نكبة كردستان - غباء وخيانة قيادات الأحزاب الكوردستانية

احمد موكرياني
2017 / 10 / 20

يعجز المرء عن وصف ما جرى في أراضي كوردستان، فان ما حصل أكبر من تعريفه بالنكبة، لان النكبة تحدثها قوى خارجية، بينما ما حصل في كوردستان كانت نتيجة لخطأ وجهل عائلة البارزاني في عنادها على إجراء الاستفتاء وخيانة عائلة الطالباني بالتعاون مع قاسم سليماني ومليشيات الحشد الشعبي، العائلتان اللتان تصدرتا قيادة الثورة الكوردية منذ الستينيات القرن الماضي. فان الصراع بين القيادتين لم تتوقف منذ عام 1966 عندما انفصل الطالباني عن قيادة الزعيم مصطفى البارزاني، فسمي جناح الطالباني في وقتها "جحوش 66"، أي خونة 66 بالمعنى السياسي للكلمة، وثم تلاه الصراع على موارد جمارك مركز الحدود مع تركيا في عام 1996 الى ان تدخلت قوات صدام حسين لصالح مسعود البارزاني ضد قوات جلال الطالباني والدخول التركي الى أراضي كوردستان ، وقسمت العائلتان كردستان الى ادارتين في اربيل والسليمانية وكأنها ضيعتان تابعتان للعائلتين، واكثر من ذلك توطدت علاقة عائلة الطالباني مع النظام الإيراني سياسيا وتجاريا، وارتبطت عائلة البارزاني بعلاقات تجارية مع عائلة اردوغان (العدوتان اللدودتان للكورد وكوردستان).

ان عملية الاستفتاء كانت خطأ وغباءً في توقيتها مع وضع المنطقة الحبلى بالصراعات بين القوى الكبرى واذيالها في المنطقة، والصراع في داخل العراق بين القوى العربية والنظام الإيراني للسيطرة على العراق وبين الأحزاب والتيارات المختلفة في العراق وفي كوردستان، إضافة الى تعطيل برلمان كوردستان واستمرار مسعود البارزاني كرئيس للإقليم دون شرعية دستورية ومنع رئيس برلمان كوردستان المنتخب من قبل الشعب الكوردي من الدخول الى أربيل لممارسة عمله، فلو كان برلمان الاقليم فاعلا لما أخطأت قيادة الحزب الديمقراطي في تبني إجراء الاستفتاء في زمن سيطرة قاسم سليماني ومليشيات الحشد الشعبي على قرار السياسي لحكومة حيدر العبادي في بغداد.

عندما يتخذ زعيم شعب قراراَ تاريخيا لا بد من استشارة الشعب قبل اخذه للقرار، ولا ان يواجه شعبه بالمزايدة والتحدي على حب الوطن والارض، كما فعل هوشي منه عندما هزم اكبر قوة عسكرية في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية في فيتنام، فأستشار شعبه لمواصلة القتال او الخضوع بأمان للاستعمار الأمريكي، ففوض الشعب الفيتنامي زعيمه هوشي منه بمواصلة النضال ضد الولايات المتحدة الامريكية ليتحرر الشعب الفيتنامي بشماله وجنوبه، فعلى الزعيم ان يجمع الشعب حوله حبا وليس قهرا لتنفيذ قراره، فتبنى مسعود البارزاني قراراً بهذه الدرجة من الحساسية والخطورة وهو عالم بأن اكثر من نصف سكان كوردستان غير راضين عن إدارة حكومة الإقليم، وعنه شخصيا، وان معظم أصدقاء الكورد من الدول الأوربية وامريكا كانوا غير راضين عن توقيت الاستفتاء، وأكرر هنا ان هذه نكبة كانت من بنات أفكار هوشيار زيباري وزير خارجية العراق لأكثر من 10 سنوات، فأثبت بأنه لم يتعلم من السياسية الخارجية شيئا ولم يخدم القضية الكوردية في المحافل الدولية اثناء توليه منصب وزارة الخارجية، فكان المنصب اكبر منه، فأنبهر بمنصبه وامتيازاته وجمع المغانم حاله حال إبراهيم الجعفري الوزير الحالي الذي لا يفقه من الدبلوماسية بشيء، فهو لا يصلح حتى ان يكون رادود في الحسينيات على ان يكون وزير للخارجية يمثل الشعب العراقي في المحافل الدولية (الرادود هو الذي يقرأ مرثيات على الإمام حسين عليه السلام)، لان كلامه غير مفهوم حتى للعرب الاقحاح ناهيك عن العامة.

