سقوط الأقنعة ( 7)ورقة إسلام إيران

فتحي علي رشيد
2017 / 10 / 25

من المفيد أن نذكر الباحثين والمتتبعين للشؤون الفكرية والسياسية المتعلقة بالعرب والإسلام .بأن التاريخ القديم والحديث لجميع الدول والحكومات العربية وغير العربية التي تبنت شعوبها وحكامها الدين الإسلامي , لم يذكر دولة سمت نفسها دولة إسلامية باستثناء الدولة التي أطلق القائمين عليها في إيران مصطلح "جمهورية إيران الإسلامية "(1) . وهذا بحد ذاته أمر عدا عن كونه مستحدثا , ملفتا للنظر ,ويدعوا إلى التساؤل .
فهذا الأمرالغريب ( ولا أزعم وأقول المريب ) يستدعي على الأقل ,التوقف لمناقشتة من جميع النواحي النظرية والفكرية والتاريخية والسياسية , بموضوعية وشمولية وتجرد . وهذا يتطلب الإجابة على عدد من الأسئلة :
1ـ هل الإعلان عن قيام دولة إسلامية جائز ومشروع من الناحية النظرية والفكرية المبدأية والأخلاقية ؟ ولنقل الشرعية ؟
2ـ هل يحق لأي حكومة في العالم من دون سائر الدول التي تبنت الإسلام عبر التاريخ , والتي تتبنى الإسلام حاليا ـ أن تعلن أنها وحدها دولة إسلامية ؟

3ـ هل يحق لهذه الجماعة الإسلامية ـ التي كما تدعي ـ تلتزم بالمذهب الجعفري الإثنى عشري ,من دون سائر المذاهب الإسلامية أن تحصر الإسلام بها وحدها, وتعتبر الدولة التي أقامتها دولة إسلامية ؟
4ـ هل يحق لمجموعة من التابعين لهذا ا لمذهب , والمستندين على مبدأ مستحدث وخلافي , ضمن ذاك المذهب ـ وأقصد مبدا ولاية الولي الفقيه ـ المطلقة ,أن يعلنوا وحدهم من دون الأئمة المؤمنين به والمخالفين لهم , عن قيام دولة إسلامية . على الرغم من معارضة قسم كبير منهم لقيام هذه الدولة بذلك الإسم والطريقة والصلاحيات؟
5ـ ألايوجد تناقض جذري وصارخ , حيث لايمكن التوفيق بين طرفيه ,بين المفهوم والمبدأ الذي تقوم عليه الجمهورية الحديثة وبين المبدأ الذي يمكن أن تقوم على أساسه دولة إسلامية ؟
6ـ ماهو الهدف السياسي من ذلك الإعلان على المستوى المحلي والإقليمي ؟ وماهي خلفياته السياسية والفكرية والاجتماعية ؟
7ـ ماهو السياق التاريخي والسياسي الذي تم وجاء ضمنه هذا الإعلان عن قيام هذه الدولة ؟ 8 ـ ماحقيقة هذا الرجل الذي زعم أنه إمام وأصر دون سائر الأئمة الإثنى عشرية على قيام هذه الدولة بتلك الطريقة وهذا الإسم وتحت قيادته ؟
9ـ ماهي الأهداف التي كان ومازال يرمي القائمين على الحكم في إيران من وراء الإعلان عن قيام هذه الدولة باسم الإسلام ؟ 10ـ ماهي النتائج الفعلية للإعلان عن قيام هذه الدولة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي ؟ 11ـ ماهي الأخطار التي ترتبت وسوف تترتب مستقبلا على العرب والمسلمين نتيجة لقيام هذه الدولة في إيران ,واحتكارها لإسم الإسلام ؟
12ـ كيف نضع حدا لتلك الأخطارالفعلية والمحتملة أو كيف ندرأها وماالعمل ؟
بعض الاسئلة سنحاول الاجابة عليها وباقي الاسئلة سنحيب عليها في بحث آخر .

