مجروح العبيط .. قصة من رابع المستحيلات

محيي الدين ابراهيم
2017 / 10 / 22

بقلم محيي الدين إبراهيم إسماعيل
كاتب وإعلامي مصري
كان في قريتنا ( عبيط ) إسمه ( مجروح ) لكن كان على ما يبدو ( عبطه ) يحمل روح فنان .. فهو لا يبرح ( قهوة ) عم ( بلال ) كل ليلة سبت بسبب وجود المنشد ( سيد عواجة ) .. كان يردد ورائه بعض المقاطع التي تعجبه بلسان ثقيل مع كثير من اللعاب السائل على صدره وهو يصفق بإعجاب شديد .. وحين ينهره ( السميعة ) يرفع لهم يديه معتذراً ( ببلاهة ) وهو يردد: أنا الضايع ( وإبن الكلب ) والغلطان .. بنص لسان .. ياخلق ياهوو .. أنا الأهبل .. أنا المجنون .. أنا الغلبان .. هكذا حتى يسحبه ويلقيه صبي القهوة ( شيبوب الأعرج ) خارج الدكان.
كان معنى أن يسحبه ( شيبوب الأعرج ) خارج المقهى كأنما سحب روحه من جسده .. فالمنشد ( سيد عواجه ) بالداخل .. روح ( مجروح العبيط ) بالداخل .. حياة ( مجروح العبيط ) بالداخل .. حلمه .. وجوده .. لا حل إذن سوى وساطة دكتور ( رجب ) .. هو الوحيد الذي يستطيع إدخاله المقهى مرة أخرى .. دكتور ( رجب ) هو الوحيد في ( البلد ) الذي يشفق عليه .. هو الوحيد الذي يرسل له الطعام ويفتح له حساب مستمر في ( القهوة ) ليشرب الشاي مجاناً .. دكتور ( رجب ) هو الوحيد الذي يعيده للمقهى كلما طرده ( السميعة ) كي يستمع للمنشد ( سيد عواجه ) في كل ليلة سبت.
لم يكن أهل قريتنا يعرفون ( لمجروح العبيط ) أماً أو أباً .. لكن بعض الأساطير كانت تشيع أن له ( خال ) يعيش في ( بحري ) .. لكن ( بحري ) أين ؟ .. الله أعلم!! .. بعضهم يقول في ( دمنهور ) والبعض الآخر يقول في ( طنطا ) وآخرين يجمعوا على أن خال ( مجروح العبيط ) لا يفارق مقام سيدي ( الدسوقي ) .. يختبئ في زاوية من زواياه لكونه هربان من جناية ( قتل ) .. يقولون أنه قتل أخته أم مجروح لأنها إمرأة ( زانية ) وكانت نتيجة ( زناها ) أن أنجبت ( مجروح ) الذي ألقى به خاله في قطار الأسكندرية فألتقطته ( أم بدوي ) بائعة البيض وظلت تربيه هنا في قريتنا وأحياناً ( تشحت ) عليه في أزقة الأسكندرية حتى ماتت وهو في سن الرابعة وحينها أشفق عليه الحاج ( منصور ) أبو دكتور رجب وعهد بتربيته لأحد رجاله ممن يعملون في ( وابور الطحين ) الخاص به .. ولما جاوز الثامنة أكتشفوا أنه ( عبيط ) وخاف العامل منه على بناته الصغار .. أشفق عليه الحاج ( منصور ) أبو دكتور رجب من أن يلقي به في الشارع وجعله يقوم بحمل أجولة الدقيق نهاراً في ( وابور الطحين ) وينام فيه ليلاً .. ولما كان ( وابور الطحين ) بجوار قهوة ( عم بلال ) فقد عشق ( مجروح العبيط ) الفن من خلال مديح الشيخ ( سيد عواجة ) كل ليلة سبت.
لأول مرة تنزل عربات البوليس والأمن المركزي قريتنا .. صافرات إنذار .. عساكر .. ضباط .. مدرعات ومدافع .. منظر مهول جعل الناس تهلع وتضرب أخماساً في أسداساً عن الإرهابيين الموجودين في قريتنا وتبحث عنهم الحكومة .. بعضهم قال أنهم يبحثون عن حسونة ( الفقي ) .. بلطجي و( وش ) إجرام .. منذ أسبوع كان يسير مع ثلاثة رجال ليسوا من قريتنا .. يقال أن أحدهم شارك في أغتيال وزير الداخلية .. أما البعض الآخر فكان يؤكد على أن المقصود ( الواد رفعت ) إبن حسنين البقال .. إنه وأبوه يتاجران في ( العمله ) .. أقسم ( جلال ) الحلاق أنهم يتاجرون في العملة لصالح الإرهابيين .. لقد بنوا عمارة وأشتروا عشرة فدادين من مال ( السحت ) واليعاذ بالله .. خرج ضابط الشرطة من دوار العمدة بينما العمدة ورائه يأمر شيخ الغفر بالبحث عن ( مجروح العبيط ) فوراً وحالاً وهو يضرب كفاً بكف ويردد كالمذهول: ( مجروح العبيط .. الواد العبيط داهو .. سبحان الله .. طب عليا الطلاق سبحان الله.
