فلاديمير بوشين* والمصادر الحقيقية لللاسامية

مشعل يسار
2017 / 10 / 24

لا تزال تترى كتابات وخطب الساسة والكتّاب من أصل يهودي حول الحرب العالمية الثانية وضحاياها، أولئك الذين يجهدون، قصداً أو عفواً، لعزل مأساة أبناء ملتهم عن مأساة الشعب السوفياتي كله. وقد تصدى الكاتب السوفياتي الروسي، الأممي فكراً والرائع كتابة، فلاديمير بوشين الذي شارك في الحرب وقد جاوز الآن التسعين من عمره (ولد عام 1924)، لهذه الظاهرة المريبة التي يأبى اليهود المتصهينون في روسيا خاصة إلا أن يطرحوها باستمرار، جاعلين من اليهود ذاك الشعب المسكين المظلوم غير المحبوب من قبل باقي الشعوب ربما لأنه "شعب الله المختار" حسب زعمهم، المكروه حسداً وغيرة، لا أكثر ولا أقل، من "الذكاء" اليهودي الخارق الذي أوجد روتشيلدات وروكفلرات وكيسنجرات ومعظم رجال الأوليغارشيا اليهودية في روسيا البرجوازية. فهم يقولون زاعمين: لقد تعرضنا للملاحقة والاضطهاد والقتل من قبل النازيين لمجرد أننا يهود. وكان آخر من زعم هذا الأمر النائب في مجلس الدوما سابقاً والسياسي المعروف الآن، والموظف في الحرس الوطني الروسي ألكسندر هينشتاين فقال: ... فقط لأننا اليهود! فقط لذلك! ". وهو مقتنع بأن هذا حجة قوية ومقنعة للغاية تلزم العالم كله أن يكرم الضحايا اليهود قبل أي أحد وبإحساس خاص من الشفقة والتعاطف. هذا التعاطف الغربي المتسم بالشعور بالذنب، الذي برر وسرع قيام إسرائيل الصهيونية على أرض فلسطين. وهذا لا يزال يستخدم من قبل الصهاينة كوسيلة ابتزاز حتى اليوم، تارة حيال ألمانيا وأخرى حيال سويسرا وثالثة حيال دول غيرهما، وذلك لاستدرار العطف... والمال والذهب الذي أخذ، على سبيل المثال، من أسنان اليهود خلال المحرقة التي ذاع صيتها على لسان الصهايين حتى أصبح الطفل ابن السنة من عمره يعرف بكلمة "هولوكوست"!!
أما حقيقة أن 28 مليون سوفياتي قتلوا في الحرب، ومن الواضح أنهم لم يكونوا لا كلهم ولا حتى جزء ضئيل منهم من اليهود، بل هم في غالبيتهم العظمى من الروس، فيرى هؤلاء الحريصون على ضحايا اليهود دون غيرهم أن الروس قاوموا وقاتلوا، وأنه كان على الألمان، بطبيعة الحال، أن يطلقوا عليهم النار. في الحرب كما في الحرب! (لكم يشبه هذا ما يزعمه اليوم الموالون لأميركا من "تمرد وجنون" غير مبررين لقادة كوريا الشمالية حيال التهديدات الأميركية و"المراجل" الترامبية!)، أما اليهود فشعب مسالم، تصرف التصرف اللائق، ولم يكن لديه أي شيء ضد النازيين، وها هم هؤلاء يقتلوننا نحن فقط، نحن اليهود!!!! ... فلكم نحن متميزون ولكم هو تعيس حظنا ومحفوف بالكراهية مصيرنا!!!... في هذا الكلام طبعا تجديف ونميمة على أبناء جلدتهم من اليهود الذين حاربوا فعلا على الجبهة ضد الفاشيين الهتلريين.