ان خيانة عائلة الطالباني (بافيل الطالباني وأمه هيرو ولاهور شيخ جنكي الطالباني مسؤول قوات مكافحة الإرهاب التابعة لمجموعة الطالباني والمتحدثة باسمها آلاء الطالباني) واتفاقها مع قاسم سليماني على الحفاظ على مكاسبها المالية وثرواتها في كوردستان مقابل سحب القوات البيشمركة من كركوك، فلم يكن الانسحاب مبني على مبادئ سياسية او وطنية بل مصالح شخصية عائلية بحتة، حالهم حال معظم القيادات الحزبية العراقية بعد 2003 دون استثناء، عدى الحزب الشيوعي العراقي.
ان أكثر ما يؤلم من عملية الخيانة، بإن هيرو، زوجة جلال الطالباني كانت تعبر عن تأييدها للاستفتاء وكانت تظهر دعمها للمسعود البارزاني الى ساعات قبل احتلال كركوك، أي خيانتها لم تكن خوفا من الحرب الأهلية او على مكتسبات الكورد السياسية، بل خيانة رخيصة وترتقي الى مؤامرة قذرة ومن أقذر المؤامرات في تاريخ كوردستان من اجل مصالح مالية لعائلة الطالباني، كما كان الحال في معركة الاتحاد الكردستاني مع مسعود البارزاني في عام 1966 حول اربيل.

ان عملية الاستفتاء وخيانة عائلة الطالباني ("عائلة خيانت" كما كان الاتراك يطلقونها على العرب لخيانتهم في الحرب العالمية الأولى) اعادت الثورة الكوردية الى عام 1975 بعد اتفاقية الجزائر بين صدام حسين وشاه إيران على حساب الكورد وكوردستان، فدفعوا جميع الأطراف التي شاركت في تلك الاتفاقية ثمن المؤامرة على الكورد وكوردستان، فهواري بومدين مات مسموما وشاه إيران لم تأويه اية دولة فمات غما بالسرطان في مصر وصدام حسين مات مشنوقا.

ان نكبة كركوك حطمت اسطورة البيشمركة المقاتل الشجاع الذي لا يهاب الموت وانتصارات شباب وشابات البيشمركة ضد داعش في العراق وسوريا مضحين بالمئات من الشهداء ثمنا لتلك الانتصارات.

الأطراف المشاركة في نكبة الكورد وكوردستان:
1. عملية استفتاء: مسعود البارزاني وهوشيار زيباري.
2. الخيانة: هيرو وبافيل الطالباني ولاهور شيخ جنكي الطالباني.
3. االسطوة العائلية (البارزاني والطالباني) على الحكم في أربيل والسليمانية.

لا يمكن لأي طرف من الأطراف أعلاه انكار دوره في النكبة، فقد سجل التاريخ نكبة الكورد وكوردستان بتأريخ 16 تشرين الاول/أكتوبر 2017 بدماء شهداء كركوك، فقد استشهد أكثر من 200 بيشمركة ليلة الاحتلال دفاعا عن كوردستان بمبادرات شخصية وتفانيهم وتضحيتهم لحماية ارض كوردستان من الحرس الثوري الإيراني والمليشيات العميلة لإيران.

على العائلتين البارزاني والطالباني ان تختفيا من المسرح السياسي الكوردي، فكانتا وراء مآسي الكورد منذ 1966 في اختلافاتهما وصراعتهما على السلطة، خذوا اموالكم واخرجوا من كوردستان واتركا الوطن لأبنائه او انتحروا جماعيا اكراماً لشهداء البيشمركة، فلن يتأسف أحد لموتكم.

