كلمة في مقاصد الشريعة و علم أصول الفقه

حمزة بلحاج صالح
2017 / 10 / 20

هل نبني علوما حديثة بردود الأفعال و التوجسات و تدوير المستهلك القديم و القياس عليه

التراثيون يشتغلون بالسلفية ابناء عمومتهم و نسلهم و مطابقهم ..

ليس الإمام الشاطبي طفرة مغاربية أندلسية تتميز عن المنجز المشرقي أو تتعالى عليه..

بيننا و بين الشاطبي كم من القرون خلت و انقضت و كم تغير العالم و كم تبدل حال المسلمين و كم تداعت إشكالات جديدة تلزم النظر النقدي في أصول الفقه و المقاصد و أعمال العز بن عبد السلام و الشاطبي و الطاهر بن عاشور و الفاسي و حتى مدرسة المغرب و الريسوني و البوشيخي و الوافي و الانصاري و فريدة و غيرهم...

لكن عاهة العقل العربي المسلم أنه تواق للماضي مشدود إليه يكرره و يقيس عليه و يتوهم أنه يفهمه و يجتهد فيه و يقوم بتحيينه و تطويره و تجديده و استيعابه...

ليست المقاصد وحيا و لا علم أصول الفقه الذي بني على المنطق الأرسطي منهجا و مقولة و ارتبط بعلم الكلام في جز كبير من مكوناته هو أيضا مطلق سماوي من عند الله بمنزلة الوحي...

تطورت العلوم اليوم بما يقتاضي منا نظرا للمسافة التي تفصلنا عن زمن و لحظة المقاصد و أصول الفقه ثورة معرفية و منهجية كبيرة و عميقة لا تكتفي بالتحسينات و التعديلات...

نحن على مسافة كم قرن من العز بن عبد السلام و الشاطبي " موافقاته" فماذا عن الغزالي و الامدي و الجويني و غيرهم...

تطورت علوم اللغة و المنطق و الكلام و الحجاج و الجدل و لم تواكب لغتنا كل هذا التطور بمحاسنه و نقائصه

و تطورت و تعقدت بنية المجتمعات و إشكالياتها و مشكلاتها و بات التعقيد و التركيب خاصية النشأة و التشكل و السيرورة و الصيرورة و استدعى البعض المقاربات النسقية و الشاملة في حقول و تخصصات عديدة فهل استفاد من هذه المنجزات الدارسون للتراث و العلوم الاسلامية بعد استيعابها و نقدها...

و لم يعد الطوفي في تقدير المصلحة وثبة كافية و لا الشاطبي يسعفنا و لا غيره من المغاربة مثلا لا حصرا و الذين يعاب على كثير منهم و على أمثالهم من الذين ينتسبون الى تخصصات الشريعة الاسلامية هو اعتقادهم أنهم يجددون العلم و أنه يمكنهم بهذا العلم على حاله و كما ورثناه و في حدود محاولات تجديده تجددا لا تجديدا نعم يعاب عليهم أن اشتغالهم تراثي صرف و لا يجدي لأنه اشتغال ماضوي مهما زعم الراهنية و تنقصه الجرأة و الإستفادة من المنجز الإنساني الواسع....

ليس هم التحديث غير المستلب لازمة و لا التجديد المتيقظ مطلب تقتضيه فقط السلفية و لا هو رد فعل على المشارقة انتصارا للمغاربة فهذا كله هدر طاقة و سراب ...

بل ترويج لاسلام محلي و متميز و خصوصي روجت له جهات غير علمية المنزع و الهدف و الصفة بل لا زال تيار من السلطة و تيار من الجماعات الإسلامية يدعون إليه و يقومون بنشره نضالا لا بحثا أكاديميا عبر أساتذتهم في الجامعات من خلال موضوعات الأطروحات التي يكلف بالبحث فيها طلاب الجامعات ...

و انتشر عبر صفحات الإفتراضي و الفيس بوك تيارا فضفاضا ما بين دول المغرب العربي يزعم التمايز عن المشارقة و يعتبر السلفية من ريح المشرق و هذا تخريف من تخريفات من ينقضون صفة الكونية للإسلام و منجزاته و يمنحان صفة الخصوصية منزلة خيالية و وهمية ...

نحن في حاجة الى إعادة بناء علومنا الإسلامية المرتبطة منهجا و بنية بعلم الكلام و المنطق الأرسطي و لا أتوجس من ذلك الثراء الذي كان و لم يعد لكن أعني الجزء العقيم و المعيق على الاجتهاد من المنطق الأرسطي ...

نحن في حاجة إلى بناء علوم إنسانية تتعلق بإشكالات واقعنا و تحدياته و إكراهات الواقع العالمي و العولمي..

نحن في حاجة للكف عن لغة التخوين و التفسيق و التكفير و الشذوذ و المؤامرة على الإسلام و تطهير موروثنا و تراثنا و معارفنا و عقولنا منها ..

فالفكر كالمعرفة لا يستوعبان خطابا من نوع " خبيث" " فكر هدام" " فكر خطير" " دخيل" " وافد" " غير أصيل " " يستوجب الحذر" " يستوجب اليقظة " " مؤامرة على دين الله "...

فلا يمكن لهذه اللغة أن تتقدم بنا لفهم الاخر و تفكيكه بل تنطلق من لعنة الاخر و الخوف منه و توقع السفه فيه و لا تتقدم بنا إلى فهم عميق لتراثنا بعيدا عن تصنيمه ...

التراثيون و السلفيون ملة واحدة لو تجردوا و تيقظوا و علموا و العيب ليس في التراث بل في من يرددون متونه بلا علم وافر لنصوصه المتنوعة و يزدرون المنجز البشري مع رفض الإنفتاح على طيفه المتنوع ...

الإنفتاح لا يعد اغترابا و نقد التراث ليس مراهم تمرر عى سطوحه و عمليات تجميل له أو هو خوف من و تقديس لغير المقدس بل عملية جراحية عميقة...

لا المقاصد و لا أصول الفقه و لا بقية العلوم هي وحي و إذا نذرنا أنفسنا ندرسها و نجتر مسائلها فلن تكفينا قرونا من الزمن فلن نفعل سوى تعميق هوتنا مع واقعنا و تحدياته للأسف...

أنا لا أقترح هنا رمي التراث و لا تهمني ضحالة عقول البعض في فهم المراد و لا الفقر العلمي و المزاجية و المصالح المادية التي تخفيها هذه الخيارات التي تدعم بقوة رهيبة و مريبة أحيانا و تجد كل التسهيلات ...

لا زلت أقول إن التراث ليس وحيا تأخر يلحق بوحي الرسالة بل هو عمل بشري و محاولة فهم لها و من قدسه فقد قام بتصنيمه و تعطيل سنة التجديد و لو رفعها شعارا و سطحا...

لا زلت أقول إن التراث متكأ لا يجب أن يتحول إلى محطة مكوث و التصاق...

لا زلت أقول بأننا لن نجد حلولنا في قياس الشاهد على الغائب أو في أقوال الطوفي في المصلحة رغم أنها كانت في سياقها جريئة و لا عند موافقات الشاطبي و لا عند من يسمون أنفسهم مدرسة المقاصد و الرشدية هنا و هنالك اليوم..

إن العاجز عن ابتكار حلول لإشكاليات تخلفه هو من يختبىء وراء التراث أو وراء الإغتراب و الإستلاب للاخر تقليدا أعمى في الحالتين يعكس عجز العقل العربي الإسلامي عن الإبداع...