تاريخيا و نظريا وفكريا
1: بين الدين والدولة :ـ
من المثبت تاريخيا أن الدولة ـ خاصة الحديثة , هي نتاج تطور تاريخي طويل ,( ظهر متأخرا جدا عن ظهور الأديان ).لتنظيم وضبط واحتواء الصراعات الإجتماعية من خلال قيام سلطة قمعية تعتمد على الجيش والشرطة .و بشكل رئيسي , تقوم على أرض وشعب محددين . بينما الدين هو حاجة اجتماعية وروحية وعقلية مرتبطة بظهور المجتمع الإنساني .غدت كالملاط الذي يجمع أحجار البناء أو كالروح للجسد وليس محصورا بشعب أو أرض محددة . كما أن الدين يعتمد من ـ الناحية أخرى ـ على الإقتناع والتسليم بما جاء به الرسل في الكتب السماوية , لتنظيم الحياة الاجتماعية الصالحة للبشر أينما كانوا . بينما تعتمد الدولة على التنظيم والقهرلفرض شكل معين من الحكم . ولهذا فهما يختلفان عن بعضهما البعض اختلافا جذريا من حيث المنشأ والحاجة والوظيفة ومجال واسلوب التحقق .
وكون الإسلام هو آخر وخاتم الديانات الأرضية والسماوية ومن هذه الزاوية يجب أو يفترض أن يتم اعتباره , ديانة عالمية صالحة لكل الأمم والشعوب , جسدت أرقى وأشمل ماجاء في جميع الديانات التي سبقتها . وكونها كذلك فلقد غبت واشتملت على أرقى وأنبل القيم والمبادئ الأخلاقية الإنسانية التي وضعت للبشر في جميع أصقاع الأرض . لذلك لايجوز بأي حال من الأحوال حصرها بشعب بعينه أو دولة وحكومة بعينها مطلقا , وهي عندما تحصر في مكان وزمان محددين , ولشعب وحكومة محددتين فإنها تكف عن كونها ديانة عالمية وتحصر وتشوه وتحرف بل تنكمش وتكف عن كونها ديانة شاملة وتتحول إلى عقيدة جامدة .
وبما أن الإسلام من ناحية أخرى هو مبادئ عامة وقيم عامة , فإنه يعتبر نهجا فكريا وأخلاقيا ,يفترض التمسك والعمل وفقا له تجلي أرقى أنواع السلوك الإنساني والأخلاق الرفيعة استنادا لما قال الرسول في خطبة الوداع ( إنما بعثت لأتم مكارم الأخلاق ) . أخلاق وقيم وإن ظهر قسم منها من قبل إلا أنها عندما أتمت اكتملت وصلحت لإصلاح وصلاح أحوال عرب الجزيرة العربية في زمن البعثة , ومن ناحية أخرى وفي ذات الوقت ـ عملت على أن تكون دليل ومنهج عمل صالح لجميع شعوب العالم .
ومن هنا أعتقد أن الإسلام كديانة منفتحة , واستنادا لرؤية ما هو قائم في العالم ـ حاليا ـ من قيم وأخلاق ـ حتى الآن ـ ماتزال تصلح لتوجيه جميع البشر في جميع الأماكن والأزمنة ( (2) و بغض النظر عن أثنيتهم أو قوميتهم أو لغتهم أو جنسهم أو لونهم أو نظام الحكم السياسي أو الاقتصادي الذي يطبقوه .وكونها كذلك فهي صالحة لأن تكون موجها للناس بغض النظر عن نوع الدولة والنظام القائم في بلدهم . وسواءأكان عبوديا أو اقطاعيا أو رأسماليا أو إشتراكيا (3) . أما عندما يحصرالإسلام كقيم ومبادئ وأخلاق ( بمعزل عن الشريعة والعبادات ) في دولة معينة أو نظام سياسي ( ملكي أو قبلي أو جمهوري ) أواقتصادي معين (رأسمالي أو اشتراكي ) أوفي إطار إجتماعي معين ( قبلي أوطائفي أو قومي ) , أو في دستور معين أو لشعب من الشعوب .فإنه يكف عن كونه ديانة شاملة موجهة وقائدة لكل بني البشر .بل وينكمش ويضيق ويضمر حتى يفقد قوته وتأثيره العالمي . من هنا ولهذا أزعم أن إعلان المسؤولين في إيران عن أنهم أقاموا دولة إسلامية , (جمهورية ) في إيران ـ لأول مرة ,من دون سائر الأمم المتبنية للإسلام . وإن كان ذلك على إثر الدولة الإيرانية الشاهنشاهية القديمة الفاسدة , فهو يحمل في طياته نفيا لإسلام الشعب الإيراني قبل ذلك , أي منذ أن دخل الإسلام بلاد فارس ام 636 م حتى يوم الإعلان عن قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979.
