اللجوء إلى الإنسانية

سامي عبد العال
2017 / 10 / 20

غالباً ما يمثل اللُّجوء الإنساني دورةً جديدةً من الحياة. ورغم كونَّه مصاحباً للأحداث الفاجعة ( كما تجري في العالم العربي ) إلاَّ أنَّه يستحضر زخمَ الإنسانية. فالخلاص من جنون الأحداث لن يكون سوى منها وإليها. وإذا كانت المسيحية ترى الصلبَ فداءً للإنسان، فاللجُوء الراهن هو الشكل البشري تجنباً لخطايا الإرهاب. إنه غفران من نوع مدنى متحضر إذ يتسع صدر العالم للاحتواء والتعاطف. يحاول باستعمال المكان أنْ يضمد جراح المهمشين والأطفال والنساء والعائلات الممزقة.

لعل اللجوء - أملاً في مصير مختلف - يطمس قتلاً محتوماً باسم الإله. وبذلك يلغي دلالة الإله المسيحي ودلالة الإله الداعشي. لأنَّ الأول لم يُسعف في أوقات الدم والذبح ( صورة المسيح نفسه وهو المصلوب والمتألم) والثاني يُكَّفر الأول ممعناً في الخطايا التي لا تُغتفر. فكيف سننزل إلهاً جديداً متجسداً كي يستطيع ذلك؟!

كان واضحاً في مناطق الحروب الإرهابية أنَّ الصراع الدموي أمسى بين هذين الإلهين. الدواعش أصروا على انزال العقاب بكل المسيحيين قتلاً وتنكيلاً. لأنَّ الرغبة الدفينة لدي الإرهاب في مسخ الغفران كانت أقوى. كما أن التجسد حتى بالوضع الديموجرافي للديانة المسيحية حاربته التنظيمات الإرهابية ومثل سمةً مشتركة بينها. ولاسيما أنَّ الفداء (الخلاص) ليس حادث غفران عادياً بل واقعة حرب وموت.

بتلك الخلفية كان استقبال المجتمعات المسيحية للاجئين المسلمين مقايضةً في إطار الإنسانية ونوعاً من التذكير بأنَّ الفداء أصبح رصيداً خاصاً لوجود إنساني أكثر تطوراً. وبالتالي يدرج اللجوء في سياق التاريخ كتقوية لعلاقة حديثة ترد على كل إرهاب وتشجبه. وهذا ما عبرت عنه قوانين حقوق الإنسان ورعايته والسهر على إقامتها.

أيضاً تتعلق فكرة اللجوء بمستوى آخر من الحقيقة. ليست هي المعرفة التي تخضع لتجارب واختبارات ونقد. لأنها فكرة تتم تحت ظروف ضاغطة عادةً وترتبط بدائرة أوسع من الحياة. بينما المعرفة تحتاج مجالاً موضوعياً ليس متاحاً في هذا السياق. كما أن اللجوء أكثر من ضيافة وليس أقل من يقين خارج موروثاتنا. بدليل أن اللاجئين قد عبروا البحر بعدما عبروا عنف الثنائيات بين الشرق والغرب. تجاوزوا رواسب الحروب الصليبية وغزو جيوش المسلمين لبعض أوروبا وتدمير تقاليدها وموروثاتها. وقفزوا فوق تاريخ الاستعمار الحديث ومعاركه العسكرية والفكرية. وتسللوا داخل أحراش الارهاب وكوارثه نحو (الواقع) البعيد.

ومن جهتهم لم يفلت الارهابيون الفرصة السانحة للاختباء بينهم بدواعٍ إنسانية. فكم حذرت الدول الأوروبية من تسلل عناصر داعشية على انهم لاجئون. وهناك من تداول بعض الصور لمجرمي الإرهاب منعاً لممارسته بأوروبا. فالاتحاد الأوروبي نوه إلى أهمية اتخاذ اجراءات للحيلولة دون انتقال التطرف إلى مجتمعاته. وقد حاولت غير دولة غلق حدودها وملاحقة اللاجئين بكافة الوسائل. واريقت أحبار الكراهية من كتاب اليمين المتطرف دفعا لأي لاجئ قادم. وأدلى المفكرون والفلاسفة بدلوهم الأوسع في تلك الوضعية حتى أن بعضهم قال نريد إسلاماً أوروبياً كمبرر للعيش المشترك. ولم يتوان آخرون عن بناء الأسلاك الشائكة ووضع المجسات والكاميرات الالكترونية على الحدود وفي الميادين العامة لمراقبة الأوضاع عن كثب. كيف يمنع بعض البشر التقاء الإنسانية عندما يغيب اطرافها في الشرق؟! وكيف أصبح الشرق جحيماً لا يطاق دافعاً مواطنيه للهروب باتجاهات شتى؟!

حقاً كانت حدود الشرق- الغرب ( أي البحر المتوسط) حدوداً فاصلة بين الحياة والموت. الجثث تبدو غارقة تحت عيون التاريخ. والأشكال منهكة بعدما خرجت لتوها من دوامات المجهول. كل ذلك والأمل بوجه الإنسانية ينتظرهم في الأفق الأقصى حتى وإن لم يُوجد أحد. الابتسامات مؤجلة والعواطف لا تقل عن البحر في أهواله والاحضان تعانق الفراغ. إلاَّ من ينجو باتجاه الأمل فنراه قد قفز إلى هواء الإنسان الحر.

