مقروءاً وفق مفهوم التناص والسرد متعدد الأصوات...رفعة الجادرجي وبلقيس شرارة في جدار بين ظلمتين

شكيب كاظم
2017 / 10 / 24

وأنا أقرأ كتاب (جدار بين ظلمتين) الذي تناوب على كتابة فصوله رفعة كامل الجادرجي وعقيلته بلقيس شرارة كريمة الأديب الكاتب محمد شرارة الذي ما زلت أنظر بعين الإكبار والاحترام إلى كتابه الوحيد الموسوم بـ (نظرات في تراثنا القومي) والصادرة طبعته الأولى عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر – ببيروت سنة 1982 وتولت تحقيقه ونشره كريمته الأخرى، الدكتورة حياة شرارة، أستاذة الأدب الروسي في كلية اللغات بجامعة بغداد، والتي نقلت إلينا عيون الأدب الروائي الروسي القيصري ولاسيما أدب تورجنيف، ومازالت في الذاكرة ترجمتها لرواية (مذكرات صياد) لتورجنيف، أقول: وانا أقرأ هذا العمل الكابوسي، الذي يصوران فيه حياة السجن التي عاناها رفعة الجادرجي، وما ترك من آثار نفسية وجسدية على الأسرة، بدءاً من صباح يوم الجمعة 16/كانون الأول/1978 وحتى إطلاق سراحه في العشرين من أب/1980. تذكرت روايات الحيز الضيق، فضلاً على ما يعرف بالنقد الأدبي بالرواية البوليفونية، أي الرواية متعددة الأصوات، وهو فن من فنون السرد الروائي، حيث يتولى اكثر من شخص من شخوص العمل الروائي، لا بل كلهم، سرد الحادث المركزي في الرواية، من منظورات مختلفة، وتأثيراته عليه، وتأثره به وتفاعله معه، ولدينا في السرد العربي رواية (ميرامار) للروائي العربي الوحيد الحائز على جائزة نوبل للآداب خريف سنة 1988نجيب محفوظ، فالسرد يجري في (بنسيون ميرامار) بمدينة الإسكندرية من خلال شخوص الرواية: عامر وجدي وحسني علام ومنصور باهي وسرحان البحيري وطِلبة مرزوق وزهرة وتفاعلهم بالحدث المركزي ووجهة نظر كل منهم به.

فصول سردية

كما وجدت في هذا العمل الكتابي، الذي أعده عملاً سردياً، تناوب فيه كاتباه، رفعة الجادرجي وعقيلته بلقيس شرارة، تقديم فصوله السردية الروائية من خلال زاوية نظر كل منهما، لذا، كما يقول رفــــــعة، قررنا أن يكتب كل منا من موقعه من ذلك الجدار الذي فَصَلَنا، فكتبت بلقيس ما كان يجري من أحداث ومشاعر ومحن واثباطات في ظلمة الجهة الخارجية من الجدار، وكتبت أنا بدوري ما كان يجري في ظلمة الجهة الداخلية منه، من غير أن نسعى إلى ربط أحداثهما، إذ لم يكن هناك ما يربطها، كان كل منا يواجه الأحداث بمفرده. تنظر ص11.ص12 .

وإذ وجدت بالكتاب وشيجة تربطه بالرواية البوليفونية متعددة الأصوات من زاوية بناء هذا الكتاب الذي صدرت طبعته الأولى عن دار الساقي سنة 2003فأني وجدت هناك تناصاً على لغة النقد البنيوي، أو ما عُرِفَ بوقوع الحافر على الحافر على لغة أبي الطيب المتنبي الذي سُئِلَ عن ذلك فقال: الشعر جادة وربما وقع الحافر على الحافر، أو التنافذ والتأثير والتأثر، وبأن المكتوب، هو مجموعة النصوص السابقة عليه، وهو مصطلح دخل الدراسات النقدية العربية بداية عقد الثمانين من القرن العشرين، وكان للناقدة البلغارية جوليا كرستيفا، فضل اكتشاف هذا المصطلح النقدي، أو المجرات المتجاذبة على لغة القاص المدهش محمد خضير في كتابه الرائع الحكاية الجديدة فأني وجدتُ فكرةً طرأت على ذهن المهندس المعماري رفعة الجادرجي، وهو يحاول دفع أيام السجن الثقيلة، بأن يشغل نفسه بما يبعد عنه شبح الصمت والظلام بأن يشغل عقله بتصميم مخططات بيانية، أو مخططات انسيابية لنظرية جدلية العِمارة، التي استحدث مبادءها منذ أن كان طالباً دارساً في إنكلترا، أواخر أربعينات القرن العشرين، هذه الأفكار، إشغال السجينُ نفسَه فيما يفيد وينفع وكي لا يقع في طائلة الجنون وحبائله، بسبب السكون وبلادة الفراغ والظلمة، وجدتها تطرأ على أفكار السيد (ب) بطل رواية (لاعب الشطرنج) الرائعة للروائي النمساوي اليهودي ستيفان زفايج، المنتحر في بلاد المهجر؛ البرازيل التي هرب إليها بسبب القسوة الشديدة والتمييز العنصري الذي مارسه الألمان عامة وأدولف هتلر قائد الرايخ الثالث خاصة، ضدهم، فأنتحر وزوجته فجر الثالث والعشرين من شهر شباط سنة 1942 بطل الرواية هذه، الذي يعاني آلام السجن الانفرادي في غرفة مؤثثة ومتوفرة فيها كل أسباب الراحة، هذا الوقت المتثائب البطيء، بسبب الوحدة، تجبره على سرقة كُتَيِّب من معطف أحد ضباط التحقيق، خلال إحدى هذه الجلسات، كان الكتيب في علم الشطرنج، وبعد تدريب استمر خمسة عشر يوماً، استطعت كما يقول السيد (ب) أن ارسم في ذهني سير كل الأدوار، الواردة في الكتاب، وادركت حينئذٍ أية نعمة جليلة خلعتها عليَّ سرقتي له، أصبحت املك وسيلة لإعمال الفكر، وسيلة لا ثمرة لها قد تقول هذا، ولكنها تحررني من أسر العدم، فقد أصبحتُ امتلك بفضل هذه الأدوار المئة والخمسين، سلاحاً ماضياً ينقذني من رتابة الزمان والمكان. ننظر ص56. ص57 من رواية (لاعب الشطرنج. ستيفان زفايج).