وأنا أعتقد أن الإعلان عن قيام هذه الدولة ياسم الإسلام كان تتويجا لدعوة قام بها عدد من المفكرين الإسلاميين الجدد لبناء دولة إسلامية بعد سقوط الدولة العثمانية خلال مايزيد عن خمسين عاما ـ عدا عن كونه بدعة جديدة , فهو دعوة مستحدثة , بدأت مع ماتسمى الصحوة الإسلامية في الهند بعد احتلالها من قبل الإنكليز .(في القسم الشمالي من الهند والذي أصبح إسمه بسببها وانفصالها عن الهند "الباكستان " ) . وهي دعوة بدأت نتيجة لكتابات ونشاطات "أبو الأعلى المودودي "عام 1925 في لاهور , ثم مع بدء الصحوة الإسلامية في بلاد العرب نتيجة لكتابات كل من رشيد رضا و سيد قطب ثم تقي الدين النبهاني أو محمد باقر الصدر بعد سيطرة الإنكليز على تلك البلدان , ومن ثم مع وقوع تلك البلدان تحت الرعاية الأمريكية . أخذت طابعا قتاليا ( جهاديا ) , على يد أسامة ابن لادن . ومؤخرا على يد الخميني وأتباعه وآخراعلى يد البغدادي .
لذلك تم اعتبارها ردة فعل الضعيف والعاجز لإعادة القوة والمنعة ومنع مزيد من الانحدار الذي أصاب المسلمين نتيجة لعصور طويلة من التخلف . وتعبيرا عن رفض ومقاومة خفية للشعوب المؤمنة بالإسلام , تلقفتها بعد ذلك كثير من النخب المسلمة والصادقة والمخلصة , دون تدقيق أو تمحيص , بهدف تغييرالواقع وإزالة الأنظمة السياسية التي فرضتها عليها الدول الاستعمارية عليها من خلال إقامة دولة على أساس الدين الإسلامي . متجاهلين أن إقامة تلك الدولة الإسلامية , في الظروف الدولية السائدة حينها في أي بلد من البلدان التي تدين شعوبها كلها أو جزء منها بالإسلام بعد أن شوهت أخلاقها وطباعها ,و في ظل ماخلفته عهود طويلة من التخلف والاستعمار والأنظمة الفاسدة , أوعميلة أوالتابعة والملحقة اقتصاديا و سياسيا وفكريا بالغرب أوروسيا أوأمريكا .و في ظل الأوضاع التي انتهينا إليها ,وفي ظل التشظي والصراع الفكري والسياسي بين المسلمين ,إن لم يتحرروا فعلا وفي الجوهر من التبعية , ولم تصبح الأغلبية مسلمة حقيقة فعلية . سوف تشوه الإسلام كديانة عامة وشاملة وراقية .وتحصره في أطرهزيلة ومشوهة أو ضيقة ومحدودة بطبيعة مكانها وزمانها وشعبها .
2: ـ بين شرعية التعاليم السماوية ومقبولية الإنجازات والأعمال البشرية الأرضية :
ثمة تباين وخلط بين مفهومين جرى ويجرى الترويج لهما أحدهما مفهوم التمسك بالقيم الثابتة التي جاءت بها الرسل والكتب السماوية من الله .وبين ماجاء به البشر في ظروف لاحقة حتمتها طبيعة الوجود الإنساني الطامح للأفضل , وهي مادفعت البشر لتحقيق كثير من الكشوف والانجازات التي لم تتناولها الأديان , في جميع المجالات ,بل شجعتها ورعتها . فالأمور النيوية التي لم تتناولها الأديان تركت للناس ليعملوا عقولهم وأفئدتهم وأيديهم ليبدعوا ويكتشفوا ويحسنوا ,( فحصلت تلك الانجازات اللغوية والفكرية والفلسفية والعلمية والاجتماعيةوالصناعية وخصوصا في الطب والهندسة والفلك ,في ظل رعاية وتشجيع الحكام المسلمين أكثر مما حصل في جميع دول العالم الأخرى , ومن ثم في الاقتصاد والنظم السياسية والاجتماعية .
وأنا أزعم هنا (في أهم قضية خلافية ) أن الله ترك مسألة ـ نظام الحكم السياسي والنظام الاقتصادي والاجتماعي , ومسألة الكشوف العلمية والفلكية والفيزيائية والبيولوجية والجغرافية والنفسية والاجتماعية , وتحديدا مسألة اختيار الحاكم . للبشر أنفسهم استنادا لمبدأ عام يقوم على مبدأ أوفكرة الشورى ( وأمرهم شورى بينهم ) . أي ترك المجال للبشر لتختار أو توافق على الأصلج لحكمها وإدارة شؤونها .أماعملية حصر الحكم في شخص معين من آل البيت أو قريش أوغيرها , أوحصرها بعلي وابناءه واحفاده , فلقد باتت وماتزال مسألة إشكالية طالما أنها مزقت , ولم تحسم نظريا خلال أكثر من 1400 عام , مع أنها ليست من أساسيات الدين ,( لم يرد فيها أي نص قرآني أوحديث صريح ) ,فإنها لذلك طالما لم تحسم فإنها لاتبررأو تسوغ قيام حكومات باسم الإسلام ,خاصة حكومات يرأسها حصرا وتحديدا أشخاص من سلالة أونسل آل البيت أو من قبل اتباعهم أو من قبل ينوب عنهم ويتمسك بتعاليمهم .