صحيح هناك لاجئون قصدوا دولاً عربية وشرقية غير أن ابتساماتهم كانت شاحبة بمرارة واضحة. وهذا يثير بدوره لماذا تشحب الإنسانية في أوطان بعينها دون سواها؟ هل هناك تراث من الشحوب أمام الآخر في بلداننا العربية رغم الأقوال اليومية عن كرم الضيافة؟! فالعالم العربي أكبر مناطق التاريخ تحدثاً عن علاقات الأخوة والجوار والقومية بين بني جلدته. وبجانب ذلك يعتبر أكثر المناطق احساساً بالاغتراب حتى بين مواطنيه الأصليين. فما بالنا باللاجئين!! وقد قيل المثل الشعبي الشهير( جبتك يا عبد المعين تعني لقيتك يا عبد المعين محتاج تتعان!!).

ومن زاوية تالية لا يخلو اللجوء من مرارة الفرار. حيث يحمل اللاجئ على كاهله وطناً يطارده أينما حلَّ. وطن هو الجرح النازف الذي لن يندمل بسهولة. ورغم بعد المسافات لم يتخفف من آلامه الغائرة. البعض يرى سبباً لذلك في الاستبداد السياسي والظلم الواقع عليه. لكن الإحساس بالوطن أقوى من أي ألم غائر. فالوطن مفقود واللاجئون كانوا كذلك في مساحته، حيث الحياة ممنوعة وهم في أمواجها المتلاطمة، الأمان مفقود وسط الصراعات الدموية. أين المفر؟! اللاجئ يعطي وطنه مصيراً آخر في بلد يتجاوز المسافات. ربما يتم ذلك بمقارنة الإحساس بحياتين مختلفتين( بلده الأصل والبلد اللاجئ إليها). هناك تبادل مؤقت بين حال وحال، بين وضع ووضع.

لكن السؤال الحيوي: لماذا كان لدى هؤلاء اللاجئين تلك الثقة الجيو سياسية؟! من أين أتاهم الوحي بأهمية ما يوجد على الضفة الأخرى؟! هل كل لجوء لا يخلو من أمل خارج الأسوار المفروضة تاريخياً؟

يسكن اللجوء في منطقة " البين " ضمن علاقة الأنا والآخر. إنها منطقة لمنافذ الثقة التي تزحف إلينا. فقد يكون هناك من يستقبل هذا الفار ذعراً وخوفاً. حيث يتردد: ليست الأيام آتية بما هو أسواء. ودوماً الأمل معقود هناك بمعناه الأنثروبولوجي والميتافيزيقي. في امتداد الأفق ما هو أحسن ويقترن بسوانا. ولأن الرغبة هي رغبة في آخر دائماً، فإن الإنسان يلقي بكيانه- بحياته- حيث يقف الآخر. وفي حالة اللاجئين هناك مسار عملي، يقطعونه على نحو متصل تجاه هذا الحلم.

ويبرز هذا التعلق بالآخر حيث المشاركة التي يسمح بها الأخير. لقد خرجت مجموعات من البشر الأوروبي( نساء ورجالاً ) لمقابلة اللاجئين السوريين على الحدود بين الدول الأوروبية. لم يكن ثمة وازع لديهم سوى التعاطف مع هكذا حالات إنسانية. وفي الوقت نفسه يتحرك الآخر بدلالته واضعاً نفسه مكان هؤلاء المترحلين من جذورهم. ماذا سيكون وضعنا لو كنا مكانهم؟ جاءت الإجابة في هذا الوضع المرئي طوال الوقت بواسطة الفضائيات والإعلام المكتوب والنقل الحي للمأساة. فالطفل" إيلان كردي" الذي لفظه موج البحر بعد غرقه كان علامة استفهام حركت أسئلة حائرة حول وضع الإنسان والطفولة خاصة.

وحدها الإنسانية هي من تشعر بمأساتها وقت الذروة. فقد يكون المشهد جزئياً ومهملاً غير أن البعد الإنساني الكلي يشد بعضه بعضاً. كم أبكت مشاهد النساء الممزقات عيون المتابعين. وهي صرخة استنكار وشجب لما يفعله الحروب الدموية في المجتمعات التي تجهز عليها. وقد التقى اللاجئون بالأوروبيين المتعاطفين بلا حواجز، ولا تباعد سياسي. فقط ظهرت الحواجز عندما ظهرت أرتال الجنود الذين يمثلون رماح الدولة الحديثة وسيادتها. انزوت الإنسانية وبرزت أنياب بقايا الأنظمة العنصرية كوحوش عملاقة تلتهم من يقترب منها. وبدورها استغلت أنظمة الاستبداد العربي بعد ربيعها الحالك لتحذر رعاياها من الثورة ثانية أو رفض الإجراءات الجائرة التي تتخذها. لقد سيست صور اللاجئين. وتم بثها ليلاً ونهاراً ككابوس يطارد الحرية والحياة الكريمة.