ديالكتيك الطبقي والقومي

نايف سلوم
2017 / 10 / 19

(مدخل إلى نقد كتاب مرقص: الماركسية السوفييتية والقضايا العربية)
في تقسيمه المسائل في هذا الكتاب إلى "داخلي" و "خارجي" يجري مرقص تصنيفاً عجيباً يخلط المستوى السياسي بـ الاجتماعي / الاقتصادي للطبقة المسيطرة . يسأل مرقص: ما هو "الداخلي" و"الخارجي" ؟.. لعل ( ك أو زميله من العلماء والساسة السوفييت) يعتقد أن الوحدة كانت في سوريا 1958-1961 جزءاً من الداخلي ثم صارت في 28 أيلول 1961 جزءاً من الخارجي ! أستطيع أن أقول، والقول لمرقص : هذا ما أراه ، هذا ما تراه عيناي ، الوحدة خارج سوريا بعد 28 أيلول 1961 ... ولكن هذه اللحظة في معرفتي هي اللحظة التجريبية ، الحسية ("الملموس السوفيتي") وهي لا تشكل معرفة علمية ولا معرفة حقيقية"1
يمكن القول بكل بساطة : عندما تحققت الوحدة السورية المصرية أصبح لدينا ما يسمى دولة الوحدة ، ولهذه الدولة مجتمعها "المدني" ، أي مجتمعها الداخلي؛ وتنظيمها للعملية الاجتماعية/ الاقتصادية ، ولها تمظهراتها الخارجية كطبقة أو طبقات مسيطرة في سوريا و مصر كمجتمع واحد "داخلي" ؛ مجتمع الوحدة. مع الانفصال عادت مسألة الوحدة من جديد إلى المستوى السياسي ؛ أي عادت لتظهر كتمظهر "خارجي" لتنظيم الطبقة الحاكمة في كل من مصر وسوريا على حدة ، ولسيطرة كل منهما الداخلية وهيمنتها على مجتمعها في ذلك الوقت.
إن ما يحدد شكل تحرك طبقة وهيمنتها حتى على جغرافيتها السياسية هو الطبيعة الاجتماعية للطبقة وتحالفاتها وشكل سياساتها الداخلية والخارجية . فإذا كانت هيمنتها ضعيفة تشقق البلد ذاته وانصدع، وإذا كانت ذات هيمنة كبيرة وواضحة وذات برنامج اقتصادي اجتماعي ذي توجه شعبي حقّ، اندفعت نحو الوحدة الداخلية أولاً والخارجية ثانياً وتوسّع مجال هيمنتها. يكتب ماركس: "إن المجتمع المدني يشتمل على مجمل علاقات الأفراد المادية ضمن مرحلة معينة لتطور القوى الإنتاجية. إنه يشتمل على مجمل الحياة التجارية والصناعية لمرحلة معينة ، وبذلك يتعالى على الدولة والأمة ، بالرغم من أنّه يتوجب عليه (المجتمع المدني)، من الجانب الآخر أيضاً ، أن يؤكد نفسه في علاقاته الخارجية بوصفه وطن (وطنية) ، وأن ينظم ذاته في الداخل بوصفه دولة" 2 . وعند تحقُّق وحدة قطرين تغدو الطبقات المسيطرة متحدة ولها مجتمعها المدني ، وتتمظهر خارجياً وتفرض سيطرتها الداخلية عبر الهيمنة وعبر الإكراه.
هنا الخارجي هو تمظهر مجتمع الطبقة المسيطرة. ومن هنا يكون الجولان السوري المحتل قضية سياسية من قضايا الطبقة المسيطرة في سوريا. وعندما يستعاد الجولان يدخل ضمن مجتمع واقتصاد الطبقة المسيطرة المدني.
إن النضال ضد الإمبريالية يدخل في عداد القضايا السياسية للطبقة المسيطرة ، لكن النضال ضد الإمبريالية أكثر تعقيداً من رفع شعار العداء للإمبريالية العالمية ، حيث يشمل أيضاً سياسات اقتصادية واجتماعية داخلية؛ تعمل على إعادة توجيه الاقتصاد الوطني بشكل يخدم أكبر قدر من الطبقات الشعبية أي إعادة التوجيه الشعبي للاقتصاد والمشاريع الاجتماعية والاقتصادية ، وهذا يقتضي بالضرورة التنسيق الأممي مع قوى ودول ذات توجّه مماثل وترفع الشعار نفسه، أي التنسيق مع قوى مناهضة للإمبريالية والاستغلال الاقتصادي/ الاجتماعي على المستوى الأممي.