الغرور والكبرياء قادة إقليم كوردستان افقدت القيادة الكوردية صلتها بالواقع العراقي الحالي وبالشعب الكوردي بشكل خاص، فتبنت الحكم الشمولي العائلي في أربيل ودهوك من طرف عائلة البارزاني والسليمانية من قبل عائلة الطالباني وتكتيم الأصوات ومنع من لا يطيعها من الدخول الى أربيل وان كان رئيساً للبرلمان منتخب من الشعب.

عندما أصدر محمد حسنين هيكل كتابه " الإمبراطورية الأمريكية والإغارة على العراق" بعد غزو العراق في 2003، بعثت برسالة الى مسعود البارزاني طالبا منه ان يقرأ وان يدرس الكتاب ويفرض قراءة ودراسة الكتاب على المكتب السياسي لحزبه، ليعرف بإن الولايات المتحدة الامريكية ليست صديقة للكورد وانما علاقاتها مبنية على مصالحها فقط، فقد تخلتْ الولايات المتحدة الأمريكية عن شاه إيران وشجعتْ صدام حسين في دخول معركة ضد إيران واحتلال الكويت ثم اسقطته.
أعلنت الولايات المتحدة بآنها ستضرب اية قوة تبدأ الهجوم أي القوات الحكومية او البيشمركة ولكنها: 1) سحبت قواتها العسكرية من كوردستان الى صلاح الدين قبل يومين من احتلال كركوك، و2) ولم تتدخل عند تقدم مليشيات الحشد الشعبي باتجاه كركوك وسيطرتها على طوز خورماتو، و3) اعلنت بعد احتلال كركوك انها تقف على الحياد، أي ضاربة بعرض الحائط ادعائها بأنها حليفة للكورد في العراق وسوريا وباعت دماء شهداء الكورد اللذين تحالفوا مع القوات الامريكية في العراق وسوريا بثمن بخس خوفا من تهديدات الحرس الثوري الإيراني من الانتقام من مصالحها في الشرق الاوسط.

ان استقطاع كركوك من كوردستان كان حلم القوميون العروبيون في العراق منذ أيام نوري السعيد وصدام حسين ولم تتوصل حكومات بغداد الى سلام دائم مع الكورد طوال قرن كامل بسبب كركوك، والغريب ان نرى القوميون العروبيون في العراق يبتهجون باستقطاع كركوك مرة أخرى من كوردستان من قبل قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني، وتناسوا ما فعله قاسم سليماني وميليشياته المذهبية من تطهير مذهبي في بغداد والمحافظات السنية واغتيالهم لأكثر من 400 طيار وضابط العراقي من اللذين ادوا واجبهم للدفاع عن العراق خلال الحرب العراقية الإيرانية، فعند دخول المليشيات كركوك ليلة 16 تشرين الاول/أكتوبر 2017 اغتالوا الطيار المتقاعد المقدم ياسين احمد في منزله في كركوك لأنه شارك في الدفاع عن العراق خلال الحرب العراقية الإيرانية، واحرقوا منازل عديدة وفقا لقائمة معدة مسبقا، فلو كان الزعيم جمال عبد الناصر ما زال حيا لكفر بالقوميين العروبيين في العراق.