ففي الواقع، قتل الألمان اليهود الذي أحبوا وطنهم السوفياتي، في المقام الأول، وتصدوا للنازيين جنبا إلى جنب مع الشعب السوفياتي كله. وهؤلاء الكتبة الفريسيون يريدون الآن فصل اليهود، عزلهم، تمييزهم عن الباقين. لماذا؟ لمصلحة من؟ وهذا خاصة في بلد شهد، بالإضافة إلى عدوانات أخرى منذ حرب "دول الوفاق" على روسيا السوفياتية الفتية، أكبر محرقة في التاريخ بفقدانه 28 مليوناً من أبنائه. لو قالوا هذا في أمريكا أو إنجلترا أو فرنسا التي لم تتجاوز خسائر أي منها في الحرب الـ 300-400 ألف، لربما كان لهم الحق في أن يتبوأوا أعلى المنابر.
الألمان، بمساعدة أتباعهم المحليين مارسوا، في الواقع، أعمال إبادة ضد اليهود السوفيات بالذات. أما غير السوفيات فلم يفعلوا هذا دائما معهم. فوفقا لـ"موسوعة الرايخ الثالث"، مثلا، كان اليهودي إدهارد ميلخ مؤسسَ وقائد القوات الجوية لسنوات عديدة، ولم تمنعه أصوله اليهودية من أن يترفع في ظل هتلر حتى رتبة جنرال فلدمارشال أي مشير. وكان غورينغ يقول: "أنا هو من يقرر من هو يهودي، ومن ليس يهوديا".
أما بعد الحرب، فكان في عداد أسرى الجيش الأحمر أكثر من عشرة آلاف يهودي. هذا عدا من سقط بينهم قتلى وجرحى. فمن هم هؤلاء يا ترى؟ من أين جاؤوا؟ الألمان لم يقاتلوا وحدهم، بل قاتلت معهم جنبا إلى جنب كل أوروبا تقريبا. كمواطنين قدموا من فرنسا والمجر ورومانيا هؤلاء اليهود لم يعدمهم الألمان"لأنهم يهود"، بل جندوهم وأرسلوهم إلى الجبهة لقتال السوفيات، وربما إلى الغرب أيضا، وهناك قتل بعضهم، وتم أسر آخرين.
النازيون قتلوا في المقام الأول الشيوعيين، وبعد ذلك فقط اليهود: فالمحاكمة الشهيرة لجورجي ديمتروف بتهمة حرق الرايخستاغ، تلك التي حشر فيها ذاك القائدُ الشيوعي في الزاوية وفضح الفاشي غورينغ المبادر إلى الاتهام، بدأت في 21 أيلول/سبتمبر 1933 واستمرت لمدة ثلاثة أشهر، بينما جريمة "ليلة الكريستال" المعادية للسامية (أي لليهود بحسب التعبير الأوروبي) والتي قتل خلالها 36 يهوديا، ارتكبها النازيون بعد خمس سنوات – ما بين 9 و10 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1938. قبل ذلك، واستنادا الى عدد تلك المنشآت اليهودية التي دمرت وأحرقت، كان هناك في ألمانيا النازية حوالي 300 من المعابد اليهودية وأكثر من 800 من المتاجر والشركات التي يملكها اليهود، ولم يلمسها أحد على امتداد خمس سنوات. وكان الباعثَ على افتعال ما حصل في تلك "الليلة" اغتيالُ اليهودي البولندي هرشل غرونشبان، يوم 7 نوفمبر في باريس، لمستشار في السفارة الألمانية.
لم يكن اليهود، حسب تأكيد فلاديمير بوشين، لا الهدف الرئيسي ولا الضحية الرئيسية للفاشية. لقد كان الشيء الرئيسي بالنسبة لهم هو الـ"هاوسشوف ليبنسروم" (المجال الحيوي). واليهود لم يكونوا يحتلون أي "مجال حيوي"، بل هم كانوا يعيشون بين الشعوب الأخرى، علما أن دولة إسرائيل لم تكن قد قامت بعد، كما أنهم، نظراً لضآلة حجمهم كشعب، لم يكونوا ليثيروا اهتمام هتلر. المجال المناسب كان يحتله السلاف، وبالأخص الروس من بينهم. فالألمان كانوا يحلمون بتطهير المجال في المقام الأول من الروس كي يصلوا إلى جبال الأورال، والروس كانوا عدوهم الرئيسي الذي ينبغي تدميره.