نتيجة اختلاط مقولة "الداخلي" و"الخارجي" تظهر عبارة مرقص التالية التباساً كبيراً؛ يقول: "سياسياً وفلسفياً لأن "الصهيونية" هي داخل "العرب" و داخل "سوريا" لأن "الإمبريالية" في داخل "العرب" وفي داخل "سوريا" لذلك هناك تناقض وصراع "
إذا كانت الإمبريالية والصهيونية أوضاعاً داخلية في كل قطر عربي ، فهذا لا يعني أن الصهيونية والإمبريالية هما أوضاعاً اقتصادية- اجتماعية عنصرية (من العنصر) داخل كل قطر عربي، لكن العنصرية تعني بالضبط سيطرة طبقات بعينها تجعل موازين القوى في البلد المعني تعمل لصالح المشروع الإمبريالي ولصالح الصهيونية ، أي أننا أمام سياسات اقتصادية موجهة ضد المصالح الشعبية ولمصلحة القوى الإمبريالية والصهيونية، لكنها أولاً مصالح طبقات رأسمالية محلية "عربية". هذا القول لا يسمح بمعالجة المسألة خارج نطاق الطبقة المسيطرة في القطر الواحد، وسياساتها في الداخل والخارج. وخارج الصور المحلية للعلاقة الإمبريالية . وعلى هذا الأساس تكون الإمبريالية عقبة خارجية ووضعاً سياسياً داخلياً أو صورة داخلية للعلاقة الإمبريالية مجسدة بسيطرة طبقة ذات توجه اقتصادي اجتماعي غير شعبي؛ بالتالي غير وطني. وهذه العقبة الخارجية بالمعنى الحرفي تقف عائقاً أمام أي تقدم اجتماعي أو تحديث صناعي في أطراف النظام الرأسمالي. لذلك أقول : إن سيطرة طبقة اجتماعية بعينها أو تحالف طبقات ومجتمع هذه الطبقة "المدني" وشكل توجه وتنظيم العملية الاقتصادية الاجتماعية وسياسات هذه الطبقة في الداخل والخارج هو الذي يحل إشكالية الداخل والخارج وليس وضع العبارات داخل أقواس مزدوجة على طريقة مرقص على شاكلة "سياسياً وفلسفياً".
إن "ديالكتيك" مرقص لا يسعفه في حل إشكالية الطبقة المسيطرة في القطر العربي الواحد وسياساتها و مسألة ما هو داخلي وما هو خارجي.
يقول مرقص: "إذا كان هناك اعتقاد بأن القضايا الاقتصادية -الاجتماعية لا علاقة جوهرية لها بالعالم الخارجي ، بالإمبريالية ، بالتجزئة، بالاحتلال، بالصهيونية، الخ.. فإن هذا الاعتقاد ليس هو مبدأ هيغل - ماركس- لينين عن الحركة الداخلية للشيء والديناميك الذاتي للظاهرة أو العملية، بل هو مبدأ الهوية والانفصال الميتافيزي" . يغير مرقص اتجاه المناقشة قبل أن يحسم علاقة "الخارجي " بالداخلي ، حيث يقلب الطاولة قبل إصلاحها في محاولة للإشارة إلى أن السياسات الخارجية أو القضايا السياسية كالقومية والتجزئة ، الخ.. لها علاقة جوهرية بالعامل الاقتصادي. حيث يفهم من سياق كلام مرقص أن الداخلي هو العامل الاقتصادي أو القضايا الاقتصادية- الاجتماعية، أي يفهم من مقولة الاجتماعي- الاقتصادي أنها هي العامل الاقتصادي ولا يرى أن هذه المقولة هي ترجمة للتنظيم الاقتصادي للمجتمع الذي تسيطر عليه طبقة بعينها أو تحالف طبقات بالتالي المسألة ليست اقتصادوية حين نتحدث عن التنظيم الاقتصادي للمجتمع وشكل توجيه العملية الاقتصادية، بل هي مسألة سيطرة طبقة بعينها أو تحالف طبقات . والدليل على اختزال مرقص للتنظيم الاقتصادي للمجتمع بـ العامل الاقتصادي قوله التالي: "إن تأكيد القضايا "الداخلية"؛ "الاقتصادية" و "الاجتماعية" على حساب "الخارجي" و "السياسي" يبدو لنا تأكيدأً اقتصادوياً économiste . بهذا المنظور يكون مارتينوف على حق ولينين على باطل"
وأقول إن مرقص على باطل في فهم لينين حين يساوي بين التنظيم الاقتصادي للمجتمع الذي هو شكل سيطرة طبقة اجتماعية على المجتمع المدني (البورجوازي) وهيمنتها عليه من جهة، وبين العامل الاقتصادي من الجهة الأخرى. فالاجتماعي- الاقتصادي ليس هو العامل الاقتصادي وهذا الخلط بينهما هو الذي خلق هذا التشويش في رؤية مرقص.