ونشير هنا أولا :إلى أنه عندما ظهر الإسلام كدين في شبه جزيرة العرب استنادا للتطور التاريخي والاجتماعي لعرب شبه الجزيرة العربية عام 620 م , لم يكن هناك لادولة ولاشبه دولة , بل مجرد مقدمات لحكومة مدنية على أسس قبلية ( حكومة الملأ التي تجسد الحكومات الديمقراطية الحالية كثيرا من ملامحها ). والأهم أنها شكلت نواة لمجتمع مدني متطورجدا عما هو قائم حاليا , مجتمع أقيمت أسسه في عهد الرسول طواعية وبالتشاور ( إي الحوار والنقاش والبحث عن الأنسب والأفضل ) حيث حصل سيدنا محمد ( ص) في عام الوفود ( العام العاشر للهجرة ) على بيعة أغلب قادة واشراف القبائل العربية بعد نقاشات وحوارات مطولة , وذلك قبل أن يبدأ بعملية نشر الدعوة وإقامة حكم الله على الأرض من خلال الإجماع ( غير المطلق ) الحاصل في المدينة المنورة .
ونشير ثانيا إلى أن أول بروز لمظاهر الدولة في بلاد العرب بعد أن تبنوا الإسلام وعلى أساسه , بدأ ت مع عمرابن الخطاب بعد وفاة الرسول بعشر سنوات في عام 642 م , في تشكيل مايسمى ديوان الخراج . ثم بيت مال المسلمين .ثم تطورت تلك المظاهر مع الحجابة في عهد معاوية .أما أهم مظاهر الدولة العربية الحديثة ـ القائمة على أساس الإسلام ـ فلقد ظهرت عام 706 م (أي بعداكتمال رسالة الإسلام بسبعين سنة) في عهد عبد الملك ابن مروان . من خلال صك العملة الإسلامية وتأسيس ديوان للبريد والمراسلات وأخر لتعبيد الطرقات ( وهذه وسواها أمور لم ترد في القرآن أو السنة بل تمت على هداهما ) لتنظيم وجني الضرائب وتوزيع العوائد استنادا لشرع الله , وكذلك الرواتب والمخصصات على المجاهدين والناس والمحتاجين ,خاصة بعد ظهور الحاجة لإقامة جيش وشرطة دائمين .
أما الدولة الحديثة القائمة على أرض محددة , تضم شعبا أو شعوبا ذات اثنيات واديان مختلفة , وتخضع لحكومة مركزية واحدة أو كونفدرالية . فلم تظهر إلا قبل مئتي سنة في أوروبا بعد الثورة الفرنسية . وبما أن منشأ كل من الديانة والدولة ,ونظمها وقوانينها ودستورها وأجهزتها ( تشريعية وتنفيذية وقضائية ) .ووظيفتيها ودورهما في حياة البشر عبر مسيرتهما في التاريخ الملموس , مختلفان , وإن كانا يتداخلان ويتشابكان في كثير من النقاط الكثيرة . إلا أنه لا يجوزالخلط بينهما ( بين السماوي والأرضي ) ولذلك يمكن اعتبارهما خطان متوازيان لصلاح وتنظيم حياة البشروالعباد وتحسينها ,لايمكن المساواة بينهما أوإقامة أية مقارنة أو تناقض بينهما .لذلك فإن عملية حصر تعاليم الدين الإسلامي في دولة أرضية محددة أو نظام سياسي أو اقتصادي معين انتجه البشر .أو تكييفها لمتطلباته ( النظام مهما كان نوعه هوما يجب أو يفترض أن يكيف وفقا لتعاليم الدين ) حتى لو كان ذلك النظام جمهورية ديمقراطية مثالية ,أوحتى لوكانت اشتراكية وعادلة . وغير ذلك يعتبرـ في تقديري ـ حصراوتقييدا للإسلام غير جائز شرعا .
