حصان لدعوة الزعيم

فاروق عطية
2017 / 10 / 23

في العام الدراسي 1956/55 كنت في الفصل الدراسي خامسة أول، وهذا العام مليئ بالأحداث التي لا تنسي. كان حسب جدول الحصص المعدّ أن مُدرِس مادة الكيمياء لفصلنا سيكون أستاذ جديد إسمه سامي رزق، وأول حصة في اليوم الأول من الدراسة (السبت) بالحصة الثالثة. انتظرنا أن يحضر المدرس الجديد، ومرت عدة دقائق بعدها حضر إلينا سكرتير المدرسة ليخبرنا أن الأستاذ الجديد لم يصل من القاهرة بعد، وطلب منا الخروج إلي الفناء أو البقاء بالفصل دون ضجيج، فضلنا البقاء بالفصل وقضاء الوقت في السمر والتنابذ بالشعر علي طريقة جرير والفرزدق. وبعد انتهاء الحصة الثالثة كانت الحصة الرابعة لمادة الأحياء لمدرس جديد إسمه صلاح لآ أذكر باقي إسمه أتذكر فقط اللقب الذي أطلقناه عليه الأستاذ صلاح شرشر. كان الأستاذ صلاح قصيرا ضئيل الحجم ذو شارب كث، جاء إلي الفصل قبيل أن نسمع جرس بداية الحصة، ولم نكن مستعدين، معظمنا جالس فوق التخته في مواجهة بعضنا البعض، فلم نلحظ دخوله، ولما كنت أنا جالس بالصف الأول بجوار باب الفصل، فلم أشعر به إلا عندما وخزني في خاصرتي قائلا بصوت جهوري اترزع أُقعد علي مقعدك، وحين نظرت إليه بحجمه الضئيل حسبته طالبا جديدا بالسنة الأولي جاء للاستظراف، شخطت فيه قائلا: إمشي يالا وروح فصلك لحسن الأبلة تشبشبلك، ضج الفصل كله في ضحك متواصل. صمت قليلا ثم طرق علي السبورة عدة مرات وقال بصوت واضح: أنا مدرسكم الجديد لمادة الأحياء، فسادنا الصمت للحظات قطعته أنا بالاعتذار له عما بدر مني موضحا له أنني لم أكن مدركا أنه المدرس الجديد فتقبل الاعتذار صوريا لكنه أسرها في داخله ولم ينسها.
تكرر عدم حضور الأستاذ سامي رزق مدرس الكيمياء الجديد ونحن بلا مدرس ثلاث حصص أي طوال الأسبوع الأول للدراسة. وفي الأسبوع الثاني جاءت الأخبار بأن الأستاذ سامي رزق رفض العمل بالتدريس وفضّل العمل ككيميائي بإحدي شركات الصناعات الكيميائية. جمع المدرس الأول للمواد العلمية مدرسي هذه المواد لإعادة توزيع الحصص لتغطية حصص مادة الكيمياء للفصل الدراسي خامسة أول، فأصر الأستاذ صلاح شرشر أن يقوم بتدريس مادة الكيمياء لنا رغم اعتراض المدرس الأول كون أن الأستاذ صلاح خريج كلية الزراعة وغير متخصص، ولكن أمام إصراره رأي أن يعطيه الفرصة.
كانت علاقتي بالأستاذ صلاح سيئة، هو يحاول دائما إظهاري بعدم القدرة علي استيعاب مادة الأحياء رغم تفوقي في جميع الاختبارات التحريرية التي يجريها لنا أسبوعيا وكان يعطيني درجات أقل مما أستحقها، وفي الاختبارات الشفوية يعطيني درجات متدنية رغم عدم توجيه أي سؤال لي، وكنت لا أهتم بذلك لأننا بالسنة النهائية وأعمال السنة لا قيمة لها وإن كانت مؤثرة في سنوات النقل. وعندما بدأ في تدريسنا مادة الكيمياء واكتشفت عدم قدرته التعليمية قررت الانتقام منه وجعله أضحوكة الفصل حتي أطلقنا عليه لقب شرشر. ذات مرة كان يشرح لنا العنصر الفلزي الصوديوم: قال الصوديوم فلز خفيف الوزن عدده الذريي.. وصمت قليلا أعتَقِد أنه نسيه، وحاول التخلص من الحرج بالسؤال كأنه يريد اختبارنا، مين يعرف؟ أجابه أحد الزملاء: 11 فكتب علي السبورة العدد الذري 11، وأردف وزنه الذري.. وصمت قليلا ثم تساءل: مين يعرف فقلت له 32، فكتب علي السبورة الوزن الذري 32، فضحكت وضج الفصل جميعه بالضحك، وقلت له: أستاذ صلاح إبقي حضر الدرس وذاكرة قبل ما تدخل الفصل لأن الوزن الذري للصوديوم ليس 32، فرد بسرعة طب ما انا عارف إنه مش 32، وكنت لسة هاقول ذلك واسأل طالب آخر لاختباره، فانبري زميل آخر وقال: 31، فمسح 32 وصححها إلي 31، قلت له تمام كدة، كمل الشرح لو سمحت. وحين استرسل في الشرح انفجر الفصل جميعة في الضحك وصاح أحدهم: دي عاملة زي حكاية شرشر، وفجأة دخل المدرس الأول ليعرف سبب الضجة ولاحظ المكتوب علي السبورة: الوزن الذري للصوديوم 31، فانفجر ضاحكا، ودق جرس الحصة وخرج الأستاذ صلاح مع المدرس الأول وهو يحمل لقب الأستاذ شرشر، ومُنِع من تريس مادة الكيمياء.