يعتقد لينين أن على الطبقة العاملة وبرنامجها الديمقراطي ، في تحركها نحو السيطرة والهيمنة أن تفهم جميع الطبقات وموقع كل طبقة في العملية الإنتاجية للمجتمع وطبيعتها وسلوكها السياسي والاجتماعي ، مما يتيح للطبقة العاملة إقامة تحالفاتها على بيّنة من أمرها ، وهذا لا يلغي في التحليل الاجتماعي الانطلاق بالتحديد من المستوى الاجتماعي/ الاقتصادي ، بل بالضبط هو ما يسمح به . يكتب لينين في كتاب "ما العمل؟ المسائل الملحة لحركتنا": "إن الوعي السياسي الطبقي لا يمكن حمله إلى العامل إلا من الخارج، أي من خارج النضال الاقتصادي ، من خارج دائرة العلاقات بين العمال وأصحاب العمل . فالميدان الوحيد الذي يمكن أن نستمد منه هذه المعرفة هو ميدان علاقات جميع الطبقات والفئات تجاه الدولة والحكومة ، ميدان علاقات جميع الطبقات بعضها تجاه بعض. ولذلك ، على سؤال: ماذا ينبغي لحمل الثقافة السياسية إلى العمال ؟ لا يمكن تقديم ذلك الجواب الوحيد الذي يكتفي به في معظم الحالات المشتغلون في الميدان العملي ، فضلاً عن أولئك الذين يميلون منهم إلى "الاقتصادوية" ، ونعني جواب: " التوجه إلى العمال" . فلكيما يحمل الاشتراكيون – الديمقراطيون إلى العمال المعرفة السياسية ينبغي لهم التوجه إلى جميع طبقات السكان ، ينبغي لهم أن يرسلوا فصائل جيشهم إلى جميع الجهات " [التشديد بالخط الغامق من لينين]
وإذا كان السياسي عند لينين هو الحزب (وعي وتنظيم متجاوز للوعي والتنظيم النقابيين) ، فهذا يعني أن البرنامج السياسي للطبقة العاملة يأخذ بالاعتبار ليس فقط المصلحة الاقتصادوية- النقابية لهذه الطبقة بل يأخذ بالاعتبار مصالح جميع الطبقات الهامشية الحليفة لها. وعلى هذا البرنامج أن يعي موقع باقي الطبقات الاقتصادي وغير ذلك كـ النقابية والاقتصادوية ومارتينوف وأي شيء شبيه بذلك .
يكتب مرقص: "حين توضع المسألة القومية الكبرى في مملكة الخارجي ، فهي بالأحرى وجهة نظر الآخرين، هي الخط الفكري للاقتصادوية في شكلها القديم والجديد وفي كل تصورها الماركسي ، أو بالأحرى شبه الماركسي للسياسة والتاريخ ، للواقع"
ومرة أخرى يفشل مرقص في التقاط ما هو سياسي وما هو "مدني" أو اقتصادي/ اجتماعي للطبقة المسيطرة وذلك نتيجة الخلط بين العامل الاقتصادي من جهة والتنظيم الاقتصادي للمجتمع الذي تقوم به الطبقة المسيطرة والمهيمنة.
عند حصول الوحدة بين قطرين يصبح الإصلاح والتأميمات أموراً داخلية لدولة الوحدة ، وليست أفعال محمولة "خارجياً" كما يدعي مرقص في ص 17 ، ومع الانفصال 1961 تعود داخلية كل قطر لتمارس ديناميتها حسب طبيعة الطبقة المسيطرة في القطر المعني وتحولات كل منها .
ويبقى مرقص يكرر خطأه حين يقول: "إن التضحية بـ "الخارجي" على مذبح "الداخلي " وبـ "السياسي" على مذبح "الاقتصادي" . و "الاجتماعي". وبـ "القومي" على مذبح "طبقي" غريب لا يحدد كمضمون ولا يبرر كمصطلح . هذا ليس اللينينية بل عكسها " . وأقول هذه ميتافيزياء مرقص وليست اللينينية!