أما عندما يتم حصره في إطار دولة معينة (لايمكن أن تكون كاملة ,أو عادلة بالمطلق ) لايمكن إلا أن تحتوي على كثير من النواقص والأخطاء المخالفة للقيم الأساسية التي جاء بها الدين . نتيجة لعصور من الظلم والاستبداد والجهل الطويل ,وللظروف التي صنعها الاستعمار الإنكليزي في إيران وفرضها على شعوب عديدة تحت سيطرة وهيمنة الفرس , أومن خلال فرض مذهب بعينه , لايخلوا من مثالب ونواقص وعنات عديدة , سوف تسيئ حتما ـ وبشكل ما ـ إلى الدين . لذلك فلقد رفض أغلب علماء الشيعة خلال خمسمائة سنة التدخل في السياسة كيلا يتلوثوا بمفاسدها .
ونذكر هنا بأن فكرة الجمهورية الأولى التي دعى لها أفلاطون أو الجمهورية الحديثة التي دعى لها جون لوك وفولتير ومونتسكيو هي صناعة بشرية غربية ظهرت لتلافي عيوب الحكم المطلق للملوك والإقطاعيين في أوروبا. في حين أن ذلك المنصب غيرموجود في الإسلام ( وإن ظهر مؤخرا مايسمى شيخ الإسلام أو المفتي في عهد العثمانيين في ظروف معينة ) .فهي كنظام بسلطات ثلاث وإن كانت صالحة لقيام مجتمع أفضل وأكثرتنظيما لشعب أغلبه ممن يدينون بالإسلام أو غيره , إلاأنها مع ذلك لم و لاتغني عن التمسك بالقيم التي جائت بها النصرانية والتي كملها الإسلام وطبقت فعلا وأدت لقيام دول أكثر صلاحا وعدالة كما هو متمثل اليوم ,بولاية الحزب الديمقراطي المسيحي في ألمانيا .
ونشير هنا إلى انه لذلك لاتوجد أي ضرورة للربط بين الإسلام والجمهورية الديمقراطية حتى تكون الدولة مثالية , وليس من الضروري أن تكون الدولة جمهورية حتى تصبح دولة صالحة .وهو المثال الذي اتخذه حكام إيران ليمرروه على شعبهم وشعوب العالم الإسلامي . فهناك ملكيات في الدول الاسكندنافية تعتبر أرقى وأفضل من أفضل جمهورية في العالم . كماأن هناك جمهوريات ( أغلبها ) أسوأ من أسوا نظام ملكي أوعائلي أو قبلي ظهر في التاريخ .كما هو الحال في جمهورياتنا العربية وجمهوريات الموز في أمريكا الوسطى واللاتينية . فمع أنها تسمى نفسها جمهوريات إلا أنها على أرض الواقع والفعل هي أقرب للمافيات المتسلطة أكثر من كونها فقط مجرد أدوات لقيام حكومات استبدادية وقمعية , بل وفاشية كما هوحال إيران الفعلي .كماسنبين .
فالجمهورية عدا عن طريقة فهمها واختلاف طرق تنفيذها, هي تخضع لسلطات غير ظاهرة مباشرة والموجودة فيها . كالتي تمسك بالأمن والاقتصاد , من شركات وطنية أوإقليمية أو عالمية أو فوق قومية عابرة للقارات . بينما الإسلام كمبادئ وقيم وأفكار وأخلاق موجهة , هي منزلة من الله عابرة للأمكنة والأزمنة يفترض أن لاتخضع لسلطان . ولايجوز إخضاعها للتغيير أو للتكيف مع ما جاءبه البشر أوحصرها بنظام جمهوري أو ملكي , فهي تعاليم وقيم ومبادئ يتم التسليم بها والأخذ بها لتوجيه البشر ليعملوا على هداها عن قناعة ودون إكراه ( لاإكراه في الدين ) .تقوم على اقناع الناس واقتناعهم , وليس على قسرهم لها ,ومن ثم توجيههم ونصحهم ليعملوا لما فيه خيرهم وصلاحهم ورقيهم بغض النظر عن نوع الحكم القائم وطبيعة النظام الاقتصادي المعمول به .بينما الحكومة الجمهورية تقوم على وزارة ركيزتها وزارتي الدفاع والداخلية , تقوم على الردع والإكراه والعقاب, إن لم نقل على العنف , عنف الجيش والبوليس والأجهزةالأمنية ورقابتها .والدولة العالمية الحالية تقوم على هيمنة الشركات فوق القومية استنادا لعمليات تقوم على القهر والغصب .
