تتمة 3 حكم العسكر - كيف أضحت الدولة جهاز إرسال فقط - على جدار الثورة رقم 178.

جريس الهامس
2017 / 10 / 22

تتمة 3
جولة في مدينة دمشق الحزينة :
=============== صبيحة العاشر من حزيران 67 أخبرني أحد الرفاق بأن حكومة زعيّن فرّت إلى حمص , ونقلت معها أموال المصرف المركزي .كما جاءني خبر من صيدنايا بأن بعض عائلات الوزراءوأطفالهم لجأوا إلى دير القرية مع الخادمات ...
خرجنا من المنزل لنلتقي مع الجيران والأصدقاءفي شارع بغداد القريب من منزلنا ..كانت أرتال السيارات تتجه شمالاً مجتازة ساحة العباسيين .. مررت على الرفيق فؤاد أيوب في عيادته ,, وجدت النقاش بين الحاضرين بلغ حد الصراخ في مواجهة تبريرات وأكاذيب يوسف فيصل الذي جاء لزيارة فؤاد ..لم أسلّم عليه طبعاً . ساد الصمت ثم إنسحب يوسف ومعه خليل الحريري من مطبخ بكداش ..ثم علت ضحكات الحضور بعد ذهابهم ...رغم حزننا جميعاً على ماجرى على جبهة الجولان التي نعرفها جيداً ..
وعند الظهيرة جاءني الرفيق خريستو قسيس بسيارته التاريخية لنقوم بجولة في المدينة .. كان منظراً حزيناً يقطع نياط القلوب .
كانت الشوارع فارغة كأن زلزالاً بقوة 8 درجات قد ضرب المدينة .معظم المتاجر مغلقةفي شارع البرلمان والصالحية , . مررنا من أمام قصر الضيافة في نهاية زقاق الصخر لم نجد أي حارس أمامه ولا أمام الخارجية قبالته .زثم تابعنا سيرنا إلى ساحة الأمويين..كانت الأركان العامة خالية من أية قطعة عسكرية منتشرة حولها , بإستثناء عددقليل من الحراس بأسلحتهم الفردية ..
وكان مبنى الإذاعة والتلفزيون في الساحة خال تماماً مررنا من أمامه ..لكن شاهدنا شاهدنا المجموعة البعثية التي تدير الإذاعة والتلفزيون متجمعة حول سيارة البث الكبيرة في الجهة المقابلة عند مدخل طلعة المالكي - لم يسمحوا لنا بالمرور بجانب سيارتهم ..وشاهدت بينهم زميلتنا في الجامعة سابقاً " سعاد العبدالله " حاملة الميكروفون أمام جهاز الإرسال الذي كان يبثُ الموسيقا العسكرية والأناشيد الوطنية
لقد أصبحت يومهادولة البعث جهاز إرسال لاأكثر , تستطيع أية قوة صغيرة منظمة الإستيلاء على السلطة .. لكن أحداً لم يفكر بذلك .زلأننا كنا نعتبرهغدراً منبوذاً.. ونؤمن بأن حركة التغيير يجب أن تنبع من إرادة الجماهيرالوطنية المؤهلة وحدها لإسقاطسلطة العسكر والإستبداد بأيديها ...
عدنا إلى منزلنا نحلل ونحاول ونحاول وضع الخطوط العامة لمقاومة شعبية إذا وصلت قوات العدو إلى دمشق أو محيطها ..وقررنا في اليوم التالي الإجتماع في منزل الوطني الكبير قائد الجيش السابق الفريق " عفيف البزري " أبو يوسف " وقلت لرفيقنا قسيس أنت أبو يوسف والفريق أبو يوسف ونحتاج لثالث لحصل على الكنز - كما يقولون ؟
في اليوم التالي إجتمعنا في منزل الفريق البزري في حي الميسات مقابل جامع الكويتي - شارع ركن الدين - وإنضم إلينا ثلاثة من ضباط المقاومة السابقين المسرحين ..
إستقبلنا كعادته بالترحاب وبإبتسامته المعهودة ومحبته وروحه الشعبيةالطيبة والمتفائلة في أحلك الظروف . وبتواضع المقاتل الشجاع الذي لم أرَ مثيلاً له بين بين جميع الوطنيين والسياسيين السوريين الصادقين رغم إحترامي الشديد لهم سوى أكرم الحوراني - وأمين النفوري - وخالد العظم ..
كان أبو يوسف حزيناً لايصدق ماحدث .كيف لايحزن ويتألم وهو القائد الذي أشرف مع رفاقه المخلصين على تحصينات الجبهة في العهد البرلماني , وكان يزورها شهرياً تقريباً ..وقد تعرفت عليه لأول مرة في مدينة القنيطرة في نادي ضباطها عام 1957 يوم زارها مع " الرئيس شكري القوتلي " وكنت يومها رئيساً لشعبة الدفاع المدني في المدينة ...