يقرّظ مرقص ظهير عبد الصمد بخصوص شعار الحزب الشيوعي العربي الموحّد، حيث يقول: "وموقف ظهير عبد الصمد في المجلس الوطني التشريني من هذه القضية تطور إيجابي بدّد كل التباس.. " والتطور الإيجابي حسب رأيي أنا كاتب المقال هي عبارات عبد الصمد التي تقول: أ- إن إقامة الحزب البروليتاري اللينيني العربي ، الشعبي الجماهيري ، هدف وضرورة ؛ ب- إنه عملية (سير تطور وتحول ) تاريخية ، عملية موضوعية لا تنفصل عن النضالات الواقعية ، الوطنية والقومية أولاً والصائرة طبقة داخلية [!؟]
يقرّظ مرقص - حسب السياق- هذه "الوطنية والقومية" ؛ أي أنه يشيد بهذه الخارجية الصائرة داخلية (طبقية). أولاً، هنا مربط الفرس: النضالات الوطنية والقومية هي أولاً ، أي دون النظر والتدقيق في طبيعة الطبقة "القطرية" التي تقود هذه "النضالات" . وثانياً، أن هذه النضالات صائرة طبقة داخلية ؛ أي سوف تقوم ببناء دولة الوحدة . بهذه الطريقة تبقى علاقة طبقة أو طبقات في قطر معين بنضالات قومية ووطنية أمراً غير مفسر ، ولا تظهر سوى النتيجة التي هي تحويل النضالات السياسية القومية والوطنية إلى دولة (طبقة؛ داخلية). وكأن الوحدة القومية هي التي سوف تلد البروليتاريا العربية، وليس بروليتاريا كل من سوريا ومصر قبل الوحدة هما من يتوجب عليهما انجاز الوحدة القومية.
العنصر المفقود في هذه المعادلة هو طبيعة الطبقة المسيطرة في سوريا في فترة معينة من تاريخها الحديث ومجتمعها المدني (البورجوازي). ومن دون تحديد هذا الأمر نقع في السياسوية التي هي ضرب من المثالية الفلسفية . والسياسوية هي الجهة المقابلة للاقتصادوية الميكانيكية التي ينتقدها مرقص بإلحاح. وهي المقابل للعمالوية التي هي نزعة نقابية في الحركة الاشتراكية والتي تخفض النضال البروليتاري إلى مستوى النضال من أجل حصة اقتصادية أنانية أكبر للعمال، وأيضاً هي ضرب من سلوك انعزالي للطبقة العاملة تجاه الطبقات الشعبية المهمشة الأخرى والأقليات القومية المظلومة.
عندما يذكر مرقص الانقسامات التي قد تحصل في الحزب الشيوعي الواحد في القطر الواحد ، لا يدفع بقوله هذا إلى نتيجته المنطقية ، لأنه لو فعل ذلك لوصل إلى نتيجة مؤداها أن الانقسامات والصراعات لم تكن حكر على الحزب الشيوعي فهناك صراعات بين البعثيين والناصريين بداية الستينيات من القرن العشرين في سوريا، وهناك صراعات بين أجنحة البعث نفسها إثر ذلك. لو فعل ذلك لتوصل إلى مفهوم مجتمع الطبقة المسيطرة وطبيعة هذه السيطرة في كل قطر عربي وإلى تعبيراتها السياسية بخصوص المسألة الوطنية والقومية ومسألة فلسطين.
لانشك في أهمية موضوع الخط السياسي للحزب الشيوعي. يكتب مرقص: "الأيديولوجيا الحقيقية ليست عموميات لفظية ، بل هي تجد تعبيرها و تجسيدها في خط سياسي عملي . علينا أن نمسك بمسألة الخط الفكري والسياسي، وأن نولي انتباهاً إلى الفوارق الدقيقة " . كان أحرى أيضاً بمرقص أن يولي انتباهاً للفوارق الدقيقة التي تكتنف الطبقات البورجوازية المتوسطة والصغيرة الريفية والمدينية في سوريا وما نتج عن ذلك من تناحرات سياسية بين أجنحتها فترة الستينات من القرن العشرين.