لقد تكبد الروس خسارة لا يمكن تعويضها في الحرب الوطنية العظمى شكلت نسبة 66,40٪ من ضحايا هذه الحرب، فيما لم تشكل نسبة اليهود من هؤلاء الضحايا إلا 1,64٪ بحسب كتاب "دفتر الخسائر" لمؤلفه كريفوشييفKrivosheev، موسكو، 2009.
ويورد بوشين كلمة الحق التي نطق بها ذات يوم الشاعر السوفياتي الأوكراني المنشق يفغيني يفتوشنكو "المغرم بالشعب اليهودي" حسب قوله: "إن أكثر الشهادات خسّة شهادة الزور حول الحرب". هذا على الرغم من أن يفتوشنكو نفسه فعل ذلك. ولئن كان البعض لا يفتأ يمضي قدما في تكرار الكلام عن إبادة المدنيين اليهود الأبرياء على أيدي النازيين، فإن ثمة بعضاً آخر يتشكى من اللاعدالة في منح اليهود كل تلك الأوسمة في الحرب. فقد بلغ عدد اليهود الذين نالوا لقب بطل الاتحاد السوفيتي 108. وهذا ليس بقليل نسبة إلى عدد من شارك منهم في الحرب وأبلى فيها بلاء حسناً.
إلا أن أعلى درجة من درجات استنفار "معاداة السامية" يراها بوشين تتمثل في اليهود المتصهينين الذين يمقتون الروس مقتاً يصل إلى حد قول أحدهم (الكاتب اليهودي الأصل ميخائيل فيلر) إنه لكان على استعداد لاطلاق النار على المارشال السوفياتي جوكوف، وتصويرِ أخرى (الكاتبة الروسية اليهودية الأصل لودميلا أوليتسكايا) الروس على أنهم أفارقة مرضى وبهم قمل، ويجب أن يعالجوا على أيدي اليهود، وقولِ ثالث (الصحافي اليهودي مدير إذاعة "صدى موسكو" الليبرالية اليمينية ألكسندر مينكين): آسف أن لا يكون هتلر هو الذي دحرنا، بل نحن دحرناه، وأن هذا لم يتم في عام 1945، بل في عام 1941!!!!!
بمثل هذه الأقوال الشريرة الصادمة الصادرة عن يهود أعماهم التعصب والتصهين اللذان من شأنهما أن يستثيرا أكثر من أي أمر آخر كره الناس لهم، يخلص بوشين، تيمناً بمؤلف لينين "مصادر الماركسية الثلاثة و أقسامها المكونة الثلاثة"، إلى استنتاج أن هذه هي المصادر الثلاثة المكونة لمعاداة السامية.

من سيرة الكاتب:
* ولد فلاديمير بوشين في 24 يناير 1924 في محافظة موسكو. وهو كاتب وشاعر وكاتب ساخر وصحافي وناقد أدبي وناشط اجتماعي سوفياتي، ثم روسي. عضو اتحاد الكتاب السوفيات. نشر له العديد من الكتب في النثر والصحافة والشعر من بينها: "قيثارات الريح"، "أجراس المعركة الهادرة"، "سوف يطلقون عليه اسم الجنرال"، "نمّامو روسيا"، "المنتصرون والدجالون"، "في عالم الجمال والعنف"، "السنوات اللعينة"... واليوم، يبرز فلاديمير بوشين كواحد من أكثر الكتاب الاجتماعيين إثارة للاهتمام الذين يمثلون عن حق وحقيق المعارضة الوطنية.