وعلى مايبدوا من الوقائع الملموسة ( التي أوضح بعضا منها الدكتور " هوشنك نهاوندي " في كتابه " الخميني في فرنسا " ) فإن إقامة الخميني الطويلة في فرنسا جعلته يعجب ,ويؤخذ ويتأثر بنمط الحياة السائد في الغرب عموما وبالجمهورية الفرنسية ( مع أنه لو عاش في السويد أو لجأ إليها , لتبنى فكرة الملكية لأن نمط الحياة في مملكة السويد وقوانينها تتطابق مع القيم الأساسية للإسلام أكثر مما تتطابق مع ما هوقائم في الجمهورية الفرنسية ) فعمل على الجمع بين ما آمن به ـ هو ـ وعرفه من وعن الإسلام , ومما جاء به الله على رسوله ,وبين ماجاء به المنظرون الغربيون , خاصة الفرنسيون فخرج بخلطة مستحيلة . كمن يخلط الحصى مع ـ أو يطبخه في ـ الماء مما جعل المجتمع والشعب الإيرني مزدوج الشخصية ومضطربا ومتوترا بصورة دائمة حتى اليوم . ومن المؤسف أن ذلك الأمر قد مرر في إيران على جميع الإيرانيين فرسا وكردا وأذريين وبلوش رغم أنف علمائهم وفقهائهم الصالحين المشككين أو المترددين ,أو على الرغم من علم العارفين والرافضين خوفا من العزل ( كما جرى مع أية الله العظمى "حسين علي منتظري "أو القتل .كما جرى مع أية الله " محمد شريعة مداري " مما أرغم جمع الفقهاء المعارضين على السكوت استنادا لمبدأ التقية المعمول به من أكثر من ألف سنة لدى الشيعة الإثنى عشرية .
3 :حقيقة إسلام إيران
مما يلفت النظر إليه ,هو أن دستور جمهورية إيران الإسلامية (كما في أغلب دساتير العالم يقول بالحبر أو الكلام ) . بعد أن نص في المقدمة على أن التشريع في الجمهورية الإيرانية يجب أن يقوم على القرآن والسنة تماشيا مع ولاية الأمر والإمامة ( ليمرره على الناس ) .إلا انه عاد فتراجع , ليؤكد في المادة 12 ودون لبس أو غموض على " الدين الرسمي لإيران هو الإسلام المتمثل بالمذهب الجعفري الإثنى عشري ,ويبقى هذا الأمرقائما وغير قابل للتبدل ,إلى الأبد ." إي أنه بجرة قلم نسف الالتزام بالقرآن والسنة إي الأسس التي يفترض أن تقوم عليها أية دولة يتبنى شعبها الإسلام , وأكد على الإلتزام فقط هو يالمذهب الإثنى عشري وإلى الأبد .
فإذا كان الدين الرسمي يستند على المذهب الجعفري الاثنى عشري , فهذا معناه أن اتباع المذاهب الإسلامية الأخرى هم مثلهم مثل اليهود والنصارى والبوذيين والزرادشتيين ", كما جاء في ذات المادة :"أما المذاهب الأخرى فإنها تتمتع باحترام كامل وأتباعها أحرار في أداء طقوسهم ". بما يفهم منه أن الدين في الجمهورية الإيرانية هو دين يستند على مذهب معين من عدة مذاهب إسلامية , وهومذهب يستند على أقوال وممارسات الإمام جعفر الصادق كرم الله وجهه , وليس على السنة النبوية (التي تستند إلى أقوال وممارسات النبي محمد (ص) الصحيحة والمثبتة ) .بمعنى أن الحديث عن تبني االجمهورية الإيرانية للإسلام ماهوإلا مجرد كلام إعلامي للإ ستهلاك المحلي والخارجي . فالجوهر والأساس غير القابل للأخذ والرد والتغيير وإلى الأبد هو قيام هذه الدولة على أساس ( مذهب واحد من عدة مذاهب إسلامية لايجوز طمسها والقفز عنها ) ), وبالأساس والفعل يقوم على أساس مبدأ ولاية الأمر ( أي الفقيه الولي )والإمامة .