نعم علينا أيضاً أن ندقق في الفوارق، في البرنامج السياسي لأي حزب شيوعي حتى نحدد تماماً ما هو معبر عن المشروع السياسي للطبقة العاملة وما هو معبر عن مصالح حلفائها في الطبقات الشعبية المهمشة الأخرى من البورجوازيين الصغار والمتوسطين. إنّ في أساس هذا التدقيق صراع طبقات ومجتمع طبقات مهما كانت الصورة غائمة والتداخلات شديدة والحدود بين الطبقات مشوشة ، أصلاً، متى كان التاريخ يعطي حالات نقية في أية ظاهرة!.
لا يريد مرقص التحدث عن أن الصراع حول الفوارق الدقيقة في البرنامج السياسي هو تعبير عن صراع طبقات أو أجنحة طبقة وذلك حتى لا يتهم بلوثة "الطَبْقوية" . وعند هذه النقطة يسهب في ذكر الفلسفة والفلاسفة ، أي يشهر تبجحه "الثقافي" حتى يفحم خصومه في النقاش السياسي ؛ يقول: "... وأن تولي انتباهاً إلى الفوارق الدقيقة ، وإلى كفاح لينين على هذه الفوارق الدقيقة ، إلى النهايات الصغرى ، إلى الفيلسوف ليبنتس، وقراءة لينين لفيورباخ عن ليبنتس. التلسكوب (المنظار الفلكي الكبير) لا يكفي ، نحتاج إلى ميكروسكوب (مجهر) " ، إلى آخر هذا الهرج والمرج.
وأريد أن ألاحظ بشكل عابر انشغال مرقص بـ فيورباخ . ومعروف عن الأخير نزعته المادية التأملية أو الميتافيزيقية .
يعود مرقص ليؤكد أن مسألة الخط السياسي هي الأساس في قيام حزب شيوعي عربي موحد، وليس مسألة طبيعة الطبقية المسيطرة في كل قطر من الأقطار العربية والتركيبة الطبقية في هذه البلدان. يقول: "إن ربط فكرة قيام حزب عربي شيوعي موحد بفكرة العمل على برنامج بروليتاري واضح وخط واضح هو أمر مصيب رغم واقع التجزئة ، لأن وحدة القطر الواحد لم توقف تشقق الحزب الشيوعي السوري اللبناني" .
إن قيام حزب موحد بعد انجاز اتحاد الجمهوريات العربية الاشتراكية أمر لا معنى له و نافل ومراسيمي ، لأن على هذا الحزب أن يخوض النضال من أجل ذلك الهدف ، وليس العكس. بالتالي فإن واقع التجزئة يفترض ضرورة التنسيق بين الماركسيين العرب لإقامة برنامج الحزب البروليتاري وبيان وتوضيح التحالفات الشعبية والمهمات الديمقراطية في هذا البرنامج. إن برنامج الطبقة العاملة الديمقراطي في كل قطر عربي يفترض وضع قضية الوحدة العربية في صلب اهتمامه وعليه أن يعمل على ذلك. يكتب مرقص بصواب: "إن "المفهوم القومي" عاجز عن تحقيق الأهداف القومية ، وأن غالبية القيادات التي انطلقت منه انتهت بسرعة إلى مواقف معادية للوحدة العربية." . لكن من أين تأتي هذه الملاحظة الصائبة والمحقة؟ إنها تأتي من الدروس التاريخية التي أثبتتها الحركات الاجتماعية والثورات في القرن العشرين ومفادها أن البورجوازية بكل أشكالها العائلية والإقطاعية والمتوسطة والصغيرة في الريف والمدينة عاجزة عن إنجاز المهام الديمقراطية ومنها الوحدة القومية والتي كانت في القرن التاسع عشر من مهمات البورجوازية.
وجاء كتاب لينين "خطتا الاشتراكية في الثورة الديمقراطية" لتثبيت هذه الإستراتيجية الجديدة وهي أن على البروليتاريا وبرنامجها الديمقراطي " أن تنجز ما باتت البورجوازية عاجزة عن إنجازه من مهمات وعليها وفق ذلك أن تهتم ببناء برنامج ديمقراطي واسع يؤمن لها أكبر تحالف شعبي تهيمن فيه بالفعل وليس بالتبجّح عبر برنامجها الديمقراطي في سبيل تحقيق المهمات الديمقراطية والسياسية، ومنها الوحدة القومية العربية. إن سيطرة طبقات بورجوازية متوسطة وصغيرة على السلطة في مصر وسوريا جعلها تتحول إلى القطرية بسرعة وتهمل النضال من أجل الوحدة العربية.