حين سمع وشاهد ( جلال ) الحلاق العمدة على هذه الحاله أقسم أن ( مجروح العبيط ) هو الإرهابي الذي جلب العار لقريتنا .. إنه لا عبيط ولا يحزنون .. إنه يعمل لصالح الحاج منصور .. وكنا ( بنقول ) عليه حاج .. من زمان وأنا شاكك فيه وعارف إن المسألة فيها ملعوب.
جاء ( مجروح العبيط ) يغطيه التراب واللعاب السائل من فمه بجلباب ممزق ومسحولاً بيد بعض العساكر الذين ألقوه ( بقرف ) تحت أقدام الضابط والعمدة ومن خلفهم يهرع الحاج منصور وإبنه دكتور رجب لأستبيان الأمر بينما خرجت القرية كلها عن بكرة أبيها تشاهد ماحدث حتى أحاط بهم الذهول.
معقول !! .. ( مجروح العبيط ) يصبح بين ساعة ليل وساعة نهار ( ثروت الباجي شيخ ) إبن الحسب والنسب و( الفلوس ) .. سبحان الله .. طب عليا الطلاق سبحان الله .. كان العمدة يردد هذه العبارة في كل جلسة مع مشايخ القرية وكبرائها وبالطبع سيستولى على الليلة كلها الحاج منصور وأبنه دكتور رجب فهو من رباه .. سبحان الله .. عليا الطلاق سبحان الله.
كانت حادثة سيارة في منتصف الليل بطريق مصر اسكندرية الزراعي منذ ستة عشرة عاماً حيث أنقلبت بأبيه وأمه ومات الكل وبقي هو على قيد الحياة وبعد الفجر بينما تخرج ( أم بدوي ) بائعة البيض من إحدي العزب المتناثرة حول الطريق الزراعي فجراً سمعت أنينا يصدر من سيارة محطمة مات كل من فيها إلا طفلاً صغيراً مغطى بالدم والجروح يصدر أنيناً خفيفاً وأوشك على الهلاك فألتقطته وأنقذته من موت محدق إذ إنفجرت السيارة بعدما أخرجته بدقائق فأضطرت ( خائفة ) من البوليس أن تأخذه معها لتربيته رغم فقرها ولسان حالها يقول: لقمة صغيرة بمقام فدان .. تكفي مادام الأمر لله.
لم يعد مجروح العبيط .. مجروحاً أو عبيطاً .. أصبح الكل يعرفه بأسم ثروت الباجي شيخ .. أصر دكتور رجب بعد أن ورث صاحبنا أموالاً طائلة أن يسافر به إلى ( ألمانيا ) لإجراء عملية جراحية تنقذ هذا الشاب من مآساة ( عبطه ) التي يرى دكتور رجب أنها ما جاءت إلا بفعل حادثة السيارة التي مات فيها أبوه وأمه وربما أصابته بتجمع دموي هنا أو هناك وكان لها تأثير حاد على مراكز الأعصاب في المخ.
عامين عاد بعدها ( مجروح العبيط ) أو ثروت الباجي شيخ من ( ألمانيا ) بعد نجاح أربعة عشرة عملية منهم ثلاثة في النخاع الشوكي.
بنى مستشفى كبير .. مجمع تعليمي .. وتوسع في بناء ( وابور الطحين ) لرد الجميل إلى الحاج منصور الذي رباه حتى أصبح أكبر ( شونة ) لتخزين وطحن القمح في المحافظة ويعمل فيه ثلاثة آلاف عامل .. وحين أصبح في سن الخامسة والعشرين توسط له الحاج منصور والدكتور رجب في الزواج من إبنة الشيخ ( سيد عواجة ) المنشد والذي أنشأ له قناة تليفزيونية خاصة بالإنشاد.
اليوم خرجت أنا والعمدة من مكتب النائب ( مجروح العبيط ) .. معذرة .. أقصد ثروت ( بك ) الباجي شيخ بعدما زرناه ليقص عليه العمدة مسألة الصرف الصحي في البلد بحكم كونه أصبح إبن الدائرة ونائبها في البرلمان .. وبينما نحن نهبط درجات السلم أوقفني العمدة بعدما شد يدي بقوة أوجعتني وقال لي: مجروح العبيط يادكتور رجب؟ .. مجروح العبيط أنا جاي أحكيله على ( حزن ) الصرف الصحي في بلدنا لأنه بقى نايب الدايرة في البرلمان ! .. سبحان الله .. عليا الطلاق ( بحق وحقيق ) سبحان الله !!