قال بتعرفوا يا شباب: إن خطيئتنا الكبيرة أننا لم ننظم الجنود في الجيش , ونرفع من مستوى وعيهم الالوطني والثقافي لحماية سورية من الإنقلا بات العسكرية التي دمرت الجيش والبلاد ومزقت وحدة الشعب ..كمت نظمنا المقاومة الشعبية عام 56 وأسقطنا حلف بغداد والمؤامرة الكبرى على سورية بعدإغتيال العقيد المالكي وفشّلنا الحشود العسكرية التي كانت تطوّق سورية ..... لو كانوا الجنود منظمين وواعين المؤامرة وأبعادها لرفضوا أوامر الإنسحاب الكيفي من الجبهة ...ولما سقط الجولان.
بعد أن تكلم القائد بحزن وألم الوالد الذي فقد أحد أبنائه ..وساد الصمت والكآبة ....
أراد أن ينقلنا إلى جو آخر من الفكاهة والتندر فقال : هل تعلموا من زارني اليوم ؟؟؟ قلنا لا . قال زارني خالد بكداش ويوسف فيصل وإبراهيم بكري ومصطفى أمين وآخرين .. أثار فضولنا لنعرف غرض الزيارة ؟ ثم قال : توقعت أنهم جاؤوا يحملون مشروعاً للمقاومة الشعبية في الجولان .. أو للدفاع عن دمشق إذا تعرضت للهجموم الإسرائيلي .وليأخذوا رأيي وإستشارتي , ووضع أسوأ الإحتمالات بعد أن أضحت دمشق مفتوحة أمام جيش العدو بعد الإنسحلب الكيفي من الجولان وعلى مرمى مدفعيته ..؟؟
لكن خاب أملي ..كانت أحاديثهم عادية للتسلية ولاعلاقة لها بما جرى وبعد إنتهائهم من الثرثرة سألت خالد : ماذا أعددتم لمجابهة العدو الذي أضحى على أبواب دمشق ؟ وهل فكرتم بتنظيم فرق مقاومة شعبية ؟؟؟ أجابه خالد ممتعضاً: ماعندنا سلاح , من أين السلاح ؟؟ وهل نحن أقوى من الجيوش العربية ؟؟ دعونا لحل الصراع بالطرق السلمية وهذا موقف رفاقنا السوفييت منذ البداية ...
إعتبر بكداش كما يبدو تساؤل الفريق البزري إهانة لقيادته الفذة . أو تحدياً وتطاولاً على سدّة زعامته ( الإلهية ) كقيادة بائع الجولان تماماً ..ثم غادر وصحبه كاظماً غيظه على الرأي الآخر الذي لايعترف بوجوده ...
ودعنا الفريق البزري ( له الرحمة والخلود ) وتركن خيوط الإتصال والحذر قائمة لنرى ما يستجد بعد وقف إطلاق النار ..
بعد أيام قليلة إجتمعت القيادة المؤقتة للشيوعيين العرب في الغوطة بحضور رفيق جديد من جبل العرب . كماحضر رفاق اللاذقية لتقييم حرب حزيران وكل ماجرى
وبعد وقوفنا دقيقة صمت على أرواح الشهداء وعلى روح رفيقنا بطل الجولان رفيق سكاف تكلم رفيقنا توفيق أستور عن الشهيد رفيق وسيرته النضالية العطرة ...وحمّلناه رسالة تعزية خاصة لعائلته ...دام الإجتماع أكثر من أربع ساعات أصدرنا في نهايته مقررات القيادة المؤقتة طبعت مستقلة كما نشرت في العدد السادس من صحيفة ( نضال الكادحين ) المركزية السرّية وأهم ماجاء فيها :
1 - بعد خيانة حزيران وتسليم الجولان للعدو الصهيوني دون قتال ودون معاقبة المسؤولين عن هذه الجريمة التاريخية ..لم يعد التناقض بين شعبنا ونظام الحكم العسكري غاصب السلطة تناقضاً ثانوياً يمكن تأجيله ...بل أضحى جزءاً لايتجزأ من التناقض الرئيسي بين شعبنا العربي وعدوه الرئيسي الأمبريالية الأمريكية الصهيونية العالمية .
2 - إقالة وزير الدفاع وشقيقه وسائر العسكريين والمدنيين المسؤولين عن تسليم الجولان دون قتال للعدو الصهيوني . وإعطاء أمر للجيش بالإنسحاب الكيفي .. وتهجير سكان الجولان .
3 - إقالة حكومة يوسف زعيّن . وإلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية وتشكيل حكومة وحدة وطنية تجري إنتخابات تشريعية عامة لإنتخاب برلمان شرعي ثم إنتخاب رئيس بطريقة مشروعة وديمقراطية ...
4 - تشكيل لجنة تحقيق وطنية من جميع القوى الوطنية للتحقيق الوطني والقضائي في جريمة تسليم الجولان دون قتال للعدو الصهيوني ووضع المتهمين في قفص الإتهام .
5 - حل الجيش الشعبي الحزبي والعودة لتشكيل المقاومة الشعبية الشاملة لكل أبناء وبنات الوطن
كما دعون ا لتشكيل جبهة وطنية ثورية صادقة تضم كل الوطنيين الشرفاء بمختلف أطيافهم ....بعد توزيع هذه المقررات قامت مخابرات - عبد الكريم الجندي - وجلاد دمشق التابع له يومها ( يوسف طحطوح ) بإعتقالنا في سجن الشيخ حسن كما سيأتي . يتبع -