الانطلاق الصحيح يكون من دراسة المجتمعات العربية وطبقاتها في كل قطر و بشكل تفصيلي وعلى أساس هذه الدراسة يتم وضع برنامج ديمقراطي يأخذ في حسابه مصالح أكبر قدر من الجماهير في القطر الواحد. لم تستطع البورجوازية الصغيرة والمتوسطة في مصر وسوريا فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي الاستفادة من الطاقة الثورية للفلاحين لإنجاز الوحدة العربية والتصنيع العربي والتحديث الاجتماعي ، وذلك على العكس من التجربتين الروسية والصينية في التحديث والتصنيع القوميين وفي وحدة المجتمع الصيني القومية.
هوامش
1 - الياس مرقص: "الماركسية السوفييتية والقضايا العربية" ، دار الحقيقة بيروت 1973، ص 14
2 - ماركس، انجلز : "الأيديولوجية الألمانية " ترجمة الدكتور فؤاد أيوب ، دار دمشق 1976 . وقد وردت العبارة حسب ترجمة أيوب كالتالي: "بالرغم من أنه يتوجب عليه ، من الجانب الآخر أيضاً، أن يؤكد نفسه في علاقاته الخارجية بوصفه قومية ، وان ينظم ذاته في الداخل بوصفه دولة" . وقد ترجمنا كلمة nationality الواردة في النص الإنكليزي للأيديولوجية الألمانية بـ وطن أو وطنية بدل قومية التي تركت للكلمة الإنكليزية nationalism والتي تخص عقيدة أو أيديولوجية القومية.
3 الماركسية السوفييتية والقضايا العربية ، مرجع مذكور ص 14
4- الماركسية السوفييتية والقضايا العربية ، مرجع مذكور ص 15
5- الماركسية السوفييتية ... مرجع مذكور ص 15
6- لينين: المختارات في 10 مجلدات ، المجلد 2 (1902-1905) دار التقدم موسكو ، ترجمة الياس شاهين 1977 ، ص 105-106
7- الماركسية السوفييتية و ... مرجع مذكور ، ص 16-17
8- يقول مرقص: "إن "وجهة النظر الطبقية " التي يحملها السوفييت تنسى أن الإصلاح الزراعي أو تأميم الرأسمال المصرفي والصناعي قد جاء محمولاً على جناح الوحدة السورية - المصرية، على ظهر "الخارجي"" ص 17 ونسأل مرقص : هل سقط هذا الإصلاح الزراعي وذاك التأميم مع تفكك الوحدة أم أن قوى اجتماعية ناهضة تبنت هذا الأمر في كل من سوريا ومصر. إنه تلاقي صعود المسألة الفلاحية واستحقاق الإصلاح الزراعي في كل قطر.
9- الماركسية السوفييتية و .. مرجع مذكور، ص 17
10- الماركسية السوفييتية و ... مرجع مذكور ص 22
11- نذكر هنا الصراع بين الجناح الريفي والجناح المديني للبورجوازية الصغيرة ضمن حزب البعث حتى 1966 والذي انتهى بانتصار الجناح الريفي نظراً لهيمنة المسألة الزراعية وقضية ملكية الأرض في تلك الفترة من النضال السوري.
12-الماركسية السوفييتية و .. مرجع مذكور ص 22
13-راجع كارل ماركس: أطروحات (مطارحات) عن فيورباخ. الأطروحة الخامسة: "إن فيورباخ ، الذي لا يكتفي بالفكر المجرد، يستنجد بالحدس الحسي، لكنه لا يعتبر العالم الحسي (الخارجي) بمثابة فاعلية عملية حسية إنسانية" 652 وجاء في الأيديولوجية الألمانية ترجمة أيوب دار دمشق 1976 القول التالي: إن العيب الرئيسي للمادية السابقة كلها -بما فيها مادية فيورباخ - هو أن تصور الشيء، الواقع، العالم الحسي ، لا يتم فيها إلا على صورة الموضوع أو الحدس (التأمل) ، وليس كفاعلية إنسانية حسية ، كممارسة ، ليس بصورة ذاتية" [المنزل ليس مجرد موضوع تأمل لصاحبه بل هو من صنع يديه] المطارحة الأولى . ص 651 لاحظ أن الطبيعة تاريخية على الدوام ما دام البشر.
14- الماركسية السوفييتية ... مرجع مذكور ص 23