وهنا نعود لنذكر بأنه إذا كان المذهب الجعفري الاثنى عشري هو أحد المذاهب الإسلامية الشيعية .لايجوز لأي كان مصادرة وحصر الإسلام حتى الشيعي به أو بأي مذهب إسلامي أخر مهما كان فاضلا
وهذا يعتبر من الناحية المبدأية تعديا على حقوق عامة المسلمين وعامة أصحاب المذاهب الإٌسلامية الأخرى ( سبعين مذهبا ) بما فيها اتباع المذهب الشيعي , فهو غير جائز ويفترض أو يجب أن يرفض رفضا تاما من قبل أصحاب المذاهب الأخرى حتى الشيعية مثل الدروز والزيدية والاسماعلية والعلوية ,لأنه يتعدى على حقوقها في تبني مذاهبها
4: إمامة الولي الفقيه : أما عملية ربط الإسلام فقط بفكرة الولي الفقيه التي مررت في الدستور , بعد أو قبل فكرة المذهب الجعفري الاثنى عشري (وهي فكرة حديثة لايوافق عليها ولا يقرها كل من يؤمن بالمذهب الجعفري ( ونذكر بأن الإمام جعفر الصادق نفسه لم يعتبر نفسه وليا ولافقيها وحيدا , ولم يأت على ذكر الولي الفقيه . كما فعل الإمام مالك الذي رفض أن يعتبر أبو جعفر المصور مذهبه مذهبا رسميا للدولة العباسية وأصر أن يكون أحدالمذاهب الإسلامية ) بمعنى أن كلا من الإمام جعفر والمالكي يؤكدان على التعددية المذهبية في الإسلام والتي لايجوز حصر الإسلام بأي واحد منها . بما يفهم منه أن الحكم في إيران عندما يستند فقط إلى المذهب الجعفري, أو الإثنى عشري وولاية الفقيه لتي يخالفها معظم فقهاء الشيعة والمذهب الاثنى عشري الكبار ( كلا من الأئمة محمد محسن الحكيم ومحمد باقر الصدر والسيستاني ومحمد مهدي شمس الدين , ومحمد حسين فضل الله وأبو قاسم الخوئي ومير الموسوي والشيرازي ) فإنه يلغي ويصادر التعددية وغير المشروطية في الإسلام وتحديدا في المذهب الشيعي والجعفري .لذلك يعتبرهذا تعديا آخر على إهم ركائز وقوة الدين , عدا عن كونه تعديا على كافة حقوق المسلمين وأصحاب المذاهب الإسلامية .
5: بدعة الولي الفقيه المطلقة
وبما أنه يستند عمليا إضافة لما ذكر إلى فكرة الولي الفقيه المطلقة ,وهي فكرة رفضها ويرفضها كثير من الأئمة المؤمنة بفكرة الولي الفقيه الصامتين .من أجل أن يصبح الخميني أوكل من يزعم أنه ولي الله حاكما مطلقا على كافة المسلمين في كل الأماكن والأزمنة . حيث جاء في المادة 110 من الدستور الإيراني ,أنه يحق للولي الفقيه 1ـ رسم السياسات العامة.. 2: الإشراف على حسن تنفيذ السياسات 3:القيادة العامة للقوات المسلحة .4: عزل رئيس الجمهورية ( المنتخب من قبل الشعب ) , 5: توقيع مرسوم تنصيب وعزل وتعيين كلا من رئيس الجمهورية وورئيس الأركان والفقهاء ومجلس صيانة الدستور وقائد الحرس الثوري والقيادات العليا للقوات المسلحة , وحل الخلافات فيما بينها .إضافة لست صلاحيات أخرى لايتمتع بها أي ملك مطلق في تاريخ العالم .ولم يتمتع بها لانبي ولارسول . ,إضافة لذلك نص الدستور في المادة 177 : لايجوز تعديل مضامين المواد المتعلقة بالطبيعة الإسلامية للنظام وولاية الأمر وإمامة الأمة والمذهب الجعفري .
مما يعني أننا باسم الإسلام والجمهورية الإسلامية بتنا لنصبح مع بداية نيسان لعام 1979 وأمام حاكم مطلق , لايحده لاقانون ولادستورولاشعب , ولايجوز لأحد أو لقوة في العالم أن تغيره أوتنقص من صلاحياته , رجل جعل من نفسه ممثلا لله على الأرض , فوق الشعب وجميع الفقهاء والأئمة والناس , رجل وضع ويضع الدستور والقانون ويغيرهما , أمام رجل يحق له مالم, ولم يحق لملك أو سلطان أو أكبر مستبد عرفه التاريخ .