كان مدرس اللغة العربية أزهري متطور يرتدي البدلة والطربوش بدلا من الجبة والعمامة، كان لديه ولع في تحويل أي موضوع إلي قصة وسيناريو، يحضر الحصة ومعه إحدي الصحف، يقرأ منها أي حادثة من صفحة الحوادث ويحولها إلي قصة مشوقة، وكنت معجبا به جدا وأحاول تقليده وأحوّل أي موضوع للإنشاء(التعبير) إلي قصة، ومن حبي للأستاذ حسن طه عشقت اللغة العربية خاصة البلاغة والتعبير وتفوقت فيها. ويبدو أن الأستاذ حسن رغم طيبته وحسن معاملته لنا لم يكن محظوظا، وتعرض لحدثين شديدي الوقع. أولهما كان في أول أبريل. إتصل شخص ما تليفونيا بالمدرسة طالبا سرعة عودة الأستاذ حسن طه إلي منزله لأن نار شديدة قد أحرقت شقته السكنية وزوجته في حالة خطيرة تحتاج النقل إلي المستشفي. وحين علم بالأمر أصابه انهيار شديد، وقام حضرة الناظر باصطحابه إلي منزله بسيارته الخاصة فوجدا كل شيئ سليم واكتشفا أنها كذبة أول أبريل، أرقدته لمدة أسبوع عليلا.
الحدث الثاني كان شديد القسوة عليه وعليّ أنا شخصيا. في ذلك اليوم كانت حصته مع ثانية رابع وطلب من الفصل أن يجهز كراسة الإنشاء، فاعترض طالب إسمه محمد أمين الفخراني علي ذلك بحجة أنه لم يحضر كراسة الإنشاء معه، فربت علي كتفه قائلا: أنت تعلم أنها حصة اللغة العربية فكان عليك إحضار كل ما يخصها. إحتد عليه الفخراني وصاح به: متزقنيش وتزغدني في كتفي كدة ولكم المدرس في صدره، فثار الأستاذ لما أصابه من إهانة أمام الطلبة وصفعه علي وجهه، واشتبك الإثنان في ملاكمة وتلاحم. كان فصل ثانية رابع بالدور الثاني بالقرب من الدَرَج وكان فصلنا بالدور الأرضي مقابل الدَرَج، وشاهدنا الأستاذ والطالب يسقطان متشابكان من الدور الثاني ويقعان أمام فصلنا. هرول الناظر والمدرسين لإنقاذ الأستاذ حسن من براثن الطالب الذي يريد الفتك به. بعد فض المعركة قرر حضرة الناظر فصل الطالب وعدم قبوله مرة أخري بالمدرسة. وفي نهاية اليوم الدراسي كان هناك تجمهر من والد الطالب المفصول وعمال فاخورته وجيرانه وأقاربه مسلحين بالشوم والأسلحة البيضاء، مطالبين بعودة الطالب المفصول واعتذار المدرس لتعديه علي الطالب وإلا الانتقام. في نفس الوقت كان أحد الأقارب أزهريا بادر بإرسال برقية للقيادة السياسية للبلاد يتهم فيها المدرس بصفع الطالب ودفعه من الدور الثاني ليسقط علي الدَرَج ويصاب بكسور في ذراعيه وقدميه والناظر تستر علي المدرس وفصل الطالب المعتدي عليه انتقاما من الطبقة الكادحة المحبة للثورة، خاصة وأن الثورة قد جردته من بكويته. صدرت الأوامر من قيادة الثورة بإعادة الطالب المفصول واعتذار الأستاذ للطالب وأهله، ونقل المرس من مديرية سوهاج التعليمية لمديرية تعليمية أخري. وفي اليوم التالي في طابور الصباح قام الأستاذ حسن والدمع يملأ عينيه بالاعتذار للطالب عما حدث، وكانت سيارة الشرطة مرافقة له حتي صعد إلي القطار الذاهب للقاهرة.
في شهر يوليو في شدة القيظ كان امتحان التوجيهية. في تلك الأيام كان امتحان التوجيهية علي مستوي الجمهورية ويعقد في عواصم المحافظات وليس في كل مدينة. فكان لا بد من سفرنا إلي سوهاج والسكن بإحدي اللوكاندات لمدة 7 أيام هي مدة الامتحانات (نمتحن مادتين يوميا). تحالفت علينا شدة الحر والغربة والطعام السيئ مما أدي لإرهاق الكثيرين وإصابتهم بالوهن. وكانت حالة زميلنا علي قبيصي الطالب بالقسم الأدبي أشدها، حيث وصل به الحال قبل نهاية الامتحانات إلي الهذيان، خرج من اللوكاندة بالبيجامة لافا بشكيرا علي رأسه علي هيأة عمامة وتوجه إلي مديرية الأمن طالبا مقابلة مدير الأمن. وحين سؤل عن سبب المقابلة أجاب أنه يريد استعارة حصان يذهب يه إلي القاهرة لدعوة الزعيم عبد الناصر ليعزمه كي يحضر حفل زفافه علي محبوبته وبنت عمه زينب حواس.عومل بلطف وأودع مستشفي سوهاج، فأبرقنا لوالده الذي حضر لاستلامه.