الغريب ان يخرج السلطان المغولي اردوغان بتصريح بإن كركوك مدينة تركمانية تاريخيا، تعليقي على تخرُصات السلطان المغولي في انقرة:
• عليك يا سلطان المغولي اولاً ان تثبت تاريخك في ارض كوردستان وارمينا قبل غزو المغولي وتأسيس السلطنة العثمانية، وقبل ان تخلق تاريخا وهميا للتركمان في العراق.
• احتفل تركمان العراق بعيدهم الوطني العشرين (20 عاما) في بداية شهر تشرين الأول/أكتوبر هو تاريخ تأسيس الجبهة التركمانية في مدينة أربيل كوردستان العراق، أي اتحاد أحزاب سياسية وبرعاية الكورد في عاصمة إقليم كوردستان وليس في بغداد.
• لا وجود تاريخي ولا لعيد وطني للتركمان على ارض كوردستان كما للكورد "عيد نوروز" وبطلهم كاوة الحداد الذي ثار ضد الطغيان، وشعلة فرن كاوة الحداد (فرن لصهر الحديد) أصبحت تنير جبال كوردستان في ليلة 21 اذار/مارس كل عام قبل ان تطأ اقدام المغول ارض كوردستان.
• ان علم الجبهة التركمانية السياسية مماثلة لعلم الدولة المغولية في دولة تركيا الحالية ولكن بلون ازرق.
• ان الجبهة التركمانية موالية لدولة تركيا حالها حزب الدعوة العراقي الموالي لإيران.
• لست معادياَ للتركمان فكان اعز صديق لي شكيب رحمة الله عليه تركمانيا من مندلي، فلم نكن نفترق أيام الدراسة الا عند النوم كل في بيته، ولي أصدقاء تركمان اعزة الى نفسي، ولكن تجار السياسة وعملاء تركيا هم اللذين يفرقون بين الشعوب ويضعون الحواجز بينهم.

ما هو القادم للعراق وللكوردستان:
ليس سهلاً رؤية الاحداث من خلال العواصف السياسية التي تخيم على المنطقة، فقد اختلط الحابل بالنابل، فلا تعرف الحليف من العدو، الأعداء يتحالفون على تقسيم الغنائم، كما هو الحال في سوريا اليوم، والحلفاء يختلفون على تقسيم الغنائم، اما المواطنين الاحرار فيدفعون ثمن فاتورة الكراسي وامتيازات قادة الأحزاب والتحالفات بدمائهم وتشريد عائلاتهم.
• ستسترد كركوك آجلا او عاجلا ولكن بعد سقوط بغداد مرة أخرى بتحالف كوردي - عربي ضد عملاء إيران في بغداد، لا يمكن للعراق الاستقرار مع عدم حل عادل لكوردستان وان طال الزمن.
• ستهزم معظم قادة الأحزاب اللذين شاركوا في الحكم بعد 2003.
• ستعم فوضى سياسية في العراق بين القوى المناهضة للاستعمار الإيراني للعراق والوطنيون الاحرار في العراق.
• سيستمر الصراع ديني مذهبي بين السنة والشيعة الصفوية.
• سيستمر الصراع بين القوى المدنية وقوى التخلف الديني.

هل سنعيش كي نرى العراق مستقرا آمنا، لا اظن ذلك طالما بقي النظام الإيراني الحالي في الحكم في طهران، والولايات المتحدة الامريكية فاقدة للأخلاقيات الانسانية العليا ولا ترى العالم الا من خلال مصالحها التجارية.

كلمة أخيرة:
• يا عرب العراق اسمعوا وعوا وإذا وعيتم فانتفعوا:
o لا تسعدوا باستقطاع كركوك من قبل قاسم سليماني، فقد حارب الكورد لتحرير موصل وتحرير الرقة واستضافت كوردستان مئات الآلاف من النازحين العرب من جور وظلم الدواعش، فلا تردوا الجميل بالشماتة.
o ان عدوا العراق هو النظام الإيراني، وان اعلان تشييع العراق حكومة وشعبا هو مسألة الوقت كما حدث عند تشيع شاه إسماعيل الصفوي للشعوب الإيرانية، فهذا قيس الخزعلي قائد مليشيات العميلة لإيران لن يكتفي بالهلال الشيعي، بل ينادي بالبدر الشيعي.
o ان جبال كوردستان صديقة وحامية للكورد فمن يحميكم يا عرب العراق من ظلم الشيعة الصفوية غير الكورد وكوردستان، ان تحالفكم مع الكورد هو طوق النجاة من النظام العميل لإيران في بغداد.