وهنا يبرز السؤال الأهم : لماذا ومن أجل ماذا مرر كل ذلك ومن كان وراءه ولماذا ؟
فتحي رشيد / 22/ 10 / 2017

(1)جميع الدول والدويلات التي ظهرت في التاريخ وتبنت الإسلام دينا رسميا لها .بدءا بدولة الخلفاء الراشدين ,ودول :الأمويين والعباسيين والفاطمييين والمماليك والعثمانيين والصفويين , ودويلات مثل دويلة البويهيين وودويلة السلاجقة والدولة الطاهرية والعلوية والقاجارية والأحمدية والغزنوية ودويلة : القرامطة والزنكية والحمدانية والأيوبية ,ودويلات الأدارسة والأغالبة ..إلخ جميع هذه الدول والدويلات التي دانت شعوبها بالإسلام أو تبنت قياداتهاالإسلام دينا رسميا لها ,لم تسمي أية واحدة منها نفسها دولة إسلامية بل سمت نفسها أو سميت باسم الأسر الحاكمة كما هو في التاريخ السابق لظهور الدول الحديثة .فكيف يسمي حكام إيران ,من دون دول وحكام العالم المسلمين "دولة إيران الإسلامية ؟ اليس في هذا مصادرة غير مشروعة للإسلام ؟
.حتى لوأخذنا الدول والشعوب التي تبنت أغلبية ابنائها الإسلام مثل بنغلاديش وباكستان واندونيسيا والملايو جمهوريات أو حكومات دول وسط آسيا ولم تدخل أو لم تقع أولم تخضع لحكم العرب المسلمين ,أو ممن ذكروا سابقا مثل العثمانيين والمماليك . مع العلم أن عدد سكانها يبلغ ثلاثة أضعاف عدد سكان الدول التي تم ذكرها في الفقرة سابقة الذكر مع أنهم يدينون بالإسلام , ومع ذلك لم تعلن أية واحدة منها أنها دولة إسلامية . واسوق على سبيل المثال اندونيسيا التي يبلغ عدد سكانها 250 مليون إنسان 86% منهم مسلمون , أي أن عدد المسلمين فيها أكثر من أعدادهم في الدول العربية ُوثلاثة أمثال عدد المسلمين في إيران .ومع ذلك لم تعتبرنفسها , ولم تسمي نفسها دولة إسلامية واعتبرت في دستورها الإسلام أحد ست ديانات منتشرة في اندنونيسيا .ولم تعلن نفسها دولة إسلامية ولم تصادر الدين الإسلامي كما فعل حكام إيران الفرس .الأمر كذلك ينطبق على جميع الدول العربية الملكية والجمهورية الإشتراكية والرأسمالية .وتركيا . فمع أن أغلب سكانها هم مسلمون ومع ذلك لم تسم أية واحدة منها نفسها دولة إسلامية .
(2) لاحاجة بي لذكر الكثير من هذه القيم , (التي يفترض لشرحها بالتفصيل كتابا أو بحثا خاصا ) بل أكتفي بذكر الصدق وعمل الخير والابتعاد عن فعل الشر والغش والرياء والكذب والخداع , في السر والعلن .والتركيز على الرأفة والتواصل والتسامح والإخلاص والوفاء وعدم إيذاء حتى النملة , فالمسلم الصحيح الذي يتقي ربه لايمكن أن يغش أويكذب أو يحلف كذبا .ولايطعن ولايرائي ولايخادع ولايمالق , ولا يأكل مال الحرام وإذا نام إلى جانب أمرأة غير زوجته ينام معها كما ينام مع شقيقة له , لايطمع بمال جاره أو قريبه , المسلم الصحيح لاينام وجاره جائع , المسلم الصحيح يخرج اللقمة من فمه ويطعم القطة الجائعة. المسلم الصحيح لايخشى في الله لومة لائم ولايخشى من قول الحق أمام سلطان جائر حتى لو أدى ذلك إلى قطع رقبته ..إلخ . هذه القيم وسواها وهي القيم التي أخذت بها كثير من الشعوب والنظم الغربية والشرقية وطبقتها , في حين لم يعد يتمسك بها في بلادنا العربية إلا الأتقياء والورعين الذين يعرفون ربهم . من هنا تنشأ الحاجة لإعادة وإحياء قيم وأخلاق ومبادئ الإسلام . وهذا لن يتم من خلال الإعلان عن قيام دولة اسلامية . بل من خلال تبني الحكومة والنخب لمبادى وقيم الإسلام التي تم ذكر بعضها سابقا ).
(3): ازعم أن عدم تمسك السوفييت بالأخلاق والقيم الإسلامية السابقة , مع أنهم أوجدوا الأرضية المناسبة لخلق نوع من العدالة الإجتماعية لشعوبهم كان أحدالأسباب في تفشي الفساد والخراب الذي كان أهم الأسباب غير المباشرة لسقوط لدولة السوفيتية . في حين أن تمسك شعوب الغرب للأخلاق المسيحية وهي جزء من أخلاق وقيم الإسلام كان عملا غير مباشر في منعتها .