيضا من جانب القوي الإمبريالية التي تزعم أنها صاحبة براءة اختراع الديمقراطية.

ثانيا: وهي ملاحظة شخصية علي بعض مثقفينا وأكاديميينا الذين تحولوا من مواقع اليسار إلي مواقع إسلامية، فهم في مرحلتهم الأولي كانوا أكثر التصاقا بالتحليل العلمي المبني علي تفسير الحقائق المباشرة، أما في مرحلتهم الثانية فقد غلبتهم الأيديولوجية والمسلمات والأحكام المطلقة، وتمتلئ كتاباتهم بالآيات البينات والأحاديث الشريفة أكثر من الوقائع والإحصائيات..الخ.

وفي الحقيقة أن التيار الإسلامي في مصر، رغم ضخامته عددا، ونفوذه مالا وثقافة، لم يقدم لنا حتي الآن شيئا علي المستوي المعرفي يوازي وزنه المادي والمعنوي. وإذا أخذنا مثالا واحدا هو ميدان التحليل والتأريخ الاقتصادي لن نجد إسهامات يعتد بها سوي من جانب التيارين اليساري والليبرالي.