لقد استغل وقت فراغه المدمر، يما يفيده ويبعده عن وهدة الاختلال العقلي والجنون فبدأ يبتكر العاباً ونقلات شطرنجية، مستعيناً بنقلات كبار الشطرنجيين في العالم المدونة في كتيب الشطرنج الذي سرقه من معطف المحقق غَفْلَةً.

رفعة كامل الجادرجي يسأل صديقه يحيى ثنيان، الذي كان قد اعتقل لمدة أربعة اشهر في زنزانة إنفرادية، يسأله كيف كان يمضي وقته وهو في هذه الوحدة الممضة الموحشة، يجيبه انه كان يشغل نفسه في تتبع حركة النمل وسيره، وما يطرأ عليه من تغيرات سلوكية، لكن في الزنزانة رقم26 التي اعتقل فيها رفعة، واصبح رقما لا كياناً محدداً، اصبح الرقم 200? ما كان هناك نمل يشغل به نفسه، لذا بدأ بألهاء نفسه بتصميم تخطيطات لنظريته في جدلية العمارة. يقول: ((بدأتُ أضيف في ذهني وأنا في ظلمة الزنزانة على هذه المبادئ، واقدم على تحسينها، فكنت أستنفد في هذا النهج ساعات عديدة، في تحسين المخططات البيانية التي نظمتها في مخيلتي، ومنحتني هذه التمارين فرصة تجاوز هموم فساد الزمن.

ففي قدرة الزنزانة، أن تحجز البدن وتكبله وتذله، وتجوِّعه، وتخضعه لمعيش لا تقبل به الكلاب البرية (…) ولكن بالرغم من ذلك يتمكن الفكر من اختراق مادة جدرانها الجامدة، فالفكر ليس مادة تُشْغِلُ حيزاً يحجز فيه، أو يتحدد بمكان ما، وإنما الفكر حر بطبيعته (…) ولذلك بدأت أتنقل من كتاب، إلى كتاب أخر، واطلقتُ مخيلتي، وباشرت أزور عمارات في مواقع متعددة من العالم، وأتأمل طرزها المتنوعة، وهي تنفرد بسمات تبهر إحساسنا وذائقاتنا، فلا يمكن للفكر أن يجمد، ولايسبت إلا مع توقف الدماغ وزواله تراجع (ص149).

تناص الافكار

الزمن لدى رفعة الجادرجي مهم، يجب الاستفادة منه، لذا قرأ في سجنه، خلال خمسة عشر شهراً، مئة وستين كتاباً!! هذه المصادفات، التي تحصل في حياتنا الدنيا، لمما يذهلني، وهذا التناص في الأفكار كيف يحصل؟ الدنيا مزدحمة بالغرائب التي تبقى عصية على التعليل والتحليل، وإني لواثق أن الأستاذ رفعة الجادرجي، لم يقرأ رواية (لاعب الشطرنج) لزفايج، كي ينحو منحا بطلها المحتجز إنفرادياً، السيد (ب) وما أشغل نفسه به، لتمضية وقت الاحتجاز المتثاقل، إذن كيف حصل الذي حصل، فيقترب التفكيران، ويتوصلان إلى حل يكاد يكون متقارباً، إن لم أقل متشابهاً؟!

مسألة أخرى في التناص والتوافق على الرغم من بعد المسافات والأوقات، شاء زفاريج أن يطلق على المحتجز بطل قصته، اسماً غائماً مُلْغِزاً السيد (ب) في حين أصبح رفعة في التوقيف، رقماً، مئتين بعد أن نزعوا عنه اسمه، فأصبح ينادى أو يخاطب لا باسمه المعروف به بل بالرقم الذي منحوه له